"غزة بلا أضاح"
للعام الثالث على التوالي، يدخل سكان قطاع غزة عيد الأضحى وسط أسواق شبه خالية وارتفاع غير مسبوق في أسعار المواشي، في ظل حرب إسرائيلية مستمرة وحصار خانق وانهيار حاد في الثروة الحيوانية وتراجع القدرة الشرائية، ما جعل القدرة على شراء الأضحية في حكم المستحيل لمعظم السكان.
وبين معابر مغلقة وأوضاع اقتصادية منهكة، يقف آلاف المواطنين عاجزين أمام أسعار وصلت في بعض الحالات إلى نحو 7 آلاف دولار للخروف الواحد، في رقم يعكس عمق الأزمة المعيشية في القطاع، ويجعل من الأضاحي واحدة من الأغلى عالميا مقارنة بالدخل المحلي المنهار أساسا.
وقبل حرب الإبادة، كان قطاع غزة يستقبل سنويا ما بين 10 آلاف إلى 20 ألف عجل، إضافة إلى 30 إلى 40 ألف رأس من الأغنام لتلبية احتياجات موسم الأضاحي، فيما توقفت اليوم عمليات الاستيراد بشكل كامل، في ظل إغلاق المعابر وتقييد إدخال المواشي والأعلاف.
الأضحية الأغلى في العالم
في ظل هذا الواقع، تتسع موجة الغضب على منصات التواصل الاجتماعي في غزة، مع تداول واسع لتعليقات صادمة إزاء الارتفاع غير المسبوق في أسعار الأضاحي، حيث يتحدث ناشطون عن خراف تُباع بآلاف الدولارات، معتبرين أن "خروفا واحدا بات يوازي دخلا سنويا كاملا"، في تعبير يعكس حجم الانهيار الحاد في القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الأسعار وواقع معيشة يزداد قسوة.
وبحسب ما أورده ناشطون، فإن أسعار بعض الأضاحي وصلت إلى نحو 23 ألف شيكل (نحو 7 آلاف دولار)، بينما تجاوزت في حالات أخرى 26 ألف شيكل (نحو 8750 دولارا)، في مشهد وصفوه بأنه "الأغلى في العالم" خلال موسم عيد الأضحى.
ويقول ناشطون إن بعض الخراف المعروضة في الأسواق "عاشت ظروف مجاعة" نتيجة نقص الأعلاف وارتفاع تكاليف التربية، قبل أن تُطرح بأسعار وصفوها بـ"الصادمة وغير المبررة"، في وقت تتسع فيه رقعة العجز عن الشراء لدى العائلات.
ويرى آخرون أن ما يجري هو نتيجة مباشرة للحصار الإسرائيلي المستمر وتراجع الثروة الحيوانية، ما جعل الأضحية تتحول من شعيرة دينية واجتماعية معتادة إلى عبء اقتصادي ثقيل لا تقوى عليه الأسر.
ومع تفاقم هذا الواقع، تتسع حالة الإحباط بين المواطنين، لتظهر على منصات التواصل تعليقات مؤلمة وساخرة تشير إلى اللجوء إلى بدائل رمزية مثل "الدجاج المجمد"، في تعبير صارخ عن عمق الأزمة التي يعيشها القطاع مع اقتراب العيد.
وتعكس هذه الأرقام غير المسبوقة حجم الانهيار الاقتصادي الذي يضرب قطاع غزة، حيث لم يعد ارتفاع الأسعار يقتصر على السلع الأساسية، بل امتد ليشمل شعائر دينية مرتبطة بالمناسبات.
ويحذر ناشطون من أن استمرار هذا الواقع قد يؤدي إلى تغيّر جذري في مظاهر عيد الأضحى داخل القطاع، مع تراجع شبه كامل لطقس الأضحية لدى معظم العائلات، وتحوله إلى "مشهد نخبوي" محدود، في ظل حرب مستمرة وحصار يفاقم معاناة السكان عاما بعد عام.
كما يرى ناشطون أن غياب الأضاحي هذا العام لا يمثل مجرد فقدان لشعيرة دينية، بل يعكس حجم المجاعة والمعاناة المتفاقمة، في ظل اعتماد قسري على كميات محدودة من اللحوم المجمدة وغياب شبه تام لأي إنتاج محلي.
تدمير ممنهج للثروة الحيوانية
وتتعمق هذه الأزمة مع ما يصفه مربون وناشطون بـ"تدمير ممنهج" طال قطاع الثروة الحيوانية في قطاع غزة، حيث تعرضت مزارع الإنتاج الحيواني والحظائر والمنشآت البيطرية ومخازن الأعلاف لأضرار واسعة خلال الحرب، ترافقت مع نفوق أعداد كبيرة من المواشي وتراجع حاد في القدرة الإنتاجية.
ويقول أحد مربي المواشي في مقطع فيديو متداول إن سعر الخروف الذي كان يُباع قبل الحرب بنحو 1500 شيكل (نحو 400 دولار) ارتفع اليوم ليصل إلى ما بين 20 و25 ألف شيكل (نحو 7 آلاف دولار)، في قفزة سعرية غير مسبوقة تعكس حجم التحول في السوق المحلي.
ويعزو المربي هذا الارتفاع إلى توقف إدخال المواشي إلى قطاع غزة نتيجة إغلاق المعابر ومنع دخولها، إلى جانب الارتفاع الكبير في أسعار الأعلاف وشحّها، ما أدى إلى تضاعف كلفة التربية بشكل كبير في ظل غياب شبه كامل لأي إمدادات خارجية.
كما يشير إلى أن هذه الأضاحي أصبحت شبه الوحيدة المتوفرة في الأسواق، في ظل منع إدخال المواشي ونفوق أعداد كبيرة خلال الحرب الإسرائيلية المتواصلة على القطاع، ما فاقم من أزمة الثروة الحيوانية وقلّص الخيارات أمام المواطنين.
ومع توقف إدخال العجول والأغنام بشكل كامل من قبل الاحتلال الإسرائيلي، ووصول استيراد الأضاحي الحية إلى الصفر، إلى جانب استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال الأعلاف والأدوية البيطرية، تدهورت المنظومة الإنتاجية بشكل غير مسبوق.
وفي ظل هذا الواقع، يواجه المربون خسائر وُصفت بالكبيرة، تهدد بخروج أعداد واسعة منهم من هذا القطاع الحيوي، ما ينذر، وفق مراقبين، بمزيد من التراجع في منظومة الأمن الغذائي داخل قطاع غزة.
أكثر من مليوني فلسطيني بلا أضاح
وقالت وزارة الزراعة الفلسطينية في قطاع غزة إن أكثر من مليوني فلسطيني يستقبلون عيد الأضحى للعام الثالث على التوالي دون أضاح، نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بقطاع الثروة الحيوانية بفعل الحرب الإسرائيلية المستمرة والحصار المتواصل، والذي أدى إلى انهيار شبه كامل في هذا القطاع الحيوي.
وأوضحت الوزارة أن الحرب منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 تسببت في “تدمير ممنهج” لمزارع الإنتاج الحيواني والحظائر والمنشآت البيطرية ومخازن الأعلاف، ما أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من المواشي وتوقف استيراد الأضاحي بشكل كامل، في ظل إغلاق المعابر ومنع إدخال المواشي والأعلاف والأدوية البيطرية، الأمر الذي أسفر عن “القضاء على ما تبقى من الثروة الحيوانية” وتهديد الأمن الغذائي في قطاع غزة.
وتأتي هذه التطورات فيما تواصل إسرائيل تنصلها من تنفيذ التزاماتها التي نص عليها اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بما في ذلك فتح المعابر وإدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والإغاثية والطبية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة