في زاوية هادئة من شقته الصغيرة في شمال شرقي العاصمة الفرنسية باريس، لا تزال حقيبة الحسن ديارا في مكانها كما تركها، وأقلامه على الرفوف، وملابسه مرتبة بعناية، بينما ظل دفتر صغير مفتوحا على آخر صفحة رسمها قبل رحيله.
في هذه الشقة كان يقضي الموريتاني الحسن ديارا (35 عاما)، أيامه بين العمل والمنزل، ويستجمع طاقته للرسم، حلمه الأكبر، آملا أن يعرض لوحاته يوما ما في معارض باريس.
منذ وصوله إلى فرنسا قبل 7 سنوات، كان الحسن يبحث عن حياة كريمة. وفي مساء 14 يناير/كانون الثاني، خرج حاملا كيس المهملات، لكنه لم يعد. ولاحقا أعلنت الشرطة الفرنسية وفاته إثر أزمة قلبية أثناء الاحتجاز، بحسب بيان رسمي.
وروى موسى ديارا، ابن عم الحسن وشريكه في السكن، للجزيرة مباشر آخر لحظاته قبيل القبض عليه: "رتب الحسن المكان وغسل الأواني، حضّر قهوته، ثم نزل إلى الأسفل، بينما كنت أشاهد مباراة على هاتفي. وعندما انتهت، علمت أن الشرطة قد أوقفته".
وقال موسى إن الحسن كان شخصية هادئة يحلم بحياة كريمة ولم يدخل في أي نزاع سابق، ولا يُعرف عنه أي مواجهة مع الشرطة أو مع الجيران.
وأكد موسى أن العائلة تطالب بتحقيق العدالة ومحاسبة المعتدين على الحسن، "حتى يرقد الفقيد بسلام".
وتحقق الشرطة الفرنسية في مقطع فيديو صادم تم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي يظهر فيه الحسن وهو يُطرح أرضا من قبل عناصر الشرطة، ويتعرض للضرب، قبل أن يفقد وعيه ويُنقل إلى مركز الاحتجاز، حيث أُعلن عن وفاته لاحقا.
بدوره، أكد بانغاسي ديارا، والد الحسن، للجزيرة مباشر حداده المستمر حتى تحقيق العدالة، معبرا عن ألمه الشديد لما لحق بابنه.
وقال بانغاسي "هل تعرفون ما شعور أب يعلم أن ابنه أوقفته الشرطة، وأن ما كان توقيفا عاديا انتهى بوفاته؟ أنت أب لا تستطيع فعل أي شيء، لأن الأمر يتعلق بالسلطة".
وأضاف "جئنا إلى فرنسا بحثا عن لقمة العيش، وليس من أجل أن نُقتَل".
وشدد الأب، وهو يغالب دموعه، على أنه ما زال يعيش حدادا عميقا، وينتظر العدالة لابنه.
بدوره، استذكر ساليمو كايتا ديارا، شقيق الحسن، اللحظات الأخيرة مع شقيقه، قائلا إن آخر لقاء جمعهما كان عند الساعة التاسعة مساء ليلة القبض عليه، مؤكدا أنه لم يره يوما يتشاجر مع أحد، ولم يسمع أنه واجه مشاكل مع الشرطة، مضيفا: "موته بهذه الطريقة أمر يفوق قدرتنا على الفهم".
وشهدت شوارع العاصمة الفرنسية باريس موجة احتجاجات واسعة عقب وفاة الحسن، شارك فيها آلاف المتظاهرين، الذين طالبوا بالكشف عن ظروف الوفاة ومحاسبة المسؤولين.
وطالب إبراهيم ولد علي، ممثل حركة "إيرا موريتانيا" الحقوقية، في تصريحات للجزيرة مباشر، "السلطات الفرنسية والقضاء الفرنسي بالعدالة لهذا الرجل، وهو مهاجر موريتاني مقيم منذ سنوات، وكل ما نعرفه أنه قُتل مظلوما".
ورفع المشاركون في الاحتجاجات لافتات كُتب عليها "العدالة للحسن ديارا"، وتجمع العديد من المتظاهرين أمام مركز الشرطة الذي أُوقف فيه، في محاولة للضغط على السلطات لكشف ملابسات الوفاة.
وحتى الآن، لا تزال جثة الحسن ديارا في قسم التشريح الفرنسي، ولم تُسلم بعد لعائلته لإقامة الصلاة عليه ونقله للدفن في موريتانيا، حيث تأمل العائلة أن يتم ذلك بعد تحقيق العدالة والكشف الكامل عن ظروف وفاته.
المصدر:
الجزيرة