آخر الأخبار

الدروس الضائعة بين مأزق بوتين وفخ ترمب

شارك

قبل فبراير/شباط من العام 2022 بدت أوكرانيا في العين الروسية أسهل منالا من إيران في الخيال الأمريكي. في الأجواء تلك أجرت صحف غربية عدة مقارنات لوجيستية وتقنية بين الجيش الروسي و"إجمالي الجيوش الأوروبية"، وكانت النتيجة تصب في صالح روسيا.

لوجيستيا كانت أوكرانيا حديقة روسية بالمعنى الحرفي، من اللغة إلى الكنيسة. لم يكن بالبلد المستقل عمليا، وكانت روسيا تعرف أين يقع كل شيء.

توقع بوتين الحسم خلال أيام قليلة، حتى إنه أرسل رتلا ضخما من الدبابات يزيد طوله عن 60 ميلا. كانت مهمة تلك الآلة العسكرية لا خوض الحرب بل دخول كييف على طريقة دخول السوفييت إلى براغ في العام 1968.

آنذاك لم يستغرق الجيش الروسي، بطوابيره الطويلة من الدبابات، سوى بضع ساعات حتى كانت العاصمة في قبضته. على المنوال نفسه سبق للدبابات الروسية أن اقتحمت بودابست، 1956، ونصبت نظاما مواليا لها. في حال بودابست احتاجت القوات الروسية إلى أسبوع كامل لبسط سيطرتها على العاصمة مستعينة بقرابة 2500 دبابة. غير أن معركة براغ، أو اقتحامها، لم يكلف أسراب الدبابات، خمسة آلاف دبابة، سوى ساعات كما قلنا.

اعتقد بوتين، 2022، أن القوة التي كانت تحسم المعارك في خمسينينات وستينيات القرن الماضي لا تزال تملك السحر نفسه في العصور الحديثة. الحساب المادي، التقني، في الحالة الأوكرانية أغفل عنصرا هاما في المعركة: إرادة الخصم ورغبته في المقاومة.

لا يتعلق الأمر هنا بالقدرة على المقاومة، بل بالرغبة، بذلك الشعور العميق بالانتماء للمكان لا للنظام، بالهوية والإحساس بالتاريخ.

تفجرت المعضلة الأوكرانية في العام 2014، وخلال ثمانية أعوام، حتى الاجتياح الروسي، كان المزاج الشعبي قد تغير كليا، بات أكثر إيمانا باستقلال أوكرانيا وبخصوصيتها التاريخية والثقافية. فقد تضاعف عدد الذين قالوا إنهم سيدافعون عن البلاد أربعا إلى خمس مرات بين عامي 2014 و2022.

إعلان

الآن تدخل تلك الحرب عامها الخامس، وتقول التقديرات التي يتداولها الإعلام الألماني أن الجيش الروسي خسر ما يزيد عن مليون فرد بين قتيل وجريح.

تشير الأخبار التي تنشرها الصحافة الألمانية إلى أن النظام الروسي بات يضع الفخاخ وينصب الشباك للتلاميذ والطلبة المتعثرين دراسيا؛ بغية إرسالهم إلى أرض المعركة. فهو يعدهم بأن يحولهم من طلبة فاشلين دراسيا إلى مهندسي مسيّرات، ومبرمجي معدات عسكرية.

بقيت الترسانة النووية في مكانها، فقد تأكد لبوتين أمران: أن زمن الدبابات بات من الماضي، خصوصا في عالم المسيرات والصواريخ الموجهة. وأن السلاح النووي صنع كي لا يستخدم.

فكرة الردع نفسها، التي صاحبت إنشاء هذا النوع القيامي من السلاح، أيضا فشلت. فلم تمنع آلاف الصواريخ النووية الروسية جنرالات أوكرانيا من استهداف الأصول الإستراتيجية الروسية، لا العسكرية ولا الطاقوية. تبخر وهم النصر السريع، واعترف حلفاء بوتين وشركاؤه بخطأ حسابات الرجل الذكي.

بات الأمر يتعدى هذه المسألة إلى حقيقة أخرى، وهي أن أوكرانيا صار بلدا عصيا على الغزو، وحتى على الاختراق. يتجول الجنرالات الأوكرانيون حاليا في الشرق الأوسط بوصفهم خبراء حرب، قادرين على ابتكار تصميمات دفاعية مثيرة للإعجاب ضد سائر أنواع المسيرات.

على الجانب الآخر، من المعركة لا يبدو أن بوتين يملك إستراتيجية خروج، وقد يتطلب الأمر وصول قائد آخر إلى الكرملين يرث المعضلة الأوكرانية ويتجرع السم. ذلك ما فعله غورباتشوف في العام 1985، فقد ورث حربا أكلت زهرة شباب بلده وابتلعت اقتصادها الهش. متخففا من "ذنب المعركة" باشر غورباتشوف تصفية تلك الجبهة إلى أن سحب جيشه من أفغانستان وتجرع، وهو وبلاده، السم.

هذه مقدمة وخاتمة في الوقت نفسه. بالأمس ناقش السير لورانس فريدمان، أبرز العارفين بحرب العراق، على بلومبيرغ الدروس المستفادة من حرب العراق. دراسة مأزق الحرب في العراق، يرى فريدمان، قد تجنب إدارة ترمب المصير الذي آلت إليه حروب أمريكا السابقة.

ما الدروس التي يمكن لإدارة ترمب أن تتعلمها من العراق؟: الغطاء الدولي القانوني، دراسة المجتمع المحلي وهضمه ثقافيا، خطة سياسية تنهي الحرب والمعركة معا، إستراتيجية خروج لا تترك فراغا في القوة، والنفس الطويل.

الحقيقة ينبغي على أي قائد عسكري أن يضع كل هذه الأمور على شاشته قبل أن يجري أي مران عسكري، ولو على سبيل التلويح بالحرب، ناهيك عن معاودة القفز إلى وحل الشرق الأوسط للمرة العاشرة.

يبدو الدرس الأوكراني أكثر إفادة من الدرس العراقي. الفخ الذي انزلقت إليه إدارة ترمب: هو وهم النصر السريع، مضافا إليه إغراء القوة. في بلاد مترامية الأطراف، مثل إيران، لا يكفي عدّ صواريخ "ثاد"، وإحصاء المقاتلات لبدء معركة.

فالحرب مع إيران تنمو تدريجيا منذ العام 1979. تفكيك الحرب إلى سلسلة من المعارك- لدينا حتى الآن معركتان خلال أقل من عام- سيدخل إيران في النموذج الأوكراني: التعايش مع الحرب واحتوائها، ثم التغلب على عقباتها، أي المناعة.

ما أُسقط حتى الآن من القنابل على الأراضي الإيرانية لا يزال أقل بكثير مما عانته أوكرانيا التي قصفت أعيانها المدنية بصواريخ عابرة للقارات. وإن كانت روسيا، الأوتوقراطية، قادرة على التعايش مع الحرب وتمديد أجلها، فالحال مع الولايات المتحدة مختلف.

إعلان

في الثامن والعشرين من مارس/آذار الماضي، ربما ستشهد أمريكا أكبر حدث احتجاجي في تاريخها. تحت لافتة "لا ملوك" من المتوقع أن يخرج ما يزيد عن 9 ملايين أمريكي للتنديد بسياسة ترمب الداخلية والخارجية.

لا يواجه بوتين مثل هذه الضغوط، وهي في الواقع الكابح الرئيسي للحروب. فهم غورباتشوف ذلك الأمر، وقبل أن يقدم على سحب قواته من أفغانستان قام بفعل غاية في الذكاء: سمح للصحافة الروسية بأن تنقل حقائق الحرب، بما في ذلك شهادات وأقوال ضحايا المعارك. المعلومة التي أطلقها غورباتشوف من إسارها دفعت الشعب الروسي إلى الخروج، وكان ذلك غطاء كافيا للقائد الجديد لتصفية الإرث السيئ لسلفه الراحل.

هذه الحرب التي تعود جذورها إلى العام 1979 لا يمكن حسمها بالقنابل ولا الاغتيالات. ثمة فرق جوهري بين: خامنئي ومادورو. الأول يعمل داخل منظومة مترابطة على أساس أيديولوجي عميق، والآخر فرد تحيط به أوليغارشيا تميل مع الريح حيث مالت. من الممكن أن ينتهي نظام مادورو بانتهاء حياة الرجل، غير أن الأمر في الحالة الإيرانية – المنظومة العميقة عديدة الطبقات- مختلف جذريا.

ثمة تناقضات واسعة داخل المجتمع الإيراني، وتفيد البيانات بأن "التماسك الاجتماعي" لم يكن في أحسن حالاته في الأعوام الأخيرة. هذا ما يحدث لأي مجتمع يعيش امتثالا أيديولوجيا إجباريا، تأخذ فيه الأيديولوجيا علامات أكثر سوءا من نظيرتها العلمانية.

تشير البيانات إلى أن المعركة ربما باتت تسهم في دفع المجتمع الإيراني إلى مزيد من التماسك لا العكس، فالعدوان نال من مصلحة المجتمع في المقام الأول، لا مصلحة النظام وحسب. في العام الماضي قال مركز "غالوب" إن 65% من الإيرانيين يرون في المشروع النووي مصدر فخر قومي.

العدوان على هذا المشروع يضرب، إذًا، في مركز الفخر القومي، وهذه الحرب تخدم السردية تلك إلى حد بعيد، والإيرانيون يرون هستيريا الدم في إسرائيل ولدى اليمين الإنجيلي في أمريكا.

في إسرائيل، تحديدا، ثمة شهوة دم لا قرار لها كما يرصد جدعون ليفي في "هآرتس". على مستوى النخبة الكاتبة، صانعة المعرفة والخيال، تأخذ المسألة أبعادا لاهوتية تتجاوز كل حدود التفكير الأمني الذي يروج له الساسة في تل أبيب.

يكتب الحاخام والناشط الثقافي ستيوارت وايس على "جيروزاليم بوست" قائلا إن الشعب اليهودي عاد لينتقم لما جرى لأسلافه على يدي هامان الفارسي الذي أراد محو شعب الله المختار، وبرأيه فإن الإيرانيين هم النموذج المثالي "Modus Operandi" للعماليق الذين تحرض التوراة على قتالهم.

في مقالة أخرى يرفع ستيوارت وايس من شأن ترمب إلى درجة "الإرادة الإلهية"، فقد تغلب على الفضل الذي أسداه الملك أحشوروش لليهود؛ إذ أطلق أيديهم للدفاع عن أنفسهم. في حالة ترمب فقد ذهب أبعد من ذلك، جاء بسلاحه وجيشه ووقف إلى جانب شعب الله.

بات واضحا أن الإطاحة بالنظام الإيراني أمر بعيد المنال داخل هذا النموذج من المعارك. ما يعني أن النظام سيستعيد قدرته، وسيعيد بناء آلته ومخازنه.

فلا يمكن القضاء على المعرفة، والمعرفة هناك. يعلم الأمريكان أن مصطلح "المعجزة الألمانية" استخدم لأول مرة في منتصف خمسينيات القرن الماضي، بعد سحق ألمانيا بأقل من عشرة أعوام. ذلك أن عالم الأفكار- يقول مالك بن نبي- سيعيد بناء عالم الأشياء خلال وقت قصير.

نحن، إذًا، بإزاء حرب مستدامة، أو دوامة حرب، تبدو أكثر تعقيدا من الحرب الروسية- الأوكرانية، بل من أي حرب خاضتها روسيا. فلا يملك ترمب ترف القفز من السفينة والعودة إلى ما وراء الأطلسي، في الوقت الذي تحول فيه البيت الأبيض من مؤسسة بيروقراطية علمانية إلى منصة لاهوتية لا تعبأ بالحقائق ولا القوانين. دعونا لا نقل: مؤسسة متصهينة تضع مصلحة إسرائيل في الواجهة.

إعلان

ماذا لو فكر الصينيون باصطياد أمريكا في الوحل الفارسي، كما اصطادت أمريكا خصمها الروسي في وحل أوكرانيا؟ هي شرايين مفتوحة ستنزف من وقت لآخر، لن تفنى فيها إسرائيل، ولن تختفي إيران من الوجود، لكن تفاعلاتها طويلة المدى – على الأمن والاقتصاد والسلم – لا يمكن التنبؤ بها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا