ألقت مدريد بثقلها التاريخي والسياسي في قلب النزاع حول الصحراء المغربية، واستضافت، في 10 فبراير الجاري، اجتماعات بين ممثلين من المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو.
الاجتماعات التي جرت بعيداً عن الأضواء، برعاية أميركية مباشرة، وبحضور ممثل أممي، أحيت الأمل بحلّ النزاع، لكن نجاحها في ذلك يبقى مرهونا بمواقف الأطراف، ولا سيما الجزائر.
ومع طرح المغرب “ورقة أفكار” للحكم الذاتي للصحراء الغربية، وانخراط الولايات المتحدة في جهود الوساطة، طرحت تساؤلات حول احتمال أن يتعدّى الأمر مجرّد تنفيذ قرار مجلس الأمن 2797، ومدى ارتباط هذا التحرّك بـ”مجلس السلام” الذي أسسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وما إذا كان ثمة مقاربة أميركية تسعى إلى إعادة ترتيب قواعد الوساطة الدولية بأن الصحراء ودفعها نحو ديناميكية أكثر حزماً وتأثيراً.
يرى المحلل السياسي المغربي حمزة الأنفاسي، في حديث مع موقع “الحرة”، أن اجتماع مدريد ليس مجرد لقاء دبلوماسي، بل “تطبيق عملي للقرار الدولي 2797، الذي فرض على أطراف النزاع الأربعة (المغرب، البوليساريو، الجزائر، وموريتانيا) الجلوس على طاولة الحوار”.
ويعتقد الأنفاسي أن واشنطن تتبنى اليوم “منطق العصا والجزرة”؛ فبينما تظهر “الجزرة” في دعم المقترح المغربي كحل جديّ، تلوح بـ”العصا” ضد الأطراف التي قد تسعى لعرقلة هذا المسار.
أما بخصوص أهداف التحرّك الأميركي ونتائجه، فتدرج الباحثة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، سابينا هينبرغ، محادثات مدريد في خانة السعي إلى تنفيذ القرار 2797. تقول: “لا أعتقد أن التحرك الأميركي يحاول تجاوز عملية الأمم المتحدة أو الالتفاف عليها، وهذا ما يعكسه مشاركة المنظمة الدولية في المحادثات”.
ذكرت تقارير صحفية أن المغرب تقدّم، خلال الاجتماعات، بورقة من 40 صفحة، تتضمن عرضاً تقنيا لخطة إقامة حكم ذاتي في الصحراء تحت سيادته.
وتضمت الورقة المغربية بنوداً عدة، أهمها:
وفي تحليل لمضمون هذا المقترح، يؤكد الأنفاسي أن “المغرب قدم حلاً يضمن الحقوق السياسية والبيئية والاجتماعية لسكان الصحراء، وهو منطق حديث لتقرير المصير طُبق في مناطق أوروبية عديدة مثل إسبانيا وفنلندا”.
لكن المحلل السياسي الجزائري د. محمد هدير، يقول لـ”الحرة” إن هذا المسار يهدف إلى تدعيم “مؤسسة العرش”، موضحاً أن “ضم الصحراء يعطي شرعية أكبر للملك، وبالتالي تكون له القدرة على بسط السيادة على جميع الأقاليم في الصحراء”، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن المملكة “قدمت في مقابل هذا المسار التطبيع مع إسرائيل”.
يتجلى “منطق العصا والجزرة” الذي أشار إليه الأنفاسي في التحركات داخل أروقة القرار الأميركي، إذ يقول: “رأينا تحركات داخل الكونغرس من النائب الجمهوري جو ويلسن والسناتور الجمهوري تيد كروز تتحدث عن إدخال البوليساريو في قائمة الإرهاب، وهذا يعني أنه إذا لم تكن هناك إرادة للحل، فسيتم التعامل بمنطق العقوبات مع الطرف المعطل”.
“ترامب لا يحبذ استمرار الصراع الذي يغذي التهريب والتطرف في منطقة الساحل؛ فحل النزاع سيعود بالنفع على الاقتصاد العالمي عبر بناء عالم مبني على المصالح التجارية والمنفعة المتبادلة، خاصة مع شريك استراتيجي كالمغرب”، يضيف الأنفاسي.
أما الدور الجزائري، فيبقى الرقم الصعب. تشير هينبرغ إلى اعتماد الجزائر سياسة “الغموض المتعمّد” لتفادي الإقرار بوصفها طرفاً مباشراً، بينما يرى الأنفاسي أن قرار مجلس الأمن أحرج كافة الأطراف بتسميتها صراحة، ما دفع بالرئيس عبد المجيد تبون للتصريح بأن بلاده “ليس لديها مشكلة إذا وجد الصحراويون حلاً مع المغرب”.
أما هدير، فيشير إلى أن “اجتماع مدريد يعيد الموضوع إلى منطلقاته التاريخية”، معتبراً أن واشنطن تسعى لإيجاد ديناميكية جديدة بعيداً عن الجمود التقليدي.
هل تنجح واشنطن في تحويل “خطة الـ 40 صفحة” من مسودة دبلوماسية إلى واقع جيوسياسي نهائي، وحل النزاع بشأن الصحراء الغربية؟
لا بد من جولات تفاوضية مقبلة لتحديد الإجابة.
المصدر:
الحرة