في ظل تصاعد التوتر العسكري على الجبهة اللبنانية، عاد نهر الليطاني إلى صدارة المشهد من جديد، حيث يواجه ال جنوب اللبناني فصلا جديدا من فصول التصعيد العسكري، وتتسارع الخطى الإسرائيلية لفرض واقع ميداني وجغرافي جديد تحت مسمى "المنطقة الآمنة".
ومع اتساع نطاق إنذارات الإخلاء الإسرائيلية -جنوب النهر- لتشمل عشرات القرى، مع تكثيف الغارات والتوغلات البرية، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تمهّد لاجتياح واسع يفضي إلى فرض "منطقة أمنية" دائمة، أم أنها توظف الضغط العسكري لتحقيق مكاسب تفاوضية وأمنية مؤقتة.
في الأثناء، أصدر جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال اليومين الماضيين أوسع إنذارات الإخلاء نطاقا، مطالبا سكان عشرات البلدات والقرى الواقعة جنوب نهر الليطاني بالتوجه فورا إلى شمال النهر، تمهيدا لـ"العمل بقوة"، ضد حزب الله.
إلا أن اللافت في الإنذارات الإسرائيلية أنها لم تقتصر على قرى "الخط الأول" القريبة من الحدود الإسرائيلية، بل شملت 84 بلدة وقرية، بعضها يتجاوز عمق 10 كيلومترات عن الحدود، ويقترب من تخوم صيدا والبقاع الغربي.
هذا الاتساع الجغرافي يعزز مؤشرات سعي تل أبيب لفرض منطقة عازلة بعمق يصل إلى 10 كيلومترات على طول الحدود الممتدة لنحو 120 كيلومترا، وإذا ما تحقق هذا السيناريو، فإن المساحة المعنية تقارب 1200 كيلومتر مربع، أي نحو عُشر مساحة لبنان الإجمالية (10452 كيلومترا مربعا)، وهو ما يعني عمليا تجريد الدولة اللبنانية من شريط حيوي ديمغرافيا وزراعيا وأمنيا.
يمتد نهر الليطاني لنحو 170 كيلومترا، وينبع من منطقة العليق غرب بعلبك، ليمر ببحيرة القرعون قبل أن يصب في البحر المتوسط قرب القاسمية، ويشكل جنوب الليطاني منطقة ذات أهمية عسكرية بالغة، إذ ينقسم إلى ثلاثة قطاعات، غربي، وأوسط -يعد مركز ثقل شعبي وعسكري لحزب الله- وشرقي يمتد نحو مرجعيون.
يتراوح العمق بين مجرى النهر والخط الأزرق من 6 كيلومترات شرقا إلى نحو 28 كيلومترا في القطاع الأوسط، ما يمنح من يسيطر على المرتفعات والتلال قدرة إشراف ناري وبصري واسعة، فيما تشير معطيات ميدانية إلى أن إسرائيل تسيطر حاليا على عدد من النقاط المرتفعة داخل الأراضي اللبنانية، ما يوفر لها أفضلية تكتيكية في مراقبة الطرق والممرات الحيوية.
عسكريا، تستطيع إسرائيل الوصول إلى الليطاني وربما تجاوزه، لكن التجربة بين 1982 و2000 تشير إلى أن السيطرة على الأرض لا تعني ضمان الاستقرار، إذ تحول الشريط المحتل آنذاك إلى ساحة استنزاف مستمر، وعليه، فإن أي توغل واسع اليوم قد يحمل كلفة بشرية وعسكرية مرتفعة.
في المقابل، يجد حزب الله نفسه أمام معادلة دقيقة، في مواصلة الضغط الصاروخي لمنع تثبيت "المنطقة العازلة"، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد تستدعي تدخلا أوسع وتبدّل قواعد الاشتباك إقليميا.
من جانبه، أكد منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى قوات حفظ السلام الأممية في لبنان (يونيفيل) المحلل العسكري العميد منير شحادة أن "هدف إسرائيل أصبح واضحا، وهو احتلال كامل منطقة جنوب الليطاني"، وأشار إلى أن الاحتلال يسعى اليوم لتحقيق ما فشل فيه خلال حرب الـ66 يوما عام 2024.
وجاءت تصريحات شحادة عقب دعوة الجيش الإسرائيلي فجر اليوم الأربعاء سكان 30 بلدة وقرية جنوبي لبنان إلى الإخلاء الفوري تمهيدا لقصفها، بدعوى رصده أنشطة لحزب الله. كما طالب المتحدث العسكري باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي السكان بإخلاء منازلهم فورا والابتعاد مسافة كيلومتر واحد على الأقل.
وفي قراءة للمشهد العسكري المتصاعد، أوضح العميد شحادة أن "الإخلاء الواسع للمدنيين يُعدّ في العُرف العسكري مؤشرا قويا على احتمال عمل ميداني، لكنه ليس دليلا قاطعا على اجتياح شامل"، مؤكدا أن "المؤشرات حتى الآن توحي بأن هناك عملية واسعة في منطقة جنوب الليطاني ستعرف نتائجها مع مدى تصدي المقاومة لها".
وعن مصطلح "المنطقة العازلة" الذي تُروج له إسرائيل، اعتبر شحادة أن هذا "المصطلح الذي دأبت إسرائيل على استعماله منذ تكوينها، هو في العقيدة الإسرائيلية مصطلح إعلامي يهدف إلى حماية المستعمرات الشمالية من الأسلحة الصاروخية المباشرة".
ويشرح ذلك أكثر منسق الحكومة اللبنانية السابق لدى اليونيفيل بأن "إسرائيل في الواقع تعتمد على عاملي مرور الزمن وضعف الذاكرة لتصبح من بعدها هذه المنطقة العازلة جزءا لا يتجزأ من هذا الكيان المحتل، وما الجولان إلا مثالا صارخا على ذلك".
وفيما يتعلق بطبيعة التصعيد المتوقع، رجّح الخبير العسكري سيناريو "العملية واسعة النطاق" بدلا من التصعيد التدريجي، موضحا أن هناك مؤشرات ذلك يمكن الاستدلال عليها من خلال ما يلي:
وأضاف "إذا ترافق الإخلاء مع تعبئة واسعة، وضربات كثيفة ومتزامنة، وتوسيع بنك الأهداف ليشمل بنية تحتية مدنية، فذلك يميل إلى سيناريو عملية واسعة النطاق"، مشددا على أن جميع المؤشرات الحالية تدفع نحو هذا الاتجاه.
وعن قدرة حزب الله على التصدي لأي اجتياح بري محتمل رغم القرار الدولي 1701، أكد شحادة أن "الحزب يمتلك خبرة طويلة في حرب العصابات والدفاع المتحرك، ويمتلك قدرات صاروخية وبنية تحتية أوسع من نطاق جنوب الليطاني"، لافتا إلى أن "أي مواجهة برية ستكون مكلفة للطرفين".
وأوضح أن "الحزب قادر على إلحاق خسائر في أي توغل بري، لكن شكل المواجهة ونتائجها يتوقفان على حجم العملية الإسرائيلية وطبيعة أهدافها"، مستشهدا بتصريحات أمين عام حزب الله التي أكد فيها أن "المقاومة تعافت ونحن قادرون وسنختار الوقت المناسب".
وأشار إلى أن حزب الله "قام حتى اليوم بتدمير 5 دبابات ميركافا ويستهدف حيفا والجليل الأعلى برشقات صاروخية وبطائرات مسيرة"، مما يؤكد استمرار قدراته القتالية رغم الضغوط الميدانية.
وكان حزب الله أعلن أمس الثلاثاء شن 4 هجمات منفصلة باستخدام طائرات مسيرة هجومية وصواريخ، مؤكدا استهداف منشآت عسكرية في شمال إسرائيل، كما أعلن استهداف 3 قواعد عسكرية إسرائيلية ردا على الغارات التي استهدفت لبنان، بما فيها الضاحية الجنوبية لبيروت.
أما بشأن موقف الحكومة اللبنانية، فأوضح شحادة أن موقفها "يتمحور حول التأكيد على الالتزام بالقرار 1701، ورفض أي خرق للسيادة اللبنانية، والسعي عبر القنوات الدبلوماسية لاحتواء التصعيد"، وأكد أن "قدرة الحكومة على التأثير الميداني محدودة، خاصة في ظل تعقيد العلاقة بين الدولة وواقع السلاح".
وأشار إلى أن الحكومة اللبنانية اعتبرت مؤخرا "أن حزب الله خارج عن القانون بعد إطلاقه عدة صواريخ على شمال فلسطين المحتلة"، موضحا أن "دور الحكومة يتركز اليوم في المسار الدبلوماسي والضغط عبر المجتمع الدولي لتفادي حرب شاملة، كما طلبت من الجيش اللبناني الانسحاب من هذه المنطقة لأنه لا يمتلك القدرات اللازمة لمواجهة هذا التوغل".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة