آخر الأخبار

هل يمهد الاحتلال لاستيطان محيط مقام يوسف في نابلس؟

شارك

نابلس ـ تواجه العائلات الفلسطينية القاطنة في محيط "مقام يوسف" بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية واقعا أمنيا يزداد تعقيدا يوما بعد يوم، حيث يسعى الاحتلال من خلال تكثيف الاقتحامات وتحويل المنازل الآمنة إلى ثكنات عسكرية، إلى دفع السكان قسرا لترك منازلهم وضرب مقومات صمودهم في المنطقة.

وتعيش شيماء بشكار وعائلتها، التي تقطن في إحدى البنايات الملاصقة للمقام، فصولا من المعاناة المستمرة؛ فمع تصاعد وتيرة اعتداءات المستوطنين والقرار الأخير بتمديد الاقتحامات لتشمل ساعات النهار، تحولت عمارتهم السكنية إلى ساحة مواجهة ونقطة تمركز لجنود الاحتلال، إلا أن ذلك لم يثن العائلة عن التشبث بمنزلها ومحاولة الصمود في وجه مخططات الاحتلال الرامية لتهجيرهم وإفراغ المنطقة من سكانها.

وتفرض الاقتحامات، التي باتت تتكرر بشكل شهري تقريبا، نمطا من "حظر التجول" الإجباري على السكان، مما أفقد حياة شيماء وعائلتها الاستقرار حيث تُمنع الحركة تماما خلال الاقتحام أو الخروج من المنزل.

وتوضح قائلة: "إذا علمنا بوجود اقتحام، يجب أن نكون في المنزل قبل الساعة التاسعة مساء، ويحظر النزول لصلاة الفجر، ولا يسمح لنا بالتحرك بحرية إلا بعد انسحابهم".

وفي أيام الاقتحامات، تجد "شيماء" نفسها مضطرة أحيانا للنزوح المؤقت بأطفالها الأربعة إلى منزل أهلها، لا رغبة في ترك المنزل، بل لضمان عدم ضياع الامتحانات المدرسية على أبنائها في ظل الحصار المفروض، تاركة منزلها خلفها فريسة لهواجس الخلع والتخريب.

مصدر الصورة مقام يوسف يشهد اقتحامات مستمرة ومخططات استيطانية للسيطرة عليه (الجزيرة)

طريقة وحشية

ورغم هذه المخاطر، تستمد شيماء العزيمة من والدها، إذ تقول: "رغم خوف والدي علينا، فإنه يشجعني دائما على الصمود في منزلي وعدم تركه فريسة سهلة لتخريب الاحتلال".

وتصف شيماء الطريقة الوحشية التي يقتحم بها جنود الاحتلال البناية السكنية، إذ لم يعد الأمر مقتصرا على الانتشار في الشوارع، بل تعداه إلى اقتحام الشقق السكنية. وإخراج السكان منها وسرقة محتوياتها أو تخريبها.

إعلان

وإلى جانب المخاطر الأمنية، تواجه العائلة وسكان المنطقة معضلة قانونية تعزز مخاوفهم من مخططات التهجير، إذ تؤكد "شيماء" أنه رغم تسديدهم لكافة الأقساط المالية المستحقة لثمن الشقة، فإنهم عاجزون عن إتمام إجراءات التنازل وتثبيت الملكية رسميا.

وتضيف: "يبدو أن هناك ما يشبه القرار بتجميد إجراءات التملك في محيط قبر يوسف، وهو ما يثير الريبة"، وتلفت شيماء إلى أن الخطر لا يقتصر على الجيش فحسب، بل إن "رعب المستوطنين" يفوقه بمراحل، "فهم يتحركون دون ضوابط ولا يمتثلون حتى لأوامر جيشهم".

وقد سُجلت حوادث اقتحام نفذها مستوطنون في وضح النهار وفجرا، تخللها رشق المنازل بالحجارة، وإطلاق الرصاص الحي بشكل مباشر على النوافذ، ناهيك عن حوادث الدهس المتعمد للمارة بمركباتهم المسرعة.

مصدر الصورة عائلات فلسطينية تضطر لإخلاء منازلها والنزوح من البنايات المجاورة لقبر يوسف تزامنا مع اقتحام قوات الاحتلال (الجزيرة)

مخطط متدرج للسيطرة

من جانبه، يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي عزام أبو العدس أن مسألة الاستيطان في "قبر يوسف" هي مسألة وقت ليس إلا، مشيرا إلى أن هذه الأفكار تراود الاحتلال منذ سنوات. فمنذ انتفاضة الأقصى عام 2000 وإخلاء منطقة القبر بسبب العمليات الفدائية، استمرت إسرائيل في المطالبة باستعادته طوال السنوات الماضية.

ويضيف أبو العدس: "مع تصاعد قوة التيارات الاستيطانية، وتغلغل المستوطنين في مفاصل الحكومة الحالية، حيث أصبحت للصهيونية الدينية سطوة كبيرة في الجيش، وجهاز ( الشاباك)، والحكومة، ووزارة المالية، باتت لهم الكلمة النهائية في هذا الملف".

ويشير الباحث إلى اجتماع عقد قبل شهرين ضم كلا من عضو الكنيست "تسفي سوكوت" عن الصهيونية الدينية، و"يوسي دغان" مسؤول مستوطنات الضفة الغربية، إلى جانب قيادات من الجيش و"الشاباك" ولجنة الخارجية والأمن.

وتمحور الاجتماع حول "قبر يوسف"، وبقيت مخرجاته سرية حينها، ويعلق أبو العدس: "كان من الواضح أنه ما دامت المخرجات سرية، فإن هناك أمرا ما يتم التخطيط له".

ويكشف أبو العدس للجزيرة نت -استنادا لما نشره الإعلام العبري وتحديدا صحيفة "يديعوت أحرونوت" وموقع "0404"- عن تفاصيل الخطة التي تقضي بالعودة التدريجية للمستوطنين إلى قبر يوسف عبر مسار متصاعد وعلى 4 مراحل.

يبدأ بتكثيف الاقتحامات الليلية لتصبح روتينا دائما، ثم يتمدد ليشمل ساعات النهار لأول مرة حتى الثامنة صباحا. ويمهد هذا التوسع لمرحلة الدخول المستمر والدائم إلى منطقة القبر، التي ستتوج نهائيا بتشييد نقطة سيطرة عسكرية ومدرسة دينية يلتحق بها جنود وحدة "الناحال" ومستوطنون متدينون، مما يعني عمليا تحويل الموقع إلى بؤرة استيطانية ثابتة في قلب مدينة نابلس.

مصدر الصورة آليات عسكرية تابعة لقوات الاحتلال تقتحم محيط المقام لتأمين اقتحامات المستوطنين (الجزيرة)

إعادة هندسة الوجود

في السياق ذاته، يؤكد المحلل السياسي سليمان بشارات أن قرار توسيع الاقتحامات نهارا يهدف لإعادة صياغة الوجود الإسرائيلي، استيطانيا وعسكريا، داخل التجمعات الفلسطينية، مقابل تحويل الوجود الفلسطيني إلى "كانتونات" سكنية مغلقة ومعزولة، بينما يتمتع الاستيطان بالأريحية الكاملة في الحركة والتمدد وتشكيل الواقع الجغرافي.

إعلان

ويرى بشارات أن الاحتلال انتقل فعليا من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، في السيطرة على مناطق "ج" (الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية)، وبحكم وقوع "قبر يوسف" ضمنها، يتجه الاحتلال لبسط سيادته الكاملة عليها كأمر واقع.

ويعتبر بشارات أن سياسات إخلاء العائلات وتحويل المنازل لثكنات تأتي ضمن سياق "إعادة هندسة الوعي الفلسطيني" لتقبل الوجود الإسرائيلي قسرا، رابطا ذلك بما جرى من تهجير وعسكرة لمخيمات جنين وطولكرم، تمهيدا لرسم الخارطة الجغرافية والديموغرافية المستقبلية.

ويقول خلال حديثه للجزيرة نت: "الأمر هنا يتجاوز البعد الأمني ليشمل فرض السيادة، فالاحتلال يسعى لجعل الفلسطيني (مطواعا) لسياساته، يتقبل أي خطوة دون اعتراض، ولترسيخ قناعة بأن الاحتلال هو صاحب القرار الوحيد".

ولفت بشارات إلى أن العقلية الإسرائيلية لا تزال قائمة على مبدأ التهجير والتضييق، ويظهر ذلك جليا من خلال استمرار التضييق في المناطق المستهدفة (كتجميد الملكية والاقتحامات)، بهدف دفع الفلسطينيين نحو النزوح الداخلي أو الهجرة الخارجية.

وختم بشارات حديثه بترجيح فرض وجود عسكري إسرائيلي دائم في المنطقة، بذريعة الادعاءات الدينية وحماية المستوطنين، خاصة في ظل غياب أي موقف رافض وجاد -سواء على المستوى الشعبي، الرسمي، أو الدولي- الأمر الذي يسهل مهمة الاحتلال، "فالخطوة التي قد تحتاج لسنوات لتنفيذها باتت تتم في أيام".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا دونالد ترامب إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا