آخر الأخبار

فيلم “المواطن المنتقم”.. هل تحولت السينما الغربية إلى منصة لترويج الإسلاموفوبيا؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

حين تتحول شاشة السينما إلى محكمة أيديولوجية، والممثل إلى أداة لتحريض الرأي العام ضد ثقافة بأكملها، فإننا لم نعد أمام مجرد عمل ترفيهي عابر.

هكذا يمكن تلخيص الضجة العارمة التي أثارها فيلم "المواطن المنتقم" (Citizen Vigilante) للمخرج أويه بول (Uwe Boll)؛ وهو عمل سينمائي أصبحت دلالاته السياسية والاجتماعية والثقافية تُناقش اليوم أكثر بكثير من مضمونه الفني الحقيقي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 سر بقاء سبايدرمان.. كيف صمد البطل العنكبوتي أمام الزمن؟
* list 2 of 2 "سبايدرمان: يوم جديد".. من ينقذ البطل حين يصبح وحيدا؟ end of list

ولإفادة القراء غير المطلعين على الفيلم، نشير إلى أنه ينتمي إلى أدبيات الإثارة والتشويق، ويدور حول فرد غاضب يأخذ العدالة والعنف والانتقام بيده خارج إطار القانون.

تتلخص أحداث الفيلم في شخصية "ساندرز"، وهو جندي أمريكي سابق يُصاب بخيبة أمل عميقة مما يراه انهيارا شاملا للنظام العام في أوروبا بسبب تدفق المهاجرين.

ولأن "ساندرز" مقتنع تماما بعجز النظام القانوني والمؤسسات الرسمية عن تحقيق العدالة، فإنه يبدأ ممارسة استهداف انتقامي مباشر لمن يعتقد أنهم المسؤولون عن الجرائم العنيفة -ومعظمهم من المهاجرين والمسلمين- بالإضافة إلى ملاحقة أي شخص يراه متواطئا في تمكينهم أو التغطية عليهم.

ومما هو معلوم أن هذه الفكرة التعبوية العنصرية متكررة بكثرة في الإنتاج السينمائي الغربي، لكنها ليست موجهة دائما ضد أقلية بعينها، بل تغطي طيفا واسعا من الأقليات للتحريض عليها وإطلاق التمييز العنصري والعنف ضدها؛ مثل الأقليات الآسيوية (الصينية أو الكورية أو الفيتنامية)، وحصر وجودها دائما في أحياء خاصة داخل المدن الكبرى مثل "تشاينا تاون" أو "كوريا تاون"، بوصفها مأوى للأشرار ومسرحا للجرائم، التي تتم مطاردتهم واصطيادهم فيها.

وربما تسعى بعض هذه الأفلام بطريقة غير مباشرة لتبرير الإبادة الجماعية التي مارسها المستوطنون البيض ضد "الأوباش" -كما أطلقوا على الشعوب الأصلية في الأمريكتين وجزر الكاريبي وأستراليا- أو شرعنة العنف الذي مارسته الجماعات البيضاء العنصرية ضد الأمريكيين السود، مثل جماعات "كو كلوكس كلان" (KKK) الشهيرة بظهورها ليلا بقرى وبلدات ولايات العبودية بالجنوب الأمريكي، متوشحة بالمشاعل والصلبان والأقنعة والألبسة البيضاء لتحرق منازل المواطنين السود وكنائسهم ومحلاتهم ومزارعهم لإخضاعهم وتدمير مقومات حياتهم، أو تصديها لإضرابات العمال الملونين وقتلهم أو إلصاق الجرائم البشعة بأفراد أبرياء منهم، ثم شنقهم على أغصان الأشجار. وعادة ما كان ذلك يجري بالتواطؤ الضمني مع الشرطة المحلية البيضاء أو حتى هيئة المحلفين لدى إجراء المحاكمات الصورية.

إعلان

غير أن بعض إنتاجات هوليوود فضحت بالتفصيل هذه الممارسات العنصرية في أفلام روائية ذائعة نالت مشاهدات مليونية، وساهمت بوضوح في ردع تلك الممارسات تعزيزا للعدالة والحقوق المدنية.

فيلم مثير للاستقطاب والانقسام

تبدأ إشكالية هذا الفيلم من اسمه؛ فكلمة "Vigilante" تعني عادة الحامي، أو المدافع، أو الحارس اليقظ، وهي تشير إلى مجموعة المواطنين الذين يحرسون أحياءهم من عصابات الجريمة وتجار المخدرات، بكل ما تحمله الكلمة من معنى إيجابي في المخيلة الغربية. لكن الفيلم استخدم الكلمة في سياق التدليس وتجريم هوية ثقافية ودينية لا تاريخ ولا ارتباط لها مع الجريمة في الغرب، بل يشكل المسلمون هناك إحدى أكثر المجموعات السكانية تعليما واحترافا للمهن الراقية.

ويلاحظ الكاتب والأكاديمي الأيرلندي البريطاني، ديلان إيفانز، أن المشهد الختامي للفيلم، الذي يُستشهد به كثيرا في الجدل الدائر حوله، يُصوّر زيارة "ساندرز" لمنزل شاب يُدعى "يوسف" يُصنّف بأنه مغتصِب، فلا يكتفي بقتله وشركائه، بل يقتل أيضا والده ووالدته وشقيقته، الذين يُصوّرهم الفيلم باعتبار أنهم يُبرّرون أفعاله أو يُسوّغونها.

أثار هذا المشهد تحديدا النقاش حول ما إذا كان الفيلم يتجاوز حدود السرد القصصي المثير للجدل إلى الاستفزاز الأيديولوجي والسياسي والأخلاقي المباشر. يجادل نقّاد الفيلم بأنه ليس مجرد خيال أو فانتازيا عن الانتقام خارج القانون، بل هو عمل يُشجع المشاهدين بنيويا على ربط الهوية الإسلامية بـ"العنف الجنسي" وتواطؤ المجتمع المسلم.

في المقابل، يُصوّره المدافعون عنه بأنه استكشاف متعمّد للانهيار الاجتماعي والجريمة والفشل المؤسسي، ويرون أنه يعكس مخاوف حاضرة بالفعل في المجتمعات الأوروبية ولم يفتعلها.

النتيجة هي أن الفيلم استُقبل على نحو انقسامي بالغ؛ إذ يرى البعض فيه سينما استغلالية فجة لكنها مشروعة، بينما يرى آخرون فيه رسالة سياسية مقنعة، في حين يراه آخرون عملا استفزازيا متعمدا في سياق حرب ثقافية يُقصد منها إثارة الإسلاموفوبيا.

هل تواطأ الممثلون؟

في هذا السياق، اكتسبت مسألة مشاركة الممثلين -وتحديدا مكيت عبد الحميد (الفرنسي المولد البنغالي الأصل، الذي يُجسِّد شخصية يوسف)، وفارس منجي (المصري الكرواتي، الذي يُجسِّد شخصية والد يوسف)- بعدا أكثر حساسية.

من البديهي أن الممثلين يُجسّدون روتينيا شخصيات منحطة أخلاقيا من قتلة ومغتصبين ودكتاتوريين دون أن يعني ذلك تأييدا لسلوكها؛ فالتمثيل يعتمد أساسا على تقمّص أدوار خارج نطاق الاقتناعات الشخصية.

لكن هذا الدفاع الأول يفقد متانته عندما ننتقل من فكرة الشر الفردي المعزول إلى التمييز الجماعي ضد الهوية. الخطر الحقيقي هنا لا يكمن في مجرد أداء دور مجرم، بل في كون الإجرام جاء متأصلا في بيئة أسرية وثقافية مؤطرة صراحة وأُظهرَ على أنه "تنشئة إسلامية"؛ وعندها يتجاوز الأداء حدود الشخصية الفردية ليصبح جزءا من بيئة سردية تُحاكم الهوية الجماعية بأكملها.

تفكيك معادلة القيم الإسلامية

في أحد المشاهد الحاسمة، يُصرّح والد يوسف بعبارة لافتة تشكل جوهر التحريض في الفيلم: "لقد ربّينا أبناءنا على القيم الإسلامية!"

إعلان

هذا السطر يُسهم في زرع معادلة خبيثة في لاوعي المشاهد؛ فتبدأ بربط الإسلام بكراهية النساء، لتمرير تبرير العنف الجنسي، وصولا إلى تصوير هذا المزيج بأنه سبب رئيسي للانهيار الاجتماعي في أوروبا.

وبمجرد قبول المشاهد لهذه المعادلة عاطفيا، لا يظهر العداء تجاه المسلمين على أنه تعصب أو إسلاموفوبيا، بل شكل من أشكال الدفاع الحتمي والمشروع عن النفس! وتلك هي الآلية النفسية التي ينفذ منها التطرف؛ فنادرا ما يتجه الناس إلى العنصرية صراحة، بل عبر مبررات أخلاقية ملتوية: "إنني أرى الحقيقة أخيرا.. هذا لا يتعلق بالتعصب بل بحماية المرأة!"

وفي مقابلة حديثة، حاول المخرج "بول" الدفاع عن فيلمه مستشهدا بشخصية "هانيبال ليكتر" (القاتل الآكل للحوم البشر في فيلم صمت الحملان) كدليل على أن الممثل يجب أن يتجاوز راحته الأخلاقية. لكن هذا القياس يبدو متكلفا ومبالغا فيه؛ فشخصية "هانيبال ليكتر" تمثل انحرافا مريضا وفرديا شاذا لا يدعو المشاهد لاستنتاج موقف سلبي تجاه الأطباء النفسيين أو المثقفين عموما.

على النقيض من ذلك، يؤطر فيلم "المواطن المنتقم" أفعال أفراده ضمن بنية رمزية تُعطي إيحاءً بأن الجريمة نتيجة حتمية للثقافة والدين، مشتتًا شمل التمييز بين الانحراف الفردي والإدانة الجماعية.

أشكال التواطؤ الثلاثة

لتفكيك موقف الممثلين، يميّز "إيفانز" بين ثلاثة أشكال من التواطؤ:
التواطؤ الأخلاقي: يتطلب تأييدَ الرسالة الضمنية أو الكامنة في العمل، ولا مبرر لافتراض ذلك لمجرد المشاركة التمثيلية.
التواطؤ الفني: ويتحقق عندما يشارك الممثل في عمل يُرسّخ صورا نمطية وإشكالية بدلا من تفكيكها، خاصة إذا كان سياق الفيلم يتفق مع تلك الرؤية العنصرية.
التواطؤ العملي: يعكس واقع العمل المهني والدوافع المادية التي تدفع الممثلين للقبول بأدوار صعبة.

غير أن منجي وعبد الحميد ليسا محتاجين مجهولين، بل هما محترفان يمتلكان حرية الاختيار. وفي هذا الصدد تتجلى حقيقة العمل من خلال السؤال الاستنكاري الذي وجهه المخرج "بول" للممثلين المسلمين الذين رفضوا المشاركة: "هل أنت ممثل أم لا؟"

إن رفض مئات الممثلين المسلمين للعمل يمثل دليلا قاطعا على أن المحترفين أدركوا فورا أن النص يتجاوز حدود "الشر الروائي العادي" إلى أبعاد أيديولوجية تُمارس الشيطنة الجماعية، فرسموا خطا أخلاقيا ورفضوا الوقوع في فخ التواطؤ الفني.
فالمشاركة في الفن قد لا تعني موافقة أيديولوجية بالضرورة، لكنها لا تنفصل عن المعاني التي ينتجها العمل. وفي بيئات مشحونة سياسيا، يكتسب التمثيل تبعات تتجاوز النية الفردية للممثل.

السياق السياسي والبحث عن التمويل

هذا التوظيف السينمائي الفج لا يحدث في فراغ سياسي؛ فإذا وسّعنا زاوية الرؤية، فسنجد أن هذه الرسائل تصب مباشرة في طاحونة التطرف القومي والفاشية. فابتداءً من نهاية الحرب الباردة، ومرورا بأحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، ثم وصولا إلى طوفان الأقصى والواقع الراهن، شهد الغرب منعطفات تاريخية أصبح المسلمون في أثنائها هدفا للتعصب والكراهية و"رهاب الإسلام"، في ظل تراجع الديمقراطية والتعددية وصعود اليمين.

أدت أحداث طوفان الأقصى والإبادة الجماعية الإسرائيلية بغزة وتداعياتها إلى موجة تعاطف إنسانية وسياسية غربية كبيرة، خاصة بين شباب "الجيل زد" (Gen Z)، تتماهى مع قضية فلسطين وترفض الاحتلال. ومثّل ذلك مأزقا هائلا للكيان الصهيوني وإخفاقا لآلة دعايته (الهسبارا) وتراجعا لقابليته في الشارع الغربي.

أمام هذا العجز، عمد المروجون لتأجيج نيران الإسلاموفوبيا وسكب أموال كثيرة في هذا الاتجاه؛ والسبب في غاية البساطة: "إقناع الغربيين بكراهية المسلمين والخوف منهم عبر السينما والإعلام، أصبح أسهل بكثير من إقناعهم بحب إسرائيل!"

إعلان

ويلاحظ المتابع أن معظم المروّجين لكراهية المسلمين في الغرب اليوم، هم من أعتى أنصار إسرائيل؛ لذلك، ربما ينبغي التحري بجدية عن المصدر الحقيقي لتمويل فيلم "المواطن المنتقم" لتكتمل الصورة الجيوسياسية أمامنا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار