مع اقتراب حلول عيد الأضحى، يطفو إلى السطح نقاش اجتماعي واقتصادي متجدد حول طبيعة تعامل الأسر مع هذه المناسبة الدينية، في ظل ما يصفه متابعون بتزايد مظاهر التباهي والتفاخر بحجم الأضاحي، مقابل لجوء عدد من العائلات إلى الاقتراض أو تدبير موارد مالية إضافية لاقتناء أضحية العيد، في سياق يتسم بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية لدى فئات واسعة.
وتطرح هذه التحولات، وفق عدد من الملاحظات السوسيولوجية، تساؤلات حول العلاقة بين البعد الديني لشعيرة الأضحية، باعتبارها تقربا إلى الله، وبين التحولات الاجتماعية التي باتت تمنحها أبعادا اجتماعية مرتبطة بالمكانة والتنافس داخل الفضاء العائلي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، أوضح فريد بوجيدة، أستاذ السوسيولوجيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة، أن مقاربة هذه الظاهرة تستلزم التمييز بين “الدين” كمرجعية قيمية، و”التدين” كممارسة اجتماعية تتأثر بالسياق الاقتصادي والثقافي للمجتمع.
وأضاف بوجيدة في تصريح لـ”العمق” أن فهم سلوك الأسر خلال عيد الأضحى يقتضي استحضار الظروف العامة التي تعيشها، مبرزا أن التعاليم الدينية لا تفرض أنماطا موحدة وصارمة من الممارسات إلا في حدود ضيقة، وأن أشكال التدين تختلف باختلاف المجتمعات والسياقات.
وأشار المتحدث ذاته، إلى أن شعيرة الأضحية، من منظور ديني، ترتبط أساسا بالنية والتقرب إلى الله، غير أن الواقع الاجتماعي، بحسبه، أفرز ممارسات ذات طابع تنافسي داخل الأسواق، تعكس تفاوتات اجتماعية تظهر في اختيارات الأضاحي وأسعارها، وما بات يوصف بتراتبية اجتماعية مرتبطة بنوع “الحولي” وثمنه.
ومن جهة أخرى، يربط الباحث السوسيولوجي بين وضعية سوق الأضاحي وبين مجموعة من العوامل الاقتصادية والمناخية، من بينها تأثير الجفاف على إنتاج الأعلاف، وما يترتب عنه من انعكاسات على قطاع تربية المواشي، إضافة إلى ارتفاع الأسعار المرتبط بالتضخم الاقتصادي، ودور الوسطاء في رفع كلفة الأضاحي.
كما أشار إلى أن معطيات إحصائية متداولة تفيد بأن عددا من الأسر المغربية لم تتمكن من اقتناء أضحية العيد خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعكس، حسبه، تأثيرات مباشرة للظروف الاقتصادية على السلوك الاستهلاكي للأسر خلال هذه المناسبة.
وفي السياق الاجتماعي، يرى بوجيدة أن التحولات التي يعرفها المجتمع أسهمت في بروز مقاربتين مختلفتين داخل الطبقة الوسطى، بين من يتعامل مع عيد الأضحى باعتباره طقسا دينيا تقليديا، وبين من يعيد النظر في ممارساته المرتبطة به لأسباب فكرية أو اقتصادية، من بينها رفض الاقتراض أو محدودية الإمكانيات السكنية والمعيشية.
كما أضاف أن الفئات ذات الدخل المحدود تعيش في كثير من الحالات توترا بين الالتزام الديني ورغبتها في تلبية متطلبات اجتماعية مرتبطة بالعيد، في ظل ارتفاع أسعار الأضاحي وتراجع آليات التضامن التقليدي، حسب تعبيره.
ويرى المتحدث أن هذه المعطيات تعكس انتقال جزء من طقوس العيد من بعدها الديني إلى بعد اجتماعي أكثر حضورا، يرتبط أحيانا بمظاهر التباهي داخل المحيط العائلي والاجتماعي، وهو ما يعكس، وفق تحليله، تحولات أوسع في بنية العلاقات الاجتماعية.
وفي سياق متصل، يشير بوجيدة إلى أن ارتفاع أسعار الأضاحي هذا الموسم يرتبط بتقاطع عدة عوامل، من بينها الجفاف وغلاء الأعلاف والتضخم، إلى جانب ما يعتبره بعض الفاعلين الاقتصاديين اختلالات في سلاسل التوزيع.
كما أضاف أن محدودية آليات التضامن الاجتماعي أمام اتساع رقعة الفقر والهشاشة قد ساهمت في تعقيد الوضع، وهو ما ينعكس على قدرة الأسر على مواكبة تكاليف العيد.
وفي قراءته للسياسات العمومية المرتبطة بالوضع الاجتماعي، اعتبر الباحث أن بعض التدابير ذات الطابع الاستعجالي تعكس حجم الضغط الاجتماعي الذي يرافق مثل هذه المناسبات، داعيا، من منظور أكاديمي، إلى اعتماد مقاربات أكثر شمولا لمعالجة آثار الغلاء، عوض الاقتصار على إجراءات ظرفية.
وخلص المتحدث إلى أن الظاهرة، في مجملها، تعكس تداخلا معقدا بين الديني والاجتماعي والاقتصادي، يجعل من عيد الأضحى مناسبة تتجاوز بعدها الديني الصرف، لتصبح مرآة تعكس تحولات المجتمع المغربي على أكثر من مستوى.
المصدر:
العمق