في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أعلنت مجموعة "قطر للطاقة" وقف إنتاج حزمة من منتجاتها الكيميائية والبتروكيميائية والتحويلية، وضعت في مقدمتها مادة "اليوريا" الحيوية، لتمدد بذلك مفاعيل قرار سابق قضى بإيقاف إنتاج الغاز الطبيعي المسال ومنتجاته المصاحبة.
وتزامن هذا الإجراء السيادي مع تصاعد حدة المواجهة العسكرية في منطقة الخليج بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
وربطت وكالة رويترز بين اضطراب سوق الأسمدة وبين الحرب التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران السبت الماضي، والتي تسببت في تعطل سلاسل الشحن عبر مضيق هرمز الإستراتيجي.
وتسبب هذا الوضع في رفع علاوات المخاطر على النقل والتأمين، والضغط بقوة على الإمدادات المتجهة نحو القارة الآسيوية قبيل انطلاق موسم زراعي حاسم.
ولا تمثل اليوريا مجرد مركب كيميائي، بل إنها من أكثر أشكال منتجات النيتروجين تداولا في التجارة العالمية، وأي اضطراب في استقرار هذه السلعة قد يؤدي إلى رفع فوري في كلفة المدخلات الزراعية، وستليه بالضرورة قفزات في أسعار الغذاء العالمية.
ولهذا توصف اليوريا في الأدبيات الزراعية بأنها "حزمة النيتروجين" التي تدعم الإنتاج الزراعي العالمي.
استخدامات اليوريا:
لا يقتصر دور اليوريا على الزراعة؛ فهي أيضا مركب وسيط مهم في الصناعات الكيميائية التحويلية، ومنها:
اقتصاديا:
يحتل الخليج العربي موقعا مهما في خريطة إنتاج الأسمدة النيتروجينية العالمية، إذ استفادت دوله من وفرة الغاز الطبيعي الذي يمثل المادة الخام الأساسية لإنتاج الأمونيا واليوريا.
وقد سمح هذا العامل بتطوير صناعة أسمدة ضخمة موجهة أساسا للتصدير. وتقع قطر في قلب هذه المنظومة الصناعية، إذ تشير بيانات شركة "قافكو" للأسمدة الكيماوية، التابعة لقطر للطاقة، إلى أن طاقتها الإنتاجية تبلغ نحو 5.6 ملايين طن متري سنوياً من اليوريا، إضافة إلى 3.8 ملايين طن من الأمونيا.
وتصف الشركة نفسها بأنها أكبر مصدر لليوريا من موقع إنتاج واحد في العالم. ويؤكد تقرير الاستدامة الصادر عنها أن إنتاجها الفعلي بلغ 5.67 ملايين طن من اليوريا عام 2023، وهو مستوى إنتاج يوضح الحجم الكبير للدور الذي تلعبه قطر في السوق العالمية.
ولا تقتصر صناعة اليوريا في المنطقة على قطر، فقد ذكرت شركة "فيرتغلوب" (Fertiglobe) الإماراتية-الهولندية أن طاقتها الإنتاجية من اليوريا والأمونيا التجارية تبلغ نحو 6.6 ملايين طن سنويا عبر منشآتها في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
كما صممت منشأة "أوميفكو" في سلطنة عُمان لإنتاج نحو 1.65 مليون طن سنويا من اليوريا المحببة. وفي السعودية تعمل شركة "سابك للمغذيات الزراعية" على تطوير قدرات إضافية لإنتاج اليوريا والأمونيا ضمن مشاريع توسع صناعية في الجبيل.
ويكشف هذا التركز الإنتاجي سبب حساسية السوق العالمية لأي اضطراب في الخليج، إذ تمثل دول الخليج أحد أهم مصادر اليوريا في التجارة الدولية.
يضاعف العامل الجيوسياسي من تأثير توقف الإنتاج لأن جزءا كبيرا من تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر الخليج ومضيق هرمز.
وذكرت وكالة رويترز أن الحرب على إيران بدأت تعطل إمدادات الأسمدة عالميا نتيجة اضطراب الشحن البحري وارتفاع تكاليف التأمين، وهو ما يهدد تدفق الإمدادات إلى الأسواق الزراعية في آسيا.
وتؤدي التوترات العسكرية عادة إلى ارتفاع ما يعرف في الأسواق بعلاوة المخاطر، حيث ترتفع أسعار الشحن والتأمين وتتزايد احتمالات تأخير السفن أو تغيير مساراتها.
ولا يقتصر تأثير هذه العوامل على تكاليف النقل فقط، بل يمتد أيضا إلى التمويل التجاري، إذ قد تتشدد المصارف وشركات التأمين في شروطها في فترات التوتر العسكري.
ولهذا السبب يرى خبراء التجارة الدولية أن المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية الحيوية قد تكون أحيانا أكثر تأثيرا من توقف الإنتاج نفسه، لأن تعطل الطريق قد يمنع وصول الإمدادات حتى لو استمر الإنتاج في بعض المناطق.
وبدأت الأسواق العالمية بالفعل في التفاعل مع هذه التطورات، فقد أظهرت بيانات منصة "إنفستنغ دوت كوم" (Investing.com) أن "مؤشر اليوريا المحببة فوب الشرق الأوسط" ارتفع بسرعة في الأيام الأولى من مارس/آذار 2026، إذ صعد السعر من نحو 485 دولارا للطن إلى قرابة 597 دولارا للطن في فترة قصيرة، بزيادة قدرها 23%.
ويعكس هذا الارتفاع توقعات المتعاملين في السوق بأن الإمدادات قد تتعرض للضغط نتيجة توقف الإنتاج في قطر وارتفاع المخاطر اللوجستية في الخليج.
وغالبا ما تتفاعل الأسواق المالية بسرعة مع هذه المخاطر لأن العقود المستقبلية للأسمدة تعتمد على تقييمات أسعار تنشرها مؤسسات متخصصة في بيانات الطاقة والمواد الأولية، وهو ما يسمح للأسواق بإعادة تسعير المخاطر قبل أن يظهر نقص فعلي في الإمدادات.
يظهر التأثير الأكبر لارتفاع أسعار اليوريا في الدول التي تعتمد على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الزراعية. وذكرت رويترز أن دولا آسيوية عدة، ومن بينها الهند، تعتمد بشكل كبير على واردات الأسمدة من الشرق الأوسط، وهو ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسعار إذا تعطلت الإمدادات.
كما أشارت تقارير اقتصادية إلى أن اضطراب الشحن من الخليج قد يضغط أيضا على أسواق أمريكا اللاتينية، بما في ذلك البرازيل، وهي من أكبر مستوردي الأسمدة في العالم وتعتمد على الواردات لدعم قطاعها الزراعي الضخم.
وفي هذه الحالات، قد تجد الحكومات نفسها أمام خيارات صعبة، إذ يمكنها زيادة دعم الأسمدة لحماية المزارعين، أو السماح بارتفاع الأسعار وتحمل تبعات التضخم الغذائي، أو محاولة إدارة الطلب عبر سياسات تقنين أو توجيه للإمدادات.
يتوقف التأثير النهائي لتوقف إنتاج اليوريا في قطر على مدة الاضطراب ومدى استمرار المخاطر في الخليج. فإذا استمر التوقف فترة قصيرة، قد تتمكن الأسواق من امتصاص الصدمة عبر المخزونات وزيادة الإنتاج لدى بعض المنتجين الآخرين.
أما إذا استمر التوقف أشهرا أو تزامن مع اضطراب طويل في الشحن عبر مضيق هرمز، فقد تواجه الأسواق العالمية نقصا ملموسا في الإمدادات، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع طويل الأمد في أسعار الأسمدة، وربما انتقال جزء من هذه الزيادة إلى أسعار الغذاء.
وفي السيناريو الأكثر حدة، قد تتحول الأزمة إلى صدمة مزدوجة تشمل الإنتاج والنقل معا، مما يخلق اختناقات في سلاسل الإمداد ويزيد من تقلبات الأسواق الزراعية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة