يمثل الروائي وجدي الأهدل ظاهرة سردية استثنائية في المشهد الأدبي اليمني؛ إذ لم تكتفِ نصوصه بمرافقة أجيال متعاقبة من القراء، بل ساهمت في تشكيل ذائقتهم وترميم وعيهم بأسئلة الراهن، حتى غدا اسمه علامة فارقة لا تكتمل خارطة الرواية اليمنية الحديثة بدونها.
الأهدل، المولود في تهامة (الحديدة) عام 1973، والمجاز في الجغرافيا من جامعة صنعاء، اختار أن تكون رواياته "جغرافيا محرمة" يقتحم من خلالها أعقد قضايا المجتمع العربي واليمني.
بين نقد الذكورية السلبية والانتصار لقضايا المرأة، شقّ الأهدل مسارا شائكا، جعل من الكتابة لديه فعل مقاومة، وهو ما عرّضه مرارا للمساءلة القانونية، والمصادرة، والملاحقة، في ضريبة باهظة يدفعها المبدع مقابل صدق رؤيته.
أثرت تجربته المكتبة العربية بأعمال أحدثت دويا نقديا واسعا، بدءا من "قوارب جبلية" التي شرعت نوافذ الجدل، مرورا بـ "بلاد بلا سماء"، و"حمار بين الأغاني"، وصولا إلى "أرض المؤامرات السعيدة" و"السماء تدخن السجائر".
ولم تتوقف حدود تجربته عند الجغرافيا اليمنية، بل عبرت اللغة إلى آفاق عالمية؛ حيث تُرجمت أعماله إلى الإيطالية، الفرنسية، الإنجليزية، الكورية، وغيرها من اللغات، كما احتفت به الأكاديميا عبر دراسات وأطروحات نالت جوائز رفيعة، كجائزة "كتارا" للدراسات النقدية.
توجت مسيرته بتقدير دولي لافت، حيث اختيرت النسخة الإنجليزية من روايته "بلاد بلا سماء" ضمن قائمة أفضل 100 رواية عالمية في أدب الغموض والجريمة، فضلا عن وصول أعماله للقوائم الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (بوكر)، وحصده جوائز عديدة منذ بداياته في التسعينيات.
في هذا الحوار، تبحر الجزيرة نت مع وجدي الأهدل في عوالمه السردية، لنستكشف تمثلات المرأة في نصوصه، ونفكك شفرات الهوية والمجتمع في تجربة لا تزال تبتكر أدواتها في قلب العاصفة.
في الماضي القريب، كانت المرأة اليمنية شريكا أساسيا للرجل في الكدح والعمل، خاصة في مجتمع الفلاحين الذي كان منتجا ماديا وصحيا في علاقاته المتكافئة.
أما اليوم، فقد بات العمل "عيبا" يلاحقها، مما أدى لإقصائها عن الحياة العامة، ونشوء مجتمع يعطل نصف قوته البشرية طواعية. ورغم أن الرواية اليمنية الواقعية اشتبكت مع هذه القضية بمسارات شتى، إلا أن انخفاض معدلات القراءة، وطغيان وسائل التواصل الاجتماعي، جعل هذا الصوت الأدبي خافتا ومحصورا في نخب محدودة.
الحقيقة أنني أرى نفسي شخصا متناقضا، لا أملك قناعات ثابتة؛ فمع كل عمل جديد، أبدأ ببناء آراء قد تناقض ما كنت أعتنقه سابقا.
في سنوات الشباب، كنت أؤمن بأن الكتابة الصادمة ضرورة قصوى لإيقاظ المجتمع من غفلته، أما اليوم، فلم يعد إيقاظ المجتمع هاجسا أوليا بالنسبة لي؛ يكفيني الآن أن أكتب بضعة كلمات تنجح في إيقاظ شيء ما داخل نفسي أنا أولا.
حين نحلل أسباب استيطان الفقر والعنف، نجدها تكمن في قيم اجتماعية مشوهة، في ثقافة القات، وحمل السلاح كرمز زائف للرجولة، والولاء للقبيلة على حساب الدولة، والتباهي بالمال الحرام.
والحل ليس سياسيا فحسب، بل هو تربوي بامتياز؛ فالمعركة الحقيقية تبدأ من تنشئة أجيال تقدس العمل الشريف، وتستبدل بندقية القبيلة بولاء الوطن، وتمتنع عن مضغ القات الذي يستنزف طاقات اليمنيين.
المرأة في الرواية ليست بالضرورة نسخة كربونية من المرأة في الواقع. هي على الأغلب رمز للجانب الأنثوي في الحياة؛ فقد تكون معادلا موضوعيا للوطن، أو رمزا لقيم روحية عليا.
في تقديري، حضور المرأة كنسخة فوتوغرافية من الواقع هو مؤشر على تواضع الموهبة الأدبية، فالرواية الحقيقية هي التي تمنح الشخصية أبعادا رمزية وفلسفية تتجاوز التوثيق.
التوازن هنا ينبع من ربط الظواهر ببعضها؛ فالرجل العنيف مع النساء هو في جوهره رجل يكره الجانب الأنثوي الكامن في نفسه، وهذا التناقض الداخلي يجعله شخصا خطرا ومستعدا لسفك الدماء لأتفه الأسباب.
الشخصية الإنسانية السوية لا تكتمل إلا بقبول النصف الآخر، ومن هنا يصبح فضح العنف في الرواية تشريحا لسيكولوجيا التخلف، وليس مجرد تزويق للمأساة.
أرى أن الوقت قد حان للابتعاد قليلا عن "مستنقع السياسة الآسن". إن كتابة الجميع عن الواقع السياسي والاجتماعي نفسه تنتج أدبا متشابها يفتقر للموسيقا الخاصة، وهذه ليست حالة صحية.
الروائي الذي يتناول ملفا سياسيا لم يُغلق بعد يغامر بالوقوع في فخ التحيز، لتتحول روايته إلى منشور سياسي بائس. العظمة في الأدب ليست في "الموضوع" بل في "المعالجة"، تماما كما فعل تولستوي في "الحاج مراد".
الرواية تنجح حين تُحدث أثرا في "الروح" وليس في "الواقع المادي"؛ فمهمة الأدب هي "التطهير" بمعناه الفلسفي العميق. أما مطالبة الرواية بإحداث تغيير ملموس في العالم المادي، فهي "نكتة غير مضحكة".
الأدب مشارك في الحياة العامة عبر الانحياز للمستضعفين وتفكيك الظواهر السلبية، لكن أثره يبقى باطنيا، يُغيّر الإنسان من الداخل ليتمكن هو، لا النص، من تغيير العالم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة