كابل ـ لم يكن عبد الحكيم عزيز، الخمسيني القادم من إحدى ضواحي العاصمة الأفغانية كابل، يتخيل أن يحصل يوما على فحص قلبي متكامل دون أن يسأل عن المال. لأشهر طويلة، ظل الألم يضغط على صدره، لكنه كان يؤجل زيارة الطبيب مرة بعد أخرى، مدركا أن تكلفة الفحوصات القلبية في العيادات الخاصة تفوق قدرته المادية بأشواط.
وعندما بلغ الألم حدا لم يعد يحتمل، قاده بحثه المضني إلى عيادة متواضعة، حيث لم يكن المال شرطا للعلاج، بل الحاجة وحدها.
في هذه العيادة، يقدم الطبيب أحمد خالد سهيل، المتخصص في أمراض القلب، الفحوصات والعلاج والأدوية مجانا للمرضى الفقراء. ومع مرور الوقت، تحولت المبادرة الفردية إلى ملاذ يومي لعشرات المرضى، في بلد يمر فيه القطاع الصحي بواحدة من أكثر مراحله قسوة منذ عقود.
يروي عبد الحكيم تجربته للجزيرة نت قائلا إن تكلفة الفحص القلبي في العيادات الخاصة كانت تعادل دخله لعدة أشهر، لذلك، ظل يتجاهل الأعراض رغم خطورتها. ويضيف أن حصوله على العلاج المجاني أنقذ حياته، بعدما تبين أن حالته الصحية كانت تتطلب تدخلا عاجلا.
من ولاية قندوز شمالي البلاد، قطع محمد طاهر أكثر من 400 كيلومتر للوصول إلى العيادة نفسها. يقول للجزيرة نت إنه لم يتمكن من الحصول على العلاج في منطقته بسبب قلة الأطباء ونقص الأدوية، مشيرا إلى أن الفحوصات والعلاج المجانيين اللذين تلقاهما هنا كانا الفارق بين الحياة والموت.
ويستحضر الطبيب أحمد خالد سهيل مثالا آخر لرجل مسن جاء يطلب فحصا بسيطا لزوجته المسنة، التي كان قد طلب لها تصوير القلب منذ أشهر. الرجل، كما يروي الطبيب، اقترض 3 آلاف أفغاني (الدولار يساوي 65 أفغانيا) لتغطية تكاليف الفحص.
وقال إن المبلغ لا يكفي سوى لإجراء الإيكو والحصول على دواء بسيط. لكن الرد كان مختلفا هذه المرة: الفحص سيكون كاملا ومجانيا، وحتى في حال الحاجة إلى قسطرة أو دعامة قلبية، فسيتم إجراؤها دون مقابل.
تحولت دموع القلق إلى دموع فرح داخل العيادة، وهو مشهد يتكرر يوميا، بحسب الطبيب، داعيا كل من يعرف مريضا محتاجا إلى إحضاره، فالفحوصات والعلاج والأدوية جميعها مجانية.
وتعكس هذه القصص واقعا صحيا بالغ الصعوبة، حيث باتت كلفة العلاج عائقا رئيسيا أمام الوصول إلى الرعاية الطبية، خاصة لمرضى الأمراض المزمنة، في ظل اعتماد متزايد على مبادرات فردية لتلقي العلاج، حتى من مناطق بعيدة عن العاصمة.
مع ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وعجز آلاف المرضى عن تحمل نفقات الفحوصات والعلاج، لاسيما أمراض القلب التي تعد من الأعلى كلفة في البلاد، برزت هذه المبادرات الفردية كخط دفاع أخير في وجه الفقر والمرض.
يقول الطبيب أحمد خالد سهيل للجزيرة نت إن فكرته بدأت حين شاهد مرضى يعودون إلى منازلهم دون علاج فقط لأنهم لا يملكون ثمن الفحص. ويوضح أن أغلب هؤلاء المرضى يصلون في مراحل متأخرة من المرض، ليس نتيجة الإهمال، بل بسبب الفقر. ويضيف "نحاول أن نخفف عنهم العبء ولو قليلا".
ويشير إلى أن أمراض القلب في أفغانستان لم تعد حالات نادرة، بل باتت مرتبطة بنمط حياة قاس، وضغوط نفسية، وسوء تغذية، إضافة إلى صعوبة الوصول إلى خدمات طبية متخصصة، خصوصا للفئات محدودة الدخل.
بالنسبة للمرضى، لا تمثل هذه العيادة مجرد مكان لتلقي العلاج، بل فرصة حقيقية للنجاة، ويعيد عبد الحكيم عزيز التأكيد للجزيرة نت أن تجاهله للأعراض كان سببه الكلفة الباهظة للفحوصات، وأن العلاج المجاني أنقذ حياته بعد اكتشاف حالته الحرجة. أما محمد طاهر، فيؤكد أن رحلته الطويلة من قندوز إلى كابل كانت بحثا عن أمل مفقود في منطقته، وأنه وجد في هذه العيادة ما عجز عن إيجاده في مكان آخر.
من جانبه، يوضح الدكتور فريدون مراد، أخصائي أمراض القلب، للجزيرة نت أن عددا كبيرا من المرضى يصلون في حالات متأخرة، ما يضاعف خطر المضاعفات ويجعل العلاج أكثر تعقيدا وكلفة. ويشير إلى أن المبادرات الفردية تنقذ حياة البعض، لكنها لا تستطيع تغطية العدد الكبير من المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية مستمرة.
ويضيف أن حظر استيراد الأدوية من باكستان أدى إلى نقص حاد في بعض الأدوية الأساسية، ما انعكس مباشرة على حياة المرضى، مؤكدا أن الحل المستدام يكمن في دعم حكومي حقيقي للقطاع الصحي وتسهيل استيراد الأدوية لضمان توفرها.
تعتمد أفغانستان بشكل شبه كامل على الاستيراد لتلبية أكثر من 90% من احتياجاتها الدوائية، وكانت باكستان توفر ما بين 60% و70% من هذه الاحتياجات، إلى جانب الهند وإيران.
وفي خطوة أثارت مخاوف واسعة، أعلنت الحكومة تعليق استيراد الأدوية والمعدات الطبية من باكستان، المورد الرئيسي لجزء كبير من السوق المحلي. وتوقف التخليص الجمركي للبضائع الطبية بعد مهلة زمنية قصيرة، ما أدى إلى نقص في بعض الأدوية الأساسية وارتفاع أسعارها، في وقت يعاني فيه المرضى أصلا من ارتفاع تكلفة الرعاية الصحية وصعوبة الوصول إلى العلاج.
ويقدر مختصون أن أكثر من 70% من أدوية الأمراض المزمنة، بما فيها أدوية القلب، كانت تعتمد على واردات باكستان، ما جعل هذا القرار ضغطا مباشرا على المرضى، خصوصا أولئك الذين اعتادوا السفر إلى باكستان لتلقي علاجات تخصصية غير متوفرة محليا.
المتحدث باسم وزارة الصحة العامة الأفغانية شرافت زمان، يقول للجزيرة نت إن الوزارة تواجه تحديات كبيرة في تأمين الأدوية والمستلزمات الطبية، لكنها تسعى للحفاظ على استمرارية الخدمات رغم الصعوبات الاقتصادية واللوجستية التي يمر بها القطاع الصحي.
لا تقتصر الأزمة على المرضى وحدهم، بل تمتد إلى النظام الصحي بأكمله، الذي يعاني من نقص التمويل، وارتفاع أسعار الأدوية والمستلزمات، وتراجع قدرة المستشفيات على تقديم خدمات كافية.
وفي ظل هذا الواقع، يجد كثير من المرضى أنفسهم أمام خيارات محدودة: إما تحمل الألم وانتظار المجهول، وإما البحث عن مبادرات فردية قد لا تكون متاحة للجميع.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة