آخر الأخبار

التشكيلية فريدا كاهلو .. حين يتحوّل الألم إلى أغلى استثمار فني في العالم

شارك

هل يمكنُ لامرأة أن تبني مجدها العالمي من سرير مرض؟ هل يمكن لجسد منهكٍ أن يفرض نفسه رقماً قياسياً في مزادات التحف الفنية؟ كيف تتحوّل الجراح إلى ألوان، والنّدوب إلى توقيع فنّي يعرفه العالم من أوّل نظرة؟ وما الذي يجعل لوحة واحدة لرسّامة تُباع كأنها عقد جديد يعيد كتابة مكانة النساء في تاريخ الفن؟ أسئلة تفتح باب الحكاية مع فريدا كاهلو Frida Kahlo – المرأة التي قررت أن ترسم ألمها بدل أن تخفيه، فصار وَجْهُها وحياتها ولوحاتها حديثَ العالم.

السَّريرُ الذي هزّ سوق الفنّ

ليست فريدا كاهلو Frida Kahlo مجرد فنانة مكسيكية شهيرة، إنها أيقونة عالمية حوّلت حياتها إلى مشروع فني متكامل. طفولة مضطربة، مرض، ثم حادث حافلة كاد أن ينهي كل شيء، لكنه بدل أن يكتب نهايتها فتح أمامها أفقاً باب اللوحة. على سرير المرض، وبين الجبائر والآلام، قررت فريدا Frida أن تتعامل مع وجعها باعتباره مادتها الخام ورأس مالها الأصدق، وأن تجعل من جسدها وحياتها موضوعاً دائماً لفنِّها؛ كل جرح يتحول إلى لون، وكل ندبة إلى تفصيل دقيق في سيرة ذاتية لا تتوقّف عن طرح الأسئلة. حين كانت ترسم نفسها، لم تكن تقدّم “بورتريهات” عادية، بقدر ما كانت تهدف إلى توثيق سيرة ذاتية بصريّة: حاجبان كثيفان، نظرة صلبة، أزهار في الشعر، وجسد مليء بالمسامير والنّدوب. كل لوحة تشبه تقريراً صريحاً عن حالتها النفسية: حبّ، خيانة، ألم جسدي، إحباط، عناد… لكنها كانت تعرف أن الصّدق الجارح هو أقصر طريق لقلوب الناس، وأن الضّعف حين يُقال بلا تجميل يتحوّل إلى قوة.

مساء الخميس 20 نوفمبر 2025، عاد المسار الشخصي لفريدا كاهلو Frida Kahlo ليُقرأ بلغة الأرقام عوض لغة السّيرة فقط؛ ففي مزاد “Exquisite Corpus” للسريالية لدى دار سوذبيز في نيويورك، بيعت لوحتها “El sueño La cama”، الموقَّعة والمؤرَّخة سنة 1940، زيتاً على قماش بمقاس يقارب 74 × 98,5 سم، بسعر نهائي بلغ 54,7 مليون دولار مع الرُّسوم، في رقم قياسي جعلها أغلى لوحة لفنانة في تاريخ المزادات وأغلى عمل لفنان من أميركا اللاتينية يُباع في مزاد علني. تُصوِّر اللوحة فريدا Frida نائمة في سريرها ذي الأعمدة، مغطّاة بلحاف أصفر، بينما يطفو فوقها سرير علوي عليه هيكل عظمي مبتسم، ملفوف بأصابع ديناميت ومحاط بالزهور؛ مشهد يخلط بين احتفالات الموت في المخيال المكسيكي والهاجس الشخصي بالمصير بعد سلسلة أمراض وحادثها الشهير. وكأن الموت هنا ليس فكرة مجرَّدة، بقدر ما هو ضيف مقيم معلَّق فوق رأسها، تهديد دائم وحقيقة لا فكاك منها. ومع ذلك، فإن هذه اللوحة للجسد المهدَّد بالفناء هي نفسها التي منحت صاحبتها حياة مضاعفة في ذاكرة الفن وسوقه؛ لوحة واحدة خرجت من غرفة نوم فريدا Frida لتتحول بعد عقود إلى حدث عالمي يعيد تثبيت مكانتها بصفتها إحدى أقوى الأصوات البصرية في القرن العشرين. لم تكن هذه الصفقة مجرد بيع لوحة؛ كانت اعترافاً متأخراً بقيمة صوت امرأة قررت أن تواجه عالم الرجال بلوحات من لحمها ودمها. فجأة لم تعد فريدا Frida وجهًا على القمصان والملصقات، لقد أضحتْ رقماً قياسياً يفرض نفسه في مزادات نيويورك، ورسالة واضحة بأن تجربة امرأة واحدة مع الألم يمكن أن تنافس أكبر الأسماء في تاريخ الفن.

لوحة تشبه إنذاراً بالموت… وتوقيعاً بالخلود

لم تكن فريدا Frida مجرّد رسّامة مكسيكية؛ كانت كوكبًا يدور في مدار خاص، يقتات من النور والظلمة معًا. امرأةٌ عرفت منذ طفولتها أن الجسد ليس دائمًا وطنًا آمِنًا، وأن الروح هي وحدها القادرة على إعادة اختراع الحياة حين تنكسر العظام وتضيق المسافات. كان جسد فريدا Frida كتابَها الأول؛ أصابها شلل الأطفال صغيرةً فصار جسدها يميل قليلًا إلى جهة واحدة، كأن الطبيعة كانت تمهّد لانحناء روحي سيكبر معها. ثم جاء الحادث المروّع وهي في الثامنة عشرة، ليحطم عمودها الفقري ويبعثر مستقبلها، وليهبها في الوقت نفسه بداية أخرى: بداية الرسم، ذاك الطريق الوحيد الذي استطاعت أن تمشيه دون ألم، لأن خطواته كانت تُنجز بيدين لا بساقين. في سريرها المعلّق بالأسلاك والجبائر، كانت ترى وجهها في المرآة المربوطة فوقها، فتبدأ بالرسم كأنها تنتزع المعنى من قلب العتمة. ولأن الحياة منحتها ألماً لا ينتهي، فقد قررت أن تُعيد صياغته جمالاً لا ينطفئ. هكذا ظهرت لوحاتها أشبه بصفحات ممزّقة من مذكّرات كونية، فيها الجسد معبدٌ للروح، والجرح نافذة، والألم لغةٌ ثانية.

لم تكن لوحات فريدا كاهلو Frida Kahlo بورتريهات عادية بقدر ما كانت اعترافات علنية معلَّقة على الجدار. في “العمود المكسور” يظهر جسدها مشقوقاً كالأرض بعد زلزال، عمودٌ حجري يحلّ محلّ عمودها الفقري، ومسامير تخترق الجلد من كل الجهات، لكن الوجه يظل ثابتاً، يكاد يتحدّى الألم بدل أن يستسلم له؛ صرخة تقف على حافة الضوء لا على حافة الانهيار. أما “فريدتان” فهما ليستا مجرد صورتين لامرأتين متشابهتين، إنه انقسام دائم بين فريدا Frida التي تحبّ وتمسك بقلبٍ نابض، وفريدا Frida التي تنزف على ثوبها الأبيض، بين المكسيك الشعبية التي خرجت منها والمكسيك “الرسمية” التي وُضعت فيها تحت الأضواء. وفي “بورتريه ذاتي مع عقد الشوك وطائر الطنان” تحوِّل فريدا Frida الألم إلى جمالية مدهشة: عقد من الشوك يضغط على عنقها حتى يكاد يخنقها، طائر صغير معلّق بين الحياة والموت، وفراشات وحيوانات تراقب المشهد، بينما عيناها تنظران مباشرة إلى المتفرّج بنبرة واحدة واضحة: “أنا أتحمّل، لكنني لا أنحني”؛ بهذه اللوحات وغيرها لم تكتفِ برسم ملامحها، وإنما رسمت خريطتها الداخلية بكل ما فيها من خوف، وتمزّق، وإصرار عنيد على البقاء.

هكذا، كانت فريدا Frida تعرف أن الفن ليس زخرفة، بقدر ما هو مواجهة. كانت ترسم وجهها لأن العالم حاول مرارًا أن يسرقه منها؛ وكانت ترسم جسدها لأنها أرادت أن تمتلكه، بعد أن حاول القدر أن يختطفه منها. ومع كل لوحة كانت تثبت أن الألم ليس عدوًا دائمًا، إذ بالإمكان أن يصبح نديمًا وصديقًا، وأن الجرح حين يُروى يتحول إلى أسطورة. لم تكن فريدا Frida جميلة بالمعايير التقليدية؛ كانت أجمل من ذلك: كانت صادقة. وصِدْقُها ظلّ يلمع في كل انحناءة خطّ، في كل لون، وفي كل نظرة. ولهذا صارت رمزًا عالميًا، لأنها جعلت الألم نفسه ينجح حين تسلّل من بين أناملها إلى اللوحة.

فريدا كاهلو Frida Kahlo المرأة التي لم تنتصر على جراحها، لكنها جعلت منها جسورًا يعبرها العالمُ نحو معنى جديد للفن والحياة. امرأةٌ رأت في انكسارها مادة للبقاء، وفي أوجاعها طريقًا إلى الحرية، وفي كينونتها عالماً صغيراً لكنه نابض بكل احتمالات الخلود.

لماذا ما زالت فريدا كاهْلو تدهشنا؟

بعد كل هذا، ما الذي يبقى أثقل وزنًا: سعر اللوحة في المزاد أم الكلفة الحقيقية لكل جرح رسمته فريدا كاهلو Frida Kahlo على جسدها وحياتها؟ هل نَنْبهر بالرقم القياسي لأنه ضخم، أم لأنّه اعتراف متأخر بقوة امرأة حوّلت الألم إلى علامة تجارية عالمية؟ وهل ننظر اليوم إلى لوحاتها بوصفها أعمالاً فنية، أم باعتبارها خطة إنقاذ نفسية لكل من يظن أن جراحه هي نهاية الطريق؟ ربما كان السؤال الأهم: ماذا سنفعل نحن مع آلامنا… ندفنُها في العتمة، أم نجرؤ، مثل فريدا Frida، على تحويلها إلى ضوء يراهُ العالم؟

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا