في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
القدس المحتلة- بألم واضح، يروي المحامي حسن عبادي، الذي يداوم منذ سنوات على زيارة سجن الدامون ولقاء الأسيرات أسبوعيا، تفاصيل الواقع القاسي الذي تعيشه نحو 50 أسيرة فلسطينية موزعات على سجون الاحتلال ومراكز التحقيق والتوقيف المختلفة.
ويؤكد عبادي، في حديثه للجزيرة نت، أن الأسيرات يمررن اليوم بواحدة من أقسى المراحل في تاريخ الحركة الأسيرة، وسط عزل شبه كامل عن العالم الخارجي، وهو ما أتاح لإدارة السجون الانفراد بهن وفرض أشكال متعددة من القمع والتنكيل دون أي رقابة.
ويشير إلى أن سلطات الاحتلال تحرم الأسيرات كليا من زيارة أقربائهن، كما تمنع عنهن أجهزة الراديو والتلفاز، مما جعلهن معزولات تماما عن محيطهن الاجتماعي والسياسي، ومنقطعات عن متابعة ما يجري خارج أسوار السجن.
وعلى صعيد الأوضاع المعيشية، يوضح عبادي أن الأسيرات يعانين بردا شديدا، خاصة أن سجن الدامون يقع في منطقة جبلية ضمن جبال الكرمل، مع غياب وسائل التدفئة ونقص حاد في الملابس الشتوية.
ويضيف أن إدارة السجن تتعمد -بحسب إفادات الأسيرات- إبقاء نوافذ الزنازين مفتوحة خلال ساعات الليل، مما يسمح بدخول الهواء البارد مباشرة، ويواكب ذلك نقص كبير في مواد النظافة الأساسية، فضلا عن رداءة الطعام المقدَّم إلى الأسيرات من حيث الجودة والكمية.
وفيما وصفه بانتهاك فاضح للخصوصية، يوضح عبادي أن إدارة السجن صعَّدت إجراءاتها القمعية بتركيب كاميرات مراقبة تعمل على مدار الساعة داخل معظم الغرف والزنازين، إضافة إلى الكاميرات المثبَّتة سابقا في الساحات.
ويؤكد أن هذه الخطوة تسببت في أذى نفسي وصحي بالغ للأسيرات، نظرا لمراقبة تفاصيل حياتهن اليومية كافة، مشيرا إلى أن الكاميرات وصلت حتى إلى "غرفة العلاج" التي يُفترض أن تكون مساحة خاصة لتلقّي الرعاية الطبية.
ومع قسوة هذه الظروف، يشدّد عبادي على أن أكثر ما يؤذي الأسيرات فعليا هو حملات القمع المتكررة التي تنفذها إدارة السجن بذرائع واهية.
ويستعرض في هذا السياق وقائع عدة، منها تنفيذ عملية قمع لمصادرة "الشوك البلاستيكية" بعد اكتشاف أن إحدى الأسيرات استخدمتها لتمشيط شعرها. وفي واقعة أخرى، دهمت إدارة السجن إحدى الغرف بسبب اسم أسيرة سابقة مكتوب على الجدار، إذ اشتبهت في وجود أسيرة حالية تحمل اسما مشابها، مما أدى إلى التنكيل بها دون أي مسوغ قانوني.
وفي واقعة أحدث، نفذت إدارة السجن، الخميس الماضي، حملة قمع واسعة لمصادرة الملاعق البلاستيكية، بعد أن اكتشف السجانون أن الأسيرات استخدمنها لإعداد سلطة وتقطيع الخضار. ويصف عبادي هذه الواقعة بأنها نموذج إضافي لاستخدام أدوات حياتية بسيطة ذريعة لاقتحام الغرف وفرض عقوبات جماعية.
ويضيف أنه جرى تقييد الأسيرات من أيديهن وأرجلهن، وتعصيب أعينهن، وسحلهن إلى الساحات، في حين كان الجنود يرددون عبارات بالعبرية تفيد بأن هذا التنكيل يجري "على شرف عياش" في إشارة ذات طابع انتقامي.
ويكشف عبادي -نقلا عن الأسيرة هيام- تفصيلا صادما، إذ قالت إنها تعرضت لـ120 صفعة من 120 جنديا مختلفا، إذ كان كل جندي يضربها ثم يلتقط معها صورة (سيلفي) وهي مقيَّدة، إلى أن فقدت وعيها من شدة الضرب والتنكيل.
ويقول عبادي إن أخطر ما تواجهه الأسيرات هو سياسة "التفتيش العاري" وهي ممارسة مهينة ومنتهكة للكرامة الإنسانية، موضحا أن هذا التفتيش تنفذه مجندات، وغالبا ما يجري تحت التهديد باستخدام الكاميرات أو التلويح بإدخال سجانين آخرين للنظر إليهن في حال الرفض.
وأشار إلى تسجيل حالات تفتيش جماعي عارٍ، إضافة إلى حالة أسيرة شابة تعرضت لهذا النوع من التفتيش 14 مرة، فضلا عن شتم الذات الإلهية والرموز الوطنية والأهالي بألفاظ نابية.
ومع كل ذلك، يرفض عبادي وصف الأسيرات بأنهن "محطمات نفسيا" مؤكدا أن معنوياتهن لا تزال مرتفعة، ويستمددن قوتهن من تضامنهن الداخلي. لكنه يشير -استنادا إلى تجربته مع أسيرات محررات- إلى أن الصدمة الحقيقية غالبا ما تظهر بعد الإفراج، حين تبدأ الأسيرة باستيعاب حجم الانتهاكات التي تعرضت لها داخل السجن.
ويلفت إلى أن زيارة المحامي تشكل متنفسا نفسيا بالغ الأهمية للأسيرات، موضحا أن بعضهن لا يستطعن النوم أو استعادة قدر من التوازن النفسي إلا بعد الحديث عما تعرضن له. ويقول "حاجتهن الأساسية اليوم لا تقتصر على الطعام أو التدفئة، بل إلى من يسمع ويوثّق، ويُبقي قضيتهن حية خارج جدران السجن".
ويختم عبادي بالقول إن الأسيرات لا يواجهن السجن وحده، بل يُتركن يوميا في مواجهة مصائرهن داخل الزنازين دون أي حماية أو رقابة دولية، مشيرا إلى أن ما يجري بحقهن "جريمة حرب مكتملة الأركان".
ودعا عبادي إلى ضرورة تدويل قضية الأسيرات، والتوجه إلى المحكمة الجنائية الدولية والمؤسسات الحقوقية العالمية، مطالبا بإبقاء الاهتمام الإعلامي والحقوقي بأسمائهن وقصصهن الإنسانية حاضرا، بوصفهن بنات وأمهات وجدّات، لا مجرد أرقام في إحصاءات السجون.
وفي السياق ذاته، يقول الناطق باسم نادي الأسير الفلسطيني مظفر ذوقان للجزيرة نت إن الحركة الأسيرة تمر بمرحلة استثنائية وغير مسبوقة في تاريخها، واصفا واقع الأسرى والأسيرات بأنه "كارثي بكل المقاييس".
وأوضح أن عمليات القمع لم تتوقف حتى خلال الفترات التي أُعلن فيها وقف لإطلاق النار في قطاع غزة، بل استمرت وتصاعدت، مع تجديد حكومة الاحتلال العمل بما تُسمى " حالة الطوارئ" المفروضة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهو ما عَدَّه غطاء رسميا لمواصلة إجراءات التنكيل داخل السجون.
وأضاف ذوقان أن ما تتعرض له الأسرى والأسيرات منذ أكثر من عامين يرقى إلى مستوى "إبادة صامتة" مشيرا إلى استشهاد نحو 100 أسير داخل السجون، من بينهم 87 أسيرا معروفة هوياتهم.
ورأى أن ما يجري هو سياسة انتقام ممنهجة من الحركة الأسيرة، مؤكدا أن الأسيرات الفلسطينيات يتعرضن لمستوى مماثل من القمع والعزل والضرب الذي يواجهه الأسرى الرجال، وصولا إلى أساليب الاعتقال والتحقيق القاسية.
وفي ختام حديثه، أوضح ذوقان أن نادي الأسير يعمل على توثيق قانوني منهجي لكل الانتهاكات المرتكبة بحق الأسرى والأسيرات، عبر شهادات الأسرى المحررين وإفادات المحامين من مختلف السجون، مثل عوفر والنقب والسبع وريمون وغيرها.
وأكد وجود تنسيق مستمر مع هيئة شؤون الأسرى، ومؤسسة الضمير، ووزارتي العدل والخارجية، وجامعة الدول العربية، بهدف تدويل قضية الأسرى، وإحالة الملفات الموثقة إلى محكمتي الجنايات الدولية والعدل الدولية، لمساءلة الاحتلال عن جرائمه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة