في منعطف تاريخي يجسد الطموح الإفريقي المشترك، تشهد العاصمة المغربية الرباط فعاليات الجمع العام لبنك التنمية “شيلتر إفريقيا” (ShafDB)؛ فيما جرى الكشف عن هويته البصرية الجديدة المعبرة عن طموحه التنموي الواعد في تحفيز تمويل السكن بالقارة، مع استدعاء جهود منسقة بين الخواص والحكومات وباقي المساهمين.
هذا الحدث شكل منصة صاغ من خلالها مسؤولو المؤسسة (نيروبي الكينية مقرا لها) معالم خارطة طريق جديدة للتحول الحضري؛ إذ أعلن البنك رسميا عن تحوله إلى “بنك تنمية حقيقي” يحظى بدعم شركاء استراتيجيين دوليين وإقليميين، في مقدمتهم المصرف العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا (BADEA)، تفعيلا لمصادقة غالبية المساهمين.
أكد تيرنو-حبيب هان، المدير العام الرئيس التنفيذي لبنك “شيلتر إفريقيا”، أن هذه الجمعية العامة تلتئم بالمغرب في “لحظة تاريخية فارقة تواكب النمو المتسارع للمدن ولتطلّع ملايين الشباب إلى مستقبل أفضل داخل الفضاءات الحضرية”. وأوضح أن “السكن يمثل الأولوية الكبرى للتحول التنموي، فهو ليس مجرد جدران، بل هو أساس الأمان للعائلات، وركيزة للتعليم والصحة والكرامة، ومحرك قوي لخلق الوظائف ودعم ريادة الأعمال والاستقرار الاجتماعي”.
وفي هذا السياق، جاء شعار الدورة: “مستقبل المدن: تمويلُ تنمية حضرية شاملة، خضراء، ومرنة”، ليعكس التزام البنك بعد 45 عاما من العمل بـ”بدء فصل جديد يركز على التوسع والأثر التنموي وتعميق الشراكات، لتكون المؤسسة أكثر استجابة لأولويات الدول الأعضاء”.
وفي تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية على هامش الأشغال التي تنعقد بالرباط بتنظيم مشترك مع وزارة الاقتصاد والمالية المغربية، أشاد المدير العام الرئيس التنفيذي الحالي لبنك التنمية “شيلتر إفريقيا” بالتجربة المغربية في مجال دعم الإسكان والتنمية الحضرية، واصفا إياها بـ”الناجحة والملهمة للقارة الإفريقية”.
وقال: “نحن مستعدون خلال الجمع العام الحالي لاعتمادها كنموذج مرجعي لتطوير مدننا وحواضرنا الإفريقية في السنوات والعقود المقبلة (…) والرباط (حيث نجتمع) مدينةٌ عالمية تمثل أيضا نموذج المدن المستدامة والمرنة والخضراء”.
من جانبه، استعرض ليونيل زينسو، رئيس مجلس الإدارة عضو لجنة الشؤون المالية والائتمان والاستثمار في المؤسسة التمويلية القارية، برنامج العمل الممتد لثلاثة أيام، الذي يرتكز على محاور رئيسية تستهلها ندوة معرفية تجمع الخبراء والمتخصصين في السياسات الاجتماعية والحضرية.
وأكد زينسو، في كلمته خلال الجلسة العامة، على “أهمية صياغة المعارف الإفريقية المشتركة في سياق موحد”، مشددا على “ضرورة الانفتاح على التجارب الدولية الملهمة، مثل تجربة شبه القارة الهندية التي تمكنت من تمويل سكن شعبي لائق بتكلفة تقل عن 10 آلاف دولار للعائلة بطريقة مربحة ومستدامة عبر إشراك القطاع الخاص وصناديق الاستثمار”.
كما أثار المسؤول ببنك “شيلتر إفريقيا” تحديا هيكليا يواجه التنمية الحضرية، متمثلا في “القطاع غير المنظم الذي يفتقر إلى الوصول السهل للتمويل رغم كونه الزبون الرئيسي للسكن الشعبي”. وقارن بين الدول الإفريقية، مشيرا إلى أن القطاع غير المنظم يمثل في بلده الأصلي (بنين) 90% من القوة العاملة، مؤكدا أن “الحلول بدأت تتبلور بفضل “التمويل الأصغر”، وآليات الضمان الحكومية، والرقمنة التي تتيح جمع البيانات المالية للفئات المتوسطة والفقيرة.
حظيت التجربة المغربية بإشادة استثنائية من قبل مسؤولي البنك؛ إذ أبرز زينسو خصوصية النظام المالي للمملكة، لافتا إلى أن المغرب هو “الدولة الإفريقية الوحيدة التي يتجاوز فيها حجم الائتمان الممنوح للاقتصاد نسبة 110% من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بمتوسط لا يتعدى 40% في إفريقيا جنوب الصحراء”، مما يبرز حتمية نقل الخبرة المغربية إلى بقية دول القارة.
كما شدد على “أهمية ربط السكن بالنقل والطاقة”، معتبرا تنظيم المغرب لكأس العالم 2030 “حافزا لتطوير مدن ذكية وخضراء تعتمد على مزيج الطاقة الرائد بالمملكة”.
وفي التفاتة تميّزت بتقدير بالغ، لم يُخف المدير العام تيرنو-حبيب هان، بدوره، “ثقته المطلقة في الرؤية المغربية الناجحة في مجال تمويل ودعم السكن” خلال كلمته الرسمية.
أوضح زينسو الأهمية البالغة للسكن من منظور ديموغرافي واقتصادي؛ إذ ارتفع متوسط العمر المتوقع في القارة بشكل مذهل (مستشهدا ببنين التي قفز فيها المتوسط من 30 عاما عند الاستقلال إلى 66 عاما حاليا)، مما يتطلب مساكن تستوعب أحيانا أربعة أجيال متعاقبة.
وأشار إلى أن قطاع البناء يعد محركا رئيسيا لتوظيف الشباب؛ ففي المغرب يشكل القطاع 6% من الناتج المحلي الإجمالي و11% من فرص العمل. وفي إفريقيا جنوب الصحراء، حيث تتراجع العمالة الزراعية (التي تستوعب حاليا 50% من القوة العاملة)، يصبح من الضروري توجيه الشباب نحو قطاعات التشييد، والصناعة (على غرار نموذج طنجة الناجح)، والسياحة. كما أشاد بالمتانة المالية لبعض الدول الإفريقية التي تنمو إيراداتها الضريبية بفضل الرقمنة بشكل أسرع من النمو الاسمي، مما يعزز القدرة على التمويل بالعملات المحلية.
المصدر:
هسبريس