سيطرة مطلقة للحرس الثوري، وانحسار لدور رجال الدين، وتعمق في الصراعات داخل أركان النظام، هذا هو المشهد في إيران منذ مقتل المرشد الأعلى السابق علي خامنئي في هجوم صاروخي أميركي إسرائيلي مشترك في 28 فبراير.
يشير خبراء ومختصون بالشأن الإيراني من ضمنهم معارضون تحدثوا لـ”الحرة”، إلى أن اختيار مجتبى خامنئي مرشدا لنظام ولي الفقيه في إيران بعد والده علي خامنئي دليل على سيطرة التيار المتشدد في الحرس الثوري وتحكمه بزمام الأمور في البلاد واصداره القرارات دون العودة الى المراجع ورجال الدين.
وتؤكد ذات المصادر أن سلطة مجتبى خامنئي المرتبطة بالحرس الثوري وسيطرته على قيادة مسارات الدولة في إيران بدأت منذ مطلع القرن الحالي، “عندما بدأ الرجل يستخدم علاقاته وسلطة والده في التدخل في الانتخابات الرئاسية الإيرانية وتفكيك التيار الإصلاحي، استعدادا لبناء إمبراطورية عائلته المالية والسياسية والاقتصادية، عبر سيطرة الحرس الثوري على الاقتصاد والسياسية والامن داخل ايران وخارجها”.
“كانت هذه الخطوات بمثابة بداية الاستعداد لانتقال منصب المرشد من الأب إلى الإبن مقابل سلطات مطلقة للحرس في إدارة البلاد،” تضيف المصادر.
ومع ذلك تواجه هذه المساعي مشكلة حقيقية.
فأغلب قيادات الصف الأول في الحرس الثوري المرتبط ارتباطا وثيقا بالمرشد، قتلوا خلال حرب الاثني عشر يوما بين إيران وإسرائيل في يونيو الماضي، بينما قتل ما تبقى منهم بالإضافة للعديد من قادة الصف الثاني خلال الأيام الأولى من الحرب الحالية.
ووفق “تنفيذية دولة الأحواز” المعارضة يسيطر الصف الثالث من قادة الحرس الثوري حاليا على المشهد الإيراني بعد “إبعاد عائلات رجال الدين الرئيسيين في نظام ولي الفقيه من المعادلة السياسية خلال السنوات الماضية، ومن ضمن هؤلاء عائلة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني”.
وسيطرت عائلتان على الحكم في إيران، وهما عائلة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، وعائلة خامنئي، ومن يرتبط بهما من قادة الحرس الثوري وقادة ومسؤولي النظام، لكن السيطرة الأكبر هي لعائلة خامنئي.
“الصف الثالث من قادة الحرس الثوري هم الذين يقودون الحرب اليوم، وهؤلاء علاقاتهم ليست قوية مثل الصفين السابقين مع عائلتي خامنئي ولاريجاني، لذلك هناك فجوة احدثتها الحرب الحالية بين القيادة السياسية الدينية المتمثلة بالعائلتين من جهة والحرس الثوري من جهة أخرى،” يقول رئيس تنفيذية دولة الاحواز، عارف الكعبي، لـ”الحرة”.
ويشير الكعبي إلى أن السلطة التنفيذية التي يقودها الرئيس الإيراني مسعود بزيشكيان ووزراؤه خارج اللعبة تماما.
وعلى مدى 47 عاما الماضية، نما الحرس الثوري من قوة صغيرة إلى شبكة معقدة استخباراتية تجمع العقيدة والسلاح والسياسة والاقتصاد، لا يقتصر عملها في إيران فحسب، بل تشمل عملياته وأذرعه خارج إيران في مختلف دول العالم.
ورغم سيطرة التيار المتشدد على قيادة الحرس الثوري في إيران طيلة الأعوام الماضية، يحتضن تيار آخر هو المهدويين أو الحجتيين، وهو تيار متشدد يقوده الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، الذي أعلنت مواقع إيرانية، مطلع مارس الحالي، مقتله في هجوم صاروخي أميركي إسرائيلي مشترك، لكنها نفت ذلك فيما بعد استنادا إلى بيان صادر عن مكتبه.
ويرى رئيس مشروع المواطنة العراقية، غيث التميمي، أن المرجعيات وآيات الله أصبحوا صدى للحرس الثوري.
“باعتبار أن الحرس يمر بحرب طارئة ولا يستطيع أن يتواصل ويكشف عن كل شيء يحدث لهم، فلديه المبررات التي تجعله يأخذ من المرجعيات القرارات دون اطلاعهم على التفاصيل”، يوضح التميمي لـ”الحرة”.
يعتقد التميمي أن عدم ظهور المرشد الجديد مجتبى خامنئي حتى الآن بشكل علني يدل على أنه إما مقتول أو مصاب جراء القصف إصابة تمنعه من الظهور، مشددا أن الصراع والتيارات داخل صفوف الحرس الثوري ستظهر للعلن لحظة الإعلان عن مصير مجتبى خامنئي.
وكان وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث قال، الجمعة، إن مجتبى خامنئي أصيب بجروح ومن المرجح أن يكون قد تعرض لتشوهات، مشككا في قدرته على القيادة.
وأضاف هيغسيث أن مجتبى “أصدر بيانا أمس. بيان ضعيف في الواقع، لكنه لم يكن مصحوبا بصوت أو فيديو. كان بيانا مكتوبا”. وتابع قائلا: “إيران لديها الكثير من الكاميرات وأجهزة التسجيل الصوتي. لماذا بيان مكتوب؟ أعتقد أنكم تعرفون السبب. والده مات. إنه خائف، مصاب، هارب، ويفتقر إلى الشرعية”.
وقبل ذلك نقلت رويترز عن مسؤول إيراني لم تسمه، الأربعاء، قوله إن “المرشد الأعلى الإيراني الجديد مجتبى خامنئي أصيب بجروح طفيفة، لكنه يواصل عمله.
وبث التلفزيون الحكومي الإيراني، الخميس، بيانا مكتوبا لمجتبى خامنئي قرأه المذيع، وهو أول بيان له منذ توليه منصب المرشد الجديد في إيران.
ويشير المحلل السياسي العراقي، جعفر زيارة، إلى أن شبكات الولاء الشخصية والعلاقات التي نشأت بين قادة الحرس الثوري منذ مرحلة الحرب العراقية الإيرانية تلعب دورا مهما في تشكيل توازنات القوة داخل هذه المؤسسة.
“مراكز القوة والفاعلون الرئيسيون في صناعة القرار السياسي والعسكري في إيران يتمركزون إلى حدٍّ كبير بيد قيادات الحرس الثوري. وتلعب هذه القيادات دورا محوريا في رسم مسار القرارات المرتبطة بالحرب والأمن القومي، بما يضمن استمرار النهج الديني والسياسي للنظام في إيران”، يبين زيارة لـ”الحرة”.
لكن زيارة يرى في الوقت ذاته أن الحرس الثوري يعمل أيضا على فتح المجال أمام مسار دبلوماسي براغماتي تقوده شخصيات مرتبطة بالحرس أو ذات خلفية تنتمي إليه، من بينها علي لاريجاني، الذي يحظى بقدر كبير من القبول لدى عدد من رجال الدين المؤثرين في مدينة قم.
المصدر:
الحرة