في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
صيدا- ليل ثقيل خيّم على جنوب لبنان، لم يكن الظلام مجرد غياب للضوء، بل امتلأ الفضاء بصدى الغارات البعيدة وارتجاف النوافذ وهمسات الخوف التي تسللت إلى البيوت من دون أن تطرق أبوابها.
مع بزوغ فجر اليوم الاثنين، خرجت العائلات مسرعة على وقع تحذيرات إسرائيلية عاجلة بالإخلاء والابتعاد، وهي تحمل ما تيسّر من حاجياتها، مغلقة الأبواب خلفها من دون يقين بالعودة، وتحولت كل سيارة إلى مأوى مؤقت على طريق مزدحم لا يرحم.
تحولت الطرقات إلى بحر من السيارات المتلاصقة، وكل واحدة منها تحمل أسرة صغيرة، أطفال ناموا فوق الحقائب المكدسة، بعضهم يختنقون في نومهم، وآخرون يبكون بلا توقف، أصواتهم تتسلل بين أبواق السيارات وأزيز المحركات.
في دير قانون النهر، الطريق مشلول والسيارات متراكمة مثل سطور على لوحة مزدحمة، لا حركة تذكر سوى بعض الأمتار البطيئة. يجلس أبو علي في سيارته المكدّسة بالحقائب والأطفال النائمين على المقاعد المتراصة، عيناه لا تفارقان الطريق رغم التعب. منذ الساعة الثالثة فجرا تحركت سيارته أمتارا قليلة فقط، وقلبه مثقل بالقلق، هل يكفّ عن محاولة الحركة أم يعود أدراجه؟ أي خطأ قد يعني العودة إلى مناطق مهددة بالغارات.
خلفه، تحاول أمّ حسن تهدئة أطفالها الذين غطهم النوم فجأة، رؤوسهم متلاصقة على المقاعد، أنفاسهم متقطعة من الإرهاق والخوف، حملت معها القليل من الثياب والأوراق الضرورية فقط، وحوّلت السيارة إلى بيت مؤقت غير عارفة أين ستسند رأسها إذا بقي الطريق مغلقا.
على الطريق نفسه، يقود خليل سيارته منذ 7 ساعات، يتسلل بين السيارات المكدسة، يحاول الحفاظ على أعصابه وهو يتنقل في الزحام، وقال للجزيرة نت "بعض الناس نفد بنزينهم، والبعض الآخر أصيب بالإرهاق أو الدوخة، خاصة مع الصيام في هذا الشهر، وأصوات الغارات من بعيد تتسلل إلى السيارة، والقلب يعتصر خوفا، لكن الأمل في الوصول إلى مأوى آمن يظل يدفعني للمضي قدما".
في المقعد الأمامي، تجلس سيدة مسنة، وجهها المنهك يروي عمرا طويلا من الحياة، لكنها اليوم مجبرة على النوم في السيارة، عيناها تبحثان عن أي بصيص أمان بين السيارات المتوقفة وأصوات المحركات والضغط النفسي الذي يثقل المكان.
أما أمّ مهدي، فتتأرجح بين تهدئة رضيعها الذي لم يتوقف عن البكاء، وحمل حِمله البسيط من الملابس، وهي عاجزة عن تهدئته. لم تجد حليبا كافيا، ولا ماءً، والأغاني التي عادة تهدهده بها صمتت تحت وطأة القلق. كل المتاجر مغلقة، والطريق المزدحم يحرمها أبسط احتياجاتها.
على هذا الطريق، تحوّلت السيارات إلى ملاجئ مؤقتة، والناس إلى أرقام تتحرك ببطء على خريطة النزوح، كل واحد يحمل قصته، وقلبه مليء بالتوقعات والخوف من القادم.
وصل عباس القادم من النبطية، بعد 6 ساعات من السير المتقطع، إلى مدينة صيدا في رحلة كان يفترض أن تستغرق نصف ساعة فقط. أما سامر خليل، فغادر في توقيت السحور تقريبا، وما زال في الطريق حتى السادسة صباحا، بين الانتظار والزحام، يراقب كل حركة لعلها تسرّع رحلته.
بدورها، خرجت فاطمة منذ 7 ساعات، رأسها يتكئ على زجاج السيارة، عيناها تتأملان الطريق بلا جدوى، لا تعرف إلى أين تتجه بعد أن تضرر الجميع من الغارات وفقدان الأمان. أما علي صالح الذي نزح من برج الشمالي، فقد مضت 7 ساعات ولا يزال يحسب كل خطوة، وكل ثغرة بحثًا عن مأوى.
على هذا الطريق الطويل من بلدات الجنوب إلى مدينة صيدا، تختلط أصوات المحركات وصراخ الأطفال وبكاء الرضع وهمهمات القلق، مع الغارات البعيدة، لتصبح رحلة النزوح لوحة حية من التعب والخوف والصبر، حيث كل شخص يحلم بلحظة أمان ولو قصيرة.
وقد تصاعد التوتر بين حزب الله وتل أبيب بعد إطلاق الحزب رشقة صاروخية باتجاه شمال إسرائيل، أعقبها رد جوي إسرائيلي واسع استهدف الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في الجنوب و البقاع، مما فاقم حالة الهلع بين المدنيين، ودفع المئات إلى النزوح على وجه السرعة، حاملين معهم حاجاتهم الأساسية وسط طرق مزدحمة وليل طويل من القلق والترقب.
وجاءت الضربة الصاروخية في إطار إعلان الحزب عن رده على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، مؤكدا أن "المواجهة تتجاوز الحدود اللبنانية"، في حين أعلنت إسرائيل تفعيل خطة هجومية أُعدت مسبقا للتعامل مع هذا السيناريو، مما زاد من حالة عدم اليقين لدى السكان حول مدى أمان مناطقهم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة