داخل عيادته في مدينة الناصرة بفلسطين، وعلى مدى عامين، اكتشف الطبيب وعالم النفس الفلسطيني مروان الدويري أن نظريات وأدوات العلاج النفسي التي تعلّمها في جامعات الغرب لا تسعفه في التعامل مع المراجعين لعيادته.

المشكلة، وفق تجربته التي صاغها في كتابه المرجعي "من التحليل النفسي إلى التحليل الثقافي"، لا تتمحور دائما حول "الفرد" بوصفه وحدة مستقلة كما يتصوّره الغرب، بل ترتبط في الثقافات الأخرى بـ"منظومة جماعية" متصلة بالأسرة، والدين، والقيم الاجتماعية التي تشكّل سلوك الفرد وتحدّد ما يستطيع التعبير عنه.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 الأبوان نازحان.. تفاصيل نفوق 4 مواليد لأسدين بحديقة في غزة
* list 2 of 2 خريطة تفاعلية لاعتداءات الاحتلال على إرث الزيتون بالضفة الغربية end of list

عند هذه العتبة المعرفية، بدأ الدويري بالعمل جديا على تكييف أساليب تشخيصية وعلاجية تتناسب مع البنية النفسية لمرضاه، مدركا أن لغة التحليل يجب أن تدور في فلك المنظومة الثقافية للمريض كي تكون الجلسات مثمرة.

هكذا انتقل الدويري من السؤال الغربي التقليدي: "بماذا يشعر الفرد؟"، إلى سؤال أكثر إلحاحا في بيئته: "ما هي القيم الثقافية التي تؤثر في شعور الفرد؟ وما هي القيم الأخرى داخل الثقافة نفسها التي يمكن أن تساعده على التغيير؟".

ورغم أن منهج الدويري لم يلقَ الصدى المتوقّع في الأوساط العلمية العربية ليتحول إلى أسلوب معتمد في العيادات، غير أنه فتح بابا واسعا أمام الباحثين لإعادة النظر في أساليبهم العيادية، بعدما كشفت تجربته قصور الأدوات الغربية عن التوصل إلى نتائج مرجوة خارج الإطار الحضاري الذي ولدت فيه.

أصلح الدويري بذلك المفهوم السائد، موجها الأنظار نحو ضرورة مساءلة المعارف الإنسانية المستوردة من الغرب وتطبيقها الشمولي، دون مراعاة أن موضوع "علميتها" هو الإنسان نفسه؛ المخلوق المتعدد لغويا، وحضاريا، وتاريخيا.

مصدر الصورة الطبيب وعالم النفس الفلسطيني د. مروان الدويري.. مؤسس منهج «التحليل الثقافي» الداعي لتجاوز المركزية والفردانية الغربية في العلاج النفسي من حساب مروان دويري فيسبوك

من "الفردانية" إلى "التحليل الثقافي"

ينبع إشكال المقاربة الغربية من اختلاف أعمق في تصوّر "الذات" بين الثقافات؛ فالتحليل النفسي الغربي نشأ داخل مجتمعات يبرز فيها الفرد كذات مستقلة، فصارت مفاهيم مثل "الاستقلال"، و"تحقيق الذات"، و"التعبير عن المكنونات" معايير مركزية للصحة النفسية.

إعلان

أما في البيئات التي تهيمن فيها الأسرة، والقرابة، والدين، فإن الذات تتكوّن داخل شبكة متصلة من الواجبات المتبادلة، ويصبح القرار الفردي مرتبطا بمصالح الجماعة ونظرة المجتمع.

من هنا يتجاوز الدويري سؤال الصراع النفسي الفردي، ليفكك كيفية تشكّل هذا الصراع داخل المنظومة الثقافية ذاتها. فالخوف، والرغبة، والشعور بالذنب لا تحمل المعاني نفسها في كل سياق. وإذا كان التحليل النفسي الكلاسيكي يسعى للكشف عن الرغبات المكبوتة، فإن صدام المريض بمرجعياته الأسرية والدينية قد يؤدي إلى تصعيد صراعه مع محيطه بدلا من حله.

ولحل هذا التعارض، ابتكر الدويري خيار "التحليل الثقافي"؛ وهو منهج يهدف إلى التنقيب داخل ثقافة الفرد ودينه عن "قيم مهملة" أو متناقضة مع القيم التي تقوده إلى طريق مسدود، دون إخضاعه لقيم المعالج الخاصة. فالتحليل النفسي يكشف المكبوت النفسي، بينما يكشف التحليل الثقافي المواقف المهملة داخل منظومة اعتقاد المريض، فتحل المشكلة دون صدام مع الأسرة أو المجتمع.

ويرسم الدويري أربع مراحل عملية لهذه المقاربة:

فهم منظومة معتقدات العميل: عبر التعرف إلى أسرته وثقافته والقيم الموجهة لسلوكه.

إبراز التناقض الداخلي: لفت انتباهه إلى القيم المتناقضة داخل ثقافته نفسها، بدلا من مواجهته بقيم خارجية.

مرونة المعتقدات: إغناء منظومة معتقداته بقيم بديلة تجعلها أكثر طواعية.

التغيير السلوكي والانفعالي: صياغة فهم جديد يتيح للمريض التعامل مع مشاعره بطرق ناضجة.

تتجلى هذه المقاربة في حالة "حكيم"؛ الطالب الفلسطيني (24 عاما) الذي غيّر تخصصه الجامعي ثلاث مرات جراء القلق، وكان يعاني من توتر شديد أثناء تقديم العروض أمام الطالبات، إلى جانب سلوك عصبي ومسيطر تجاه أخته وأسرته.

ربط الدويري ذلك بطفولة قاسية تخللتها عقوبات شديدة، تلاها تدين صارم ساعد حكيم على ضبط اندفاعاته لكنه أسهم في كبت غضبه وغريزته الجنسية.

لم يحاول الدويري انتزاع حكيم من مرجعيته الدينية، بل استخرج من داخلها قيما إسلامية موازية. فحين اعتقد حكيم أن واجبه الديني يفرض عليه مراقبة سلوك أسرته، ناقشه المعالج في حدود مسؤوليته الفردية، واستند إلى قيم الرحمة والتسامح.

ومع تتابع الجلسات، بدأ حكيم يتعامل مع ذكرياته المؤلمة بمرونة، واستطاع التعبير عن ذاته باعتدال، مما أدى إلى زوال قلقه وعصبيته. تكشف هذه الحالة أن الثقافة ليست أصل المشكلة فحسب، بل هي أداة الحل واللغة التي يُشخّص بها المرض.

بين "المرض" و"المعاناة"

تقودنا تجربة الدويري إلى سؤال أوسع يطال عالمية مفاهيم النفس: هل الذات التي تبحث عن العلاج هي نفسها في كل المجتمعات؟ أم أن اختلاف طرق تشكّلها يستدعي لغة مختلفة لتشخيص اضطراباتها؟

هذا السؤال شغل الطبيب النفسي وعالم الأنثروبولوجيا الأمريكي آرثر كلاينمان، حين اكتشف قصور النموذج التشخيصي الغربي خارج نطاقه الجغرافي.

في دراسته المبكرة "المرضى والمعالجون في سياق الثقافة"، ميّز كلاينمان بين "المرض" (Disease) بوصفه بناء طبيا يصف اضطرابا بيولوجيا حسب أدلة التشخيص، وبين "المعاناة" (Illness) التي تمثل التجربة الحية التي يعيشها المريض ويفسرها وفق ثقافته ومحيطه الاجتماعي.

إعلان

فالثقافة تؤثر في نوع الأعراض التي ينتبه إليها الإنسان، وفي اللغة التي يصفها بها، وفي الأسباب التي ينسبها إليها، وصولاً إلى تصوره لمعنى "الشفاء". وقد تتخذ المعاناة شكلا جسديا، أو نفسيا، أو دينيا، أو اجتماعيا.

وفي دراسته الشهيرة بالصين بعنوان "الثقافة والاكتئاب"، أوضح كلاينمان أن الاكتئاب في الثقافة الصينية يُترجم غالبا في صورة تعب، وآلام جسدية، ودوّار، وضغط داخلي، بينما يُعد مصطلح "اكتئاب" بحد ذاته مفهوما غريبا عن الطريقة التي يفهم بها المريض الصيني ألمه.

وفي السياق ذاته، كشفت دراسة أجريت عام 1995 على 80 مريضا نفسيا في جنوب الهند بعنوان "الأبعاد الثقافية للتشخيص النفسي"، عن المأزق ذاته؛ إذ ركّز المرضى في شرح حالتهم على الأعراض الجسدية، بينما مال الأطباء للتشخيص الاكتئابي الغربي، ليتلقى 55% من المرضى تشخيصا غير محدد أو مزدوج. وكان السبب استناد الأطباء إلى نماذج تفسيرية لا تنتمي لثقافة المريض ولا تفهم خصوصية معاناته.

هذا الوعي المتصاعد أجبر الجمعية الأمريكية للطب النفسي عام 2013 على إدراج "مقابلة الصياغة الثقافية" في الإصدار الخامس من الدليل التشخيصي (DSM-5)، ليتيح للطبيب إدخال تصورات المريض الثقافية ضمن عملية التشخيص. وجاء هذا الاعتراف ليميز بأن مفاهيم الضيق النفسي المتداولة محليا لا تتطابق بالضرورة مع الفئات التشخيصية الغربية الجاهزة.

اللغة مصدر للمفهوم

أمام هذا العجز التشخيصي، ظهرت دعوات لإنشاء علوم نفسية نابعة من البيئات المحلية. ويُعد كتاب "علم النفس الأصلي: البحث والخبرة في السياق الثقافي" (1993) لكيم أوي تشول وجون دبليو بيري النقلة النوعية الأبرز؛ إذ دعا إلى دراسة الإنسان من داخل سياقه الاجتماعي والبيئي بدلا من فرض كونية النظريات الغربية.

يطرح الباحثان سؤالا جوهريا حول المفهوم النفسي نفسه: إذا كانت اللغة التي يصف بها الناس مشاعرهم هي وليدة السياق الثقافي، فإن نقل مفهوم مثل "الذات" إلى لغة أخرى لا يضمن احتفاظه بالمعنى الأصلي.

لذا يقترحان بناء المفاهيم من داخل السياقات المحلية أولا ثم مقارنتها بين الثقافات، لتحويل اختلاف اللغات من "عقبة مترجمة" إلى مصدر للمعرفة التعددية.

وفي المقاربة الأفريقية، تؤكد الباحثتان بولينغ سيغالو وزيثو كاكاتا (2017) أن اللغات المحلية ليست مجرد أدوات لترجمة المصطلح الغربي، بل أوعية تحمل مفاهيم وجودية قائمة بذاتها.

وتضربان مثلا بالدراسات الاستعمارية التي حللت طقوس الموت في نيجيريا؛ حيث سجل الباحثون الأجانب السلوك الخارجي للطقس بدقة، لكنهم عجزوا عن فهم دلالاته النفسية والاجتماعية المتصلة بالفقد والهوية لجهلهم باللغة الأم.

أما في الفلبين، فقد جعل عالم النفس فيرجيليو إنريكيز اللغة مدخلا لبناء "علم النفس الفلبيني" عبر كتابه الصادر عام 1992، صائغا مفهوم "التوطين من الداخل". استنبط إنريكيز مفاهيم فلبينية خالصة للتحليل مثل "الذات المشتركة" (Kapwa) و"استشعار مشاعر الآخر"، مبتكرا معجما اصطلاحيا مستقلا يتيح فهم النفس بعيداً عن الهيمنة المعرفية المركزية.

نزع الاستعمار عن النفس

إن نقد المعرفة النفسية الغربية لا يقف عند حدود التعديل اللغوي، بل يمتد إلى تفكيك الشروط الاستعمارية التي حددت ما يُعد "علما مقبولا". فقد اعتبر إنريكيز أن علم النفس الاستعماري يكرس خضوع الإنسان المحلي عبر استيراد مفاهيم لم تنشأ من بيئته.

هذا الطرح التحرري يتقاطع جذريا مع ما قدمه الطبيب النفسي والمناضل فرانز فانون في كتابه المرجعي "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" (1952)؛ حيث فكك الكيفية التي يتسلل بها النظام الاستعماري والعنصري إلى بنية الذات، ليجعل الإنسان المقهور مستلبا وخاضعا حتى في فهمه لنفسه، طالما أن أدوات هذا الفهم مُصدرة من المُستعمِر.

إعلان

وفي عام 2014، وسّع عالم النفس السريلانكي سومان فرناندو هذا النقد في كتابه "الصحة النفسية في العالم"، متتبعا تاريخ الطب النفسي الاستعماري وتصدير النموذج الدوائي والتشخيصي الغربي إلى دول الجنوب العالمي بعد الحرب العالمية الثانية.

مصدر الصورة البروفيسور سومان فرناندو، المدافع عن ضرورة الاعتراف بتعدد الموارد العلاجية للمجتمعات المختلفة ثقافياً من قناة اليوتيوب

يرى فرناندو أن المعضلة الكبرى تكمن في فرض سياق محلي خاص بالغرب كمعيار عالمي للجميع، وتهميش المعارف العلاجية المحلية، مما يحرم المجتمعات من مواردها الشفائية التراثية ويُبقيها في حالة تبعية معرفية.

وفي هذا المسار المتصاعد، لا يأتي كتاب "نزع الاستعمار عن علم النفس" الصادر عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) عام 2024 كصك مشروعية يُمنح لهذه النضالات المعرفية، بل يتبدى كاعتراف مؤسسي متأخر بأزمة النموذج الغربي ومأزقه الإبستيمولوجي.

فقد أقر محرروه أخيرا بأزمة المركزية الأوروبية التي طبعت العلوم النفسية، واختزلت المجتمعات الأخرى في صفة "موضوعات للدراسة" بدلا من إشراكها كصانعة للمعرفة.

مصدر الصورة كتاب «الصحة النفسية حول العالم» للباحث سومان فرناندو الذي فكك تفرد النموذج الغربي بتصدير أدوات التشخيص والعلاج للجنوب (الجزيرة)

من هنا يبرز مفهوم "العدالة المعرفية" ليس كمنحة متأخرة من الغرب، بل كاستحقاق بنيوي يقضي بإعادة توزيع سلطة إنتاج المعرفة، والتساؤل الجذري عن المناهج التي تُعد "علمية"، ومن يمتلك حق تفسير التجربة النفسية.

وفق هذا المنظور، يتحول الإنسان المدروس من رعية معرفية إلى شريك أصيل يصيغ الأسئلة والمناهج وفق سياقه، بدلا من الاقتصار على تقديم البيانات لمركز معرفي أحادي أخذت نماذجه المفهومية في التداعي.

تكشف هذه الرحلة أن النفس الإنسانية لا تنفصل عن لغتها، وثقافتها، وتاريخها السياسي. فمن "التحليل الثقافي" لدى مروان الدويري، إلى النماذج الأنثروبولوجية عند كلاينمان، وعلم النفس الأصلي في آسيا وأفريقيا، وصولاً إلى الأدبيات المناهضة للاستعمار، يتبلور مسار يتجاوز القاموس الغربي الأوحد. إن جوهر الصحة النفسية الشاملة لا يكمن في توحيد النظريات، بل في القدرة على الإصغاء للتعددية الإنسانية، واستعادة حق المجتمعات في تسمية ألمها، وفهم ذواتها، وصياغة شفائها بشروطها المحلية الخاصة.