في زاوية الإبداع العُماني، يطلُّ علينا الدكتور محمود الرحبي، حاملا محبرة امتلأت بالحكايات على مدار أكثر من ربع قرن. قاص وروائي، تنقّل بين أروقة وزارة التعليم العالي موظفا ومديرا، ليصنع من خبراته الحياتية مادة أدبية ثرية. توزعت أعماله بين المجاميع القصصية والروايات، وحصدت جوائز مرموقة، من جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب (عام 2012)، إلى جائزة دبي الثقافية (عام 2009).
واليوم، يعود الرحبي محملا بتتويج جديد، بعد فوزه بجائزة "الملتقى للقصة القصيرة العربية" في دورتها الثامنة 2025-2026، عن مجموعته القصصية "لا بار في شيكاغو".
يرسم محمود الرحبي في أعماله لوحة بانورامية للتحولات الاجتماعية الكبرى في السلطنة، متنقلا بين صخب الحياة الليلية في العاصمة مسقط، وهدوء الريف العُماني في زمن الثمانينيات.
نعم، من يقرأ القصة سيتكشف له هذا الالتباس، في الداخل تنكشف اللعبة السردية. وبالنسبة إلى سؤال العلاقة بين المكان والسرد، من الصعب صياغة قصة خارج فضائها المحدد وإلا صارت جسدا بلا صلب أو عظام.
الفضاء المكاني هو المنطلق ولكنه ليس بالضرورة أن يكون معينا أو محددا طوبوغرافيا، يمكنه أن ينتمي حتى إلى فضاءات الحلم. فالتجريب في القصة القصيرة يبلغ أحيانا آمادا مفتوحة يصعب -في بعض الأحايين- تحديد الحيز الفضائي أو المكاني الذي يدور حوله السرد، ولكن يمكن للكاتب أن يترك إشارات في الطريق يمكن الاستدلال عليها، وقد يكون هذا الفضاء مفتوحا ليعني العالم كله، ولكن في الأغلب لا يكتب القاص أو السارد بصورة عامة إلا انطلاقا مما يعرفه ويشعر به.
شعرت بقيمة التتويج بعد عمر طويل من كتابة القصة، حيث كنت أكتب وأنشر منذ نهاية الثمانينيات باستمرار في صحيفة القدس العربي وتحديدا في الصفحة الثقافية اليومية المهمة التي كان يشرف عليها الشاعر الراحل الكبير أمجد ناصر (1955-2019م)، وكان يذيل قصتي بعبارة قاص عُماني يقيم بالمغرب لسنوات، حيث كنت أحيانا أكتب له في دفاتر الجامعة وأرسلها وبخط يدي فأراها منشورة بعد وقت غير قصير، كان من ضمنها قصة لقيت إشادة حينها من كتّاب مغاربة وعرب بعنوان "قرية أبادها المطر"، للأسف ضاعت مني.
البداية كانت قبل إصداري لمجموعتي القصصية "اللون البني"، ربما العنوان له علاقة بالحنين، فاللون البني هو لون الطين والقرية البعيدة، في القصص الأولى كنت مولعا باللغة أكثر من استجلاء الحدث، لذلك جاءت تلك القصص ملتبسة بالشعر وهويتها التجنيسية مضطربة، في حين أن جزءا من هوية القصة هو رصد التحولات سواء الذاتية أو الاجتماعية، بينما في قصص اللون البني حاولت أن أجد توازنا بين نسيج لغة تنفتح على البلاغة وصفاء الحدث ووضوحه.
البحث عن فكرة جديدة خارج الشفوي، ولكن مع الوقت أغرتني الحكايات الشفوية ذات الصبغة العُمانية وقد حاولت أن أتعامل معها بحذر شديد دون أن أهدم بنيتها الأصلية
كانت حكايات وُضعت ليسمعها الناس فكيف أستطيع أن أسبكها قصصيا؟ تظل تلك محاولات تجريبية في المواضيع. البحث عن مواضيع وحطب القصص كان شاغلي، وأحيانا تسعفني الحكايات الشعبية بمواد ذات جاذبية وسحر، وانطلاقا من اللون البني المجموعة القصصية الأولى استطعت أن أتلمس الخيط الشفيف بين القول والصياغة، هذا الأمر يحتاج إلى مراس وخبرة في الكتابة. لا يمكن أن تتجاوز نفسك وتتقدم إن لم تجرب الخوض في مختلف الموضوعات والأشكال، فتتعثر ساعة وتخطو أخرى، ولكن ستستمر والدهشة بتفاصيل الحياة ترافقك.
أنا بدأت في كتابة القصة القصيرة ولم أتجه إلى الرواية مباشرة، حيث بدأت الدخول إلى الرواية بحذر من خلال نوفيلات "خريطة الحالم"، و"درب المسحورة"، ربما الروايات التي أصدرتها مشدودة إلى القصة بسبب قصرها وكذلك بسبب الأسلوب المعتمد على الاقتصاد والتكثيف، هناك ربما استثناء في رواية "فراشات الروحاني" التي جاءت في حوالي 50 ألف كلمة.
عادة ما أنطلق في أي رواية من فلسفة ما، في "درب المسحورة" مثلا كنت أسرد قصيدة عمانية كلاسيكية عن مسحورة نزوى ذكرها المؤرخ والفقيه العماني الكبير نور الدين السالمي (1284-1332هـ)، في حواشي كتابه التاريخي "تحفة الأعيان في تاريخ أهل عمان"، ورواية "خريطة الحالم" تدور حول موضوع الانبهار بالغرب عن طريق شاب متشدد في تدينه ساهمت رحلته إلى نيوزيلندا في تفكيك بعض الأفكار المتكلسة في ذهنه عن المجتمع المسيحي، وهكذا مثلا في "أوراق الغريب" دارت فلسفتها حول ضمور اللغة العربية في بلدان الخليج، وقد بدأت هذه الرواية ببيت المتنبي الشهير "ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان".
عادة ما أنطلق في أي رواية من فلسفة ما، في "درب المسحورة" مثلا كنت أسرد قصيدة عمانية كلاسيكية عن مسحورة نزوى ذكرها المؤرخ والفقيه العماني الكبير نور الدين السالمي (1284-1332هـ)، في حواشي كتابه التاريخي "تحفة الأعيان في تاريخ أهل عمان"، ورواية "خريطة الحالم" تدور حول موضوع الانبهار بالغرب عن طريق شاب متشدد في تدينه ساهمت رحلته إلى نيوزيلندا في تفكيك بعض الأفكار المتكلسة في ذهنه عن المجتمع المسيحي، وهكذا مثلا في "أوراق الغريب" دارت فلسفتها حول ضمور اللغة العربية في بلدان الخليج، وقد بدأت هذه الرواية ببيت المتنبي الشهير "ولكن الفتى العربي فيها غريب الوجه واليد واللسان"
السرد العُماني اليوم أكثر حضورا من أي وقت مضى. هل تعتقدون أنَّ هناك "مدرسة عُمانية" في القصة أو الرواية؟ وما الذي تمثّله عُمان كفضاء ثقافي وأدبي في خريطة الإبداع العربي؟
ربما لأنّ عُمان لديها تاريخ عريق وتنوع جغرافي واجتماعي أفرز مجموعة كبيرة من الروايات، رغم أنّ البداية العمانية مع جنس السرد كانت القصة قبل أن يكون هناك تحوّل جماعي إلى الرواية.
من طبيعة القصة القصيرة الاقتصاد والتكثيف، هي نوع ضد الثرثرة والإطالة، ودائما أستحضر في هذا السياق تلك الرسالة الطويلة التي بعثها كاتب روسي إلى صديقه وقد ذيلها بعبارة "عذرا لم أجد الوقت لكتابة رسالة قصيرة"، لذلك فكتابة قصة قصيرة جيدة تحتاج إلى وقت وإعادة كتابة مستمرة حتى تصل القصة إلى ما يشبه السبيكة، وأثناء إعادة الكتابة هذه تتساقط الكثير من الشحوم والزوائد.
أيضا القصة في حلتها الحالية تمتاز بالتجريب، والتجريب سواء على مستوى المواضيع أو الشكل مهم لتقديم المادة الحكائية بخطاب جديد غير تقليدي. وقد علمنا النقد أنّ هناك في الرواية أو القصة القصيرة عنصرين، المادة الحكائية والخطاب، والخطاب هنا بمعنى الطريقة، لذلك فالكاتب يحاول جاهدا أن ينوع في طريقة تقديم قصته بخطاب وشكل جديد في كل مرة.
طبعا الكاتب يتطور بين حقبة وأخرى ويراجع توجهاته في الكتابة، ولكن تظل البصمة واحدة، والتطور هنا ربما يعني نوعا من توسيع خارطة الاهتمام بمواضيع القصص أو الروايات، والتطور يأتي بمعنى التنويع وخوض صحارى ووهاد جديدة في الكتابة، وهذا ما يمنح الكتابة حيويتها واستمرارها.
القصة ظلت هي النوع الأدبي الأكثر حضورا في عالمنا العربي على مدار عقود، ولكن مع ترجمة الروايات من لغات أخرى وخاصة الروايات الروسية وروايات أمريكا اللاتينية، صار هناك توجه واضح لكتابة الرواية، وحين جاءت الجوائز اهتمت أكثر بالرواية فانسحب بالتالي مع الوقت نوع أصيل في عالمنا العربي وهو القصة القصيرة، وحين جاءت جائزة الملتقى للقصة العربية في الكويت أحيت هذا النوع الأصيل، وهنا لا بدّ من ذكر الفضل الكبير للأديب الكويتي طالب الرفاعي في نضاله من أجل استمرار جائزة الملتقى وتجددها حتى إنها الآن صارت تستقبل عددا كبيرا من المجاميع القصصية سنويا، وهذا دلالة على تعافي هذا النوع الأدبي الأصيل في ثقافتنا العربية وعودته إلى الحياة بعد سبات شتوي طويل.
نعم يغريني هذا النوع الأدبي الجميل "كتابة الرحلة"، خاصة وأنني مرتبط بالسفر حين تسمح الظروف وأحب اكتشاف بلدان جديدة مثل الهند وسريلانكا والنيبال وتركيا، ناهيك عن بلداننا العربية وقد أقمت في المغرب طويلا وكذلك بعض السنين في تونس وأزور مصر باستمرار وطبعا مختلف البلدان العربية، وأقمت أيضا في فرنسا عدة أشهر وكذلك في نيوزيلندا، كل هذا أظنه يحتاج إلى وقفة تأمل طويلة من أجل كتابته ووضعه في متن متماسك وهذا ما أتمناه إن شاء الله وإذا سمح المزاج والعمر بذلك.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة