كشفت دراسة نُشرت في نوفمبر بمجلة "Cancer" أن اختبارات دم مبتكرة قد تسهم في خفض عدد حالات السرطان التي تصل إلى المرحلة الرابعة بنسبة 45% على مدى عشر سنوات في الولايات المتحدة، إذا تمّ توفيرها لخمسة ملايين بالغ.
ولا يتحقق هذا الأثر إلا عندما يُرصد المرض في مراحله الأولى، أي حين يكون أكثر استجابةً للعلاج.
ورغم ذلك، يؤكد الخبراء أن هذه الفحوصات لم تدخل بعد حيّز الاستخدام اليومي، إذ تسجّل معدلات مرتفعة من "النتائج الإيجابية الكاذبة"، ولا توجد حتى الآن إرشادات واضحة لكيفية دمجها في خطط التشخيص والعلاج المعتمدة.
تعتمد هذه التقنية - المعروفة أيضًا باسم "الخزعة السائلة" - على تحليل عيّنة دم للبحث عن علامات السرطان دون لمس الورم، ويمكنها رصد خلايا ورمية متنقلة، وأجزاء من الحمض النووي، وأجزاء دقيقة من الخلايا السرطانية.
في ها السياق، تشرح الدكتورة كارولينا ريدوزي من كلية طب ويل كورنيل أن الفكرة تشبه "ترجمة خزعة الأنسجة إلى الدم"، ما يجعل منها طريقة أسهل لمتابعة تطوّر المرض.
حتى الآن، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على خمسة اختبارات فقط، كلٌّ منها مخصص لنوع واحد من السرطانات. أما الاختبارات القادرة على رصد أنواع متعددة - مثل Cancerguard من Exact وGalleri من GRAIL - فلا تزال غير معتمدة رسميًّا.
وبدلًا من ذلك، تُستخدم كـ"اختبارات مطورة في المختبرات" (LDTs)، وهي فئة لا تخضع لموافقة الـFDA لكنها تُستخدم حاليًا من خلال الأطباء أو مزوّدي الرعاية عن بُعد.
وفي بريطانيا، يُجري النظام الصحي الوطني (NHS) ت جربة سريرية تُسمى PATHFINDER 2 على اختبار Galleri، بمشاركة 140 ألف شخص. ومن المقرر نشر نتائجها عام 2027، في خطوة قد تمهّد لاعتماد أوسع في أوروبا.
تشير الدكتورة إيزولت براون من مستشفى رويال مارسدن إلى أن الأطباء اعتمدوا لعقود على خزعات الأنسجة لاتخاذ قرارات العلاج، ما يصعّب تغيير الروتين السريري حتى مع وجود أدلة على فائدة الاختبارات الجديدة. كما أن غياب المعايير الموحّدة يجعل مقارنة الفحوصات المختلفة أمرًا معقّدًا.
وفي تقييم مستقل، وجدت روث إيتزيوني من مركز فريد هاتش أن فاعلية تحليل الدم تعتمد على طبيعة كل ورم، فبعض الأورام تبقى طويلاً في المراحل المبكرة، ما يزيد فرص اكتشافها، بينما تتقدم أخرى بسرعة إلى المرحلة الرابعة، ما يقلل من جدوى الفحص السنوي.
وتشير إلى أن الافتراضات المستخدمة في دراسة "Cancer " كانت أكثر تفاؤلًا من اللازم بشأن سرعة تطوّر المرض.
ويؤكد جميع الباحثين أن أي نتيجة إيجابية من الخزعة السائلة تستلزم تأكيدًا عبر فحوصات إضافية قبل بدء العلاج. فبعض العلاجات - مثل العلاج المناعي - تعتمد على تقييم كثافة الخلايا المناعية داخل الورم، وهي معلومة لا يمكن استخلاصها من الدم.
ويحذّر الباحثون من أن هذه النسبة قد تولّد قلقًا غير مبرر وتثقل الأنظمة الصحية بسلسلة من الفحوصات غير الضرورية.
وللحد من هذه الأخطاء، يعمل العلماء على تحسين الاختبارات عبر دمج إشارات من الخلايا المناعية مع العلامات الورمية، إضافةً إلى توحيد المعايير المخبرية، ما قد يرفع من الدقة ويقلل النتائج الكاذبة.
وتُجرى حاليًا تجربة في مستشفى رويال مارسدن تختبر ما إذا كان بإمكان تحليل الدم تحديد مريضات سرطان الثدي اللواتي لا يحتجن إلى العلاج الكيميائي بعد الجراحة، عبر رصد الحمض النووي الورمي في الدم حتى بعد استئصال الورم.
تقول الدكتورة ريدوزي: "ليس لدينا اليوم اختبار يجمع بين الحساسية العالية والدقة المطلوبة، لكنني واثقة أننا سنصل إليه مع الوقت".
المصدر:
يورو نيوز