آخر الأخبار

كيف تعيد واشنطن رسم خريطة النفط الفنزويلي لمواجهة بكين؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم تعد الولايات المتحدة، بموجب الاتفاق النفطي الجديد مع فنزويلا، مجرد مستورد للخام أو قوة تفرض العقوبات على قطاع الطاقة الفنزويلي، بل أصبحت مساهمًا وصاحب حق نقض ومشتريًا مضمونًا للنفط، في صيغة تمنح واشنطن نفوذًا مباشرًا على الإنتاج والتسويق والقرارات الإدارية.

وتقدم إدارة الرئيس دونالد ترمب الاتفاق باعتباره وسيلة لتأمين إمدادات منخفضة التكلفة وإنعاش الاقتصاد الفنزويلي، بينما يراه منتقدون خطوة تضع أهم موارد البلاد تحت الوصاية الأمريكية. وبين الروايتين، تبقى أسئلة الاستثمار والتكلفة والشفافية والاستقرار القانوني بلا إجابات حاسمة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 بيتانكورت.. قصة مليونير سهّل خطة ترمب لبسط نفوذه على نفط فنزويلا
* list 2 of 2 بعيدا عن الغاز الروسي.. هل تستطيع أوروبا تدفئة شتائها دون هرمز؟ end of list

كما وقعت شركتا "شيفرون" الأمريكية و"إيني" الإيطالية اليوم الأربعاء اتفاقات رئيسية مع الحكومة الفنزويلية لتوسيع مشروعات النفط في البلاد، ضمن حزمة شملت أيضا شركة الكهرباء "جي إي فيرنوفا" وشركة الطاقة "بريمافيرا" وشركة خدمات النفط الأمريكية "أسبيكت".

5 بنود

وحسب البيت الأبيض، منحت السلطات الفنزويلية المؤقتة شركة "نورث أمريكان بلو إنرجي بارتنرز" (نابيب) امتيازات مدتها 100 عام لتشغيل 17 حقلًا، تحتوي على احتياطيات مؤكدة تقدر بنحو 65 مليار برميل.

مصدر الصورة الرئيسة المؤقتة لفنزويلا في انتظار استقبال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت (غيتي)

في المقابل، حصل مكتب رأس المال الإستراتيجي التابع لوزارة الدفاع الأمريكية على حصة نسبتها 35% في الشركة الأم لـ"نابيب"، تقول الإدارة الأمريكية إنها لم تكلف دافعي الضرائب شيئًا، إذ يفترض أن تجمع الشركة رأس المال اللازم من مستثمرين أمريكيين لتمويل خطط التطوير.

ومنح الاتفاق وزارة الخارجية الأمريكية حق شراء 20% من إنتاج جميع الحقول الحالية والمستقبلية التي تديرها الشركة بسعر تكلفة الإنتاج، إلى جانب أولوية شراء نسبة الـ80% المتبقية، بما يجعل الحكومة الأمريكية مساهمًا في الشركة ومشتريًا مضمونًا لنفطها في الوقت نفسه.

إعلان

وتملك واشنطن كذلك حق الاعتراض على تعيين أي عضو في مجلس إدارة "نابيب"، مع اشتراط أن يكون أغلب الأعضاء أمريكيين، كما يخضع الاتفاق بين الحكومة الأمريكية والشركة للقانون الأمريكي واختصاص المحاكم الأمريكية، وفق التفاصيل التي نشرتها الإدارة.

السيطرة والملكية

لكن مدير مركز بحوث أورينوكو، إلياس فيرير، يشدد في حديث للجزيرة نت على أن الاتفاق لا يعني منح الاحتياطيات مجانًا للولايات المتحدة، موضحًا أن "ما نراه في الأساس هو امتيازات نفطية في 17 حقلًا، وهذا ليس أمرًا غريبًا في صناعة النفط"، على حد قوله.

ويوضح فيرير أن الشركات، بموجب قانون الهيدروكربونات الجديد، تدخل لاستثمار أموالها وتطوير الحقول وإنتاج النفط وبيعه مقابل دفع الضرائب والرسوم. وتقول الحكومة الفنزويلية إن نماذج مشاركة القطاع الخاص تحفظ ملكية الدولة للموارد الموجودة في باطن الأرض، وفق بيان للرئاسة الفنزويلية.

غير أن فيرير يرى أن الجزء الاستثنائي في الصفقة ليس منح الامتيازات، بل دخول الحكومة الأمريكية نفسها مساهمًا في الشركة، إلى جانب تحولها إلى مشترٍ مضمون، ويقول إن المنتجين سيحصلون بذلك على "مستثمر عام ومشترٍ عام"، ما يقلل مخاطر البحث عن التمويل والأسواق.

لماذا الآن؟

تشير وكالة بلومبيرغ إلى أن توقيت الصفقة مرتبط باضطراب أسواق الطاقة بسبب الحرب مع إيران وتعطل إمدادات من الخليج، إلى جانب رغبة إدارة ترمب في تقديم إنجاز اقتصادي قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني، خصوصًا مع ارتفاع أسعار الوقود وضغوط تكاليف المعيشة.

ويتمتع الخام الفنزويلي بميزة جغرافية للولايات المتحدة، إذ يمكن نقله إلى مصافي ساحل خليج المكسيك من دون المرور عبر مضيق هرمز أو البحر الأحمر. كما أن تلك المصافي مصممة لمعالجة الخام الثقيل عالي الكبريت الذي تنتجه فنزويلا، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية.

وتستهدف الإدارة استخدام جزء من الخام لإعادة ملء الاحتياطي النفطي الإستراتيجي، وبلغ مخزون الاحتياطي 294.1 مليون برميل في 20 أغسطس/آب 2026، مقابل طاقة استيعابية مرخصة تبلغ 714 مليون برميل، وفق بيانات وزارة الطاقة الأمريكية.

ولم تبدأ السيطرة الأمريكية على التدفقات المالية مع الاتفاق الجديد. فمنذ يناير/كانون الثاني 2026، تولت واشنطن تسويق شحنات من النفط الفنزويلي، مع إيداع العائدات في حسابات خاضعة للسيطرة الأمريكية وصرف الأموال وفق قرارات الحكومة الأمريكية، حسب وزارة الطاقة.

دعاية أم تحول؟

يرى خبير أسواق الطاقة جون دريسكول أن الاتفاق يحمل سمات أسلوب ترمب القائم على تقديم السياسات بوصفها "صفقات تاريخية"، محذرًا من المبالغة في تقدير نتائج لن تظهر سريعًا على مستوى الإنتاج أو الأسعار.

وقال دريسكول للجزيرة نت إن فنزويلا تمثل أبرز نجاح خارجي تستطيع الإدارة تسويقه، مضيفًا أن الإعلان قد يستخدم لصرف الانتباه عن تعثر المواجهة والمفاوضات مع إيران، وتقديم انتصار سياسي قبل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.

ويضيف أن "الجائزة الحقيقية" ليست الإعلان عن السيطرة على مليارات البراميل، بل قدرة الاتفاق على جذب استثمارات فعلية في الحفر والاستكشاف والإنتاج. ويقول "نريد معرفة من سيستثمر، وما الحقول التي ستُطور، وما الشروط الدقيقة؛ فالشيطان يكمن في التفاصيل".

إعلان

كما يرى دريسكول أن وزير الخارجية ماركو روبيو قد يستفيد سياسيًا من نجاح الملف الفنزويلي، في ظل الحديث عن طموحاته المستقبلية، لكنه يشدد على أن العناوين السياسية لا يمكن أن تحل محل التمويل والهندسة والبنية التحتية اللازمة لزيادة الإنتاج.

الاحتياطي والإنتاج

تقدر منظمة أوبك احتياطيات فنزويلا المؤكدة بنحو 303.2 مليارات برميل، أي قرابة 20% من الاحتياطيات العالمية، متقدمة على السعودية، وبذلك تمثل الحقول المشمولة بالاتفاق، نظريًا، نحو خُمس الاحتياطي الفنزويلي المعلن.

لكن امتلاك الاحتياطي لا يعني القدرة الفورية على إنتاجه، فقد قدرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إنتاج فنزويلا من النفط والسوائل الأخرى بنحو 1.18 مليون برميل يوميًا خلال الربع الثاني من 2026، مقارنة بأكثر من 3 ملايين برميل يوميًا في ذروة إنتاجها السابقة.

وفي أغسطس/آب، أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز تجاوز الإنتاج 1.23 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ فبراير/شباط 2019، كما تحدثت عن توقيع 50 اتفاقًا للنفط والغاز تشمل استثمارات في 76 منطقة إنتاج، حسب الرئاسة الفنزويلية.

وتقول "نابيب" إنها تريد رفع إنتاج عملياتها في حوض ماراكايبو وحزام أورينوكو إلى أكثر من مليون برميل يوميًا، ضمن خطة استثمارات قد تصل إلى 100 مليار دولار، كما تتوقع الحكومة الفنزويلية تحصيل نحو 200 مليار دولار من الضرائب والإتاوات خلال أول 25 عامًا.

مليارات على الورق

يشكك الخبير الاقتصادي في شؤون الطاقة إد هيرس في إمكان تحول هذه التعهدات سريعًا إلى مشروعات، موضحًا للجزيرة نت أن وجود النفط معروف منذ عقود، لكن العقبة الرئيسية تتمثل في حماية الملكية واحترام العقود وسيادة القانون.

ويشير هيرس إلى أن فنزويلا أممت أصول شركات أجنبية أكثر من مرة، ما يجعل شركات النفط الكبرى مترددة في ضخ رؤوس الأموال أو نقل موظفيها إلى البلاد، وقد انسحبت "إكسون موبيل" و"كونوكو فيليبس" بعد مصادرة مشروعاتهما عام 2007، ولجأتا إلى التحكيم الدولي.

ويقدر هيرس سعر التعادل للنفط الفنزويلي بنحو 70 إلى 75 دولارًا للبرميل، بسبب طبيعة الخام الثقيل وتكاليف الإنتاج والمعالجة والتكرير، محذرًا من أن توقيع اتفاق سياسي "لا يعني أن الاستثمارات والإنتاج سيتحققان فعليًا".

كما يلفت إلى أن ضخ الجزء الأكبر من استثمارات الـ100 مليار دولار قد يستغرق فترة تتجاوز ولاية ترمب، وهو ما يجعل المشروع عرضة لتغير الإدارة الأمريكية، وقد لا يرحب المنتجون الأمريكيون باستخدام الحكومة ميزانيتها ونفوذها لإنشاء منافس جديد لهم، وفق هيرس.

ورغم هذا الحذر، أعلنت شيفرون في 2 سبتمبر/أيلول توسيع وجودها في فنزويلا، ما يشير إلى بدء تحرك بعض الشركات، لكن هذا الاستثناء لا يزيل المخاوف الأوسع المتعلقة بالعقود والبنية التحتية والاستقرار السياسي طويل الأجل.

أين الشفافية؟

يرى فيرير أن منح امتيازات لشركات أمريكية لا يخالف، من حيث المبدأ، الدستور أو التشريعات الفنزويلية الجديدة، لكنه يقول إن طريقة اختيار الشركات قد تخضع لاحقًا لتدقيق سياسي وقانوني، خصوصًا إذا تغيرت موازين القوى في الكونغرس أو البيت الأبيض.

ويضيف: "لم تكن ثمة عملية اختيار مفتوحة، ولا نعرف بصورة كافية كيف اختيرت هذه الشركات"، ويزداد هذا السؤال أهمية لأن "نابيب" لن تحصل على امتيازات تجارية فقط، بل على دعم أمريكي يجمع بين المساهمة الحكومية وضمان شراء الإنتاج، وفق قوله.

ويعني ذلك أن الخطر الأكبر على الاتفاق قد لا يأتي من باطن الأرض، بل من السياسة والقضاء وتغير الحكومات. فالعقود الممتدة 100 عام تحتاج إلى شرعية وشفافية تتجاوز الطرفين اللذين وقعاها، حتى لا تتحول إلى موضوع نزاع جديد بين واشنطن وكراكاس.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار