في الحلقة الخامسة من مشروع “أكورا لحقوق الإنسان” الهادف إلى إثراء النقاش العمومي حول قضايا الحقوق والحريات بالمملكة، ناقش عدد من الخبراء المغاربة برحاب المجلس الوطني لحقوق الإنسان، اليوم الأربعاء، موضوع التحديات التي تحيط بالتعبيرات الثقافية بالمملكة على ضوء مبادئ الحقوق الكونية الإنسانية.
النقاش الذي قاده مسؤولون بالمجلس المذكور ومؤسسات وطنية أخرى، بما فيها وزارات، وقف على مجموعة من هذه التحديات التي “ما تزال تترصد بالتعبيرات الثقافية المغربية، المادية منها وغير المادية”، موازاة مع وجود “متغيرات تستعجل إقرار سياسة وطنية جامعة تضمن الحق الإنساني في الثقافة وإدماج عناصرها في المنظومة الاقتصادية بغرض جعلها منتجة للثروة”.
آمنة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أكدت أن “التعبيرات الثقافية المتعددة ليست ترفا ولا وقتا ثالثا في حياة المواطن، بقدر ما هي تعبير عن مدى التمتع الفعلي بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”، مشددة على أهمية “اعتماد المقاربة القائمة على حقوق الإنسان في التعاطي مع القضايا الثقافية، مع الأخذ بعين الاعتبار متطلبات العدالة المجالية وما تستدعيه من موارد وإمكانات للنهوض بالسياسة الثقافية، بمختلف روافدها، باعتبارها مدخلا لتنويع إنتاج مصادر الثروة وتضييق الفجوات المجالية بين الجهات، ثم تمكين الفئات الهشة والمناطق النائية من حقها في الاستفادة من الإرث الثقافي المشترك”.
وأشارت بوعياش، ضمن كلمتها الافتتاحية، إلى “التحديات التي يعرفها التراث الصخري والنقوش القديمة الشامل لمعظم التراب الوطني، حيث يواجه مخاطر الإتلاف والإهمال، سواء الطبيعي منه أو البشري؛ ولقد عاينت ذلك شخصيا خلال زيارة إلى السمارة والداخلة ودرعة تافيلالت”، موضحة أن “هذه الأشكال المميزة للفن الصخري تعتبر أحد التعبيرات الإنسانية العميقة التي عبّر من خلالها أسلافنا عن تفاعلهم مع محيطهم المجتمعي”.
وزادت: “كما يعرف الجميع، يستعد المغرب خلال هذه العشرية إلى تنظيم ملتقيات دولية كبرى، مما سيجعله ملتقى لآلاف الزوار من ثقافات مختلفة؛ فنعتقد في المجلس أن هذه الملتقيات تشكل فرصة مبتكرة لمضاعفة حجم ومداخل الصناعة الثقافية المغربية وامتلاك رؤية استراتيجية جماعية قائمة على قيم حقوق الإنسان”، مؤكدة: “أننا اليوم نتقاسم انشغالات حول بعض التعبيرات الثقافية المهددة بالزوال بسبب التحولات السريعة التي تعرفها المجتمعات المعاصرة”.
كما شددت على “كون صون التراث الثقافي كان ولا يزال بحاجة إلى استراتيجية وطنية مسنودة ببنية لتعزيز التكامل والالتقائية بين مختلف الفاعلين، وذلك بهدف تعزيز مصادر التمويل والرفع من نجاعة التدخل وتمكين المواطنين من الانتفاع والولوج إلى الحقوق الثقافية بمختلف تعبيراتها”، مردفة في الآن ذاته بأن “هذه الاستراتيجية أيضا بحاجة إلى تشجيع البحث العلمي وتعزيز ضمانات حماية الملكية الفكرية الوطنية ووضع أسس صناعة ثقافية وطنية ومجالية”.
ولفتت بوعياش ختاما إلى أن “المغرب عبر تاريخه الطويل شكل فضاء للتلاقح الحضاري والانفتاح الثقافي أفرز إرثا ثقافيا متنوعا وغنيا بتعدد روافده الأمازيغية، الصحراوية، الحسانية، العبرية والأندلسية (…)، وهو التنوع الذي يحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى إلى حمايته بما يضمن استمرار التعبيرات الثقافية ويصونها من الاندثار أو التهميش وتثمينها من خلال البحث العلمي وإدماجها في الاقتصاد الوطني”.
من جهته، أوضح الحسين بويعقوبي، أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة ابن زهر بأكادير، أن “هناك رهانات على المستوى الدولي على الثقافة؛ إذ إن هذه الإشكالات البارزة في هذا الجانب لا تهم المغرب وحده، بل تتجاوز المستوى الوطني، في الوقت الذي يستعد فيه المغرب لاحتضان مجموعة من التظاهرات الكبرى خلال السنوات المقبلة. فالسؤال البارز في هذا الإطار هو أي منتوج ثقافي مادي أو لا مادي سنقدّمه للعالم، إلى جانب البنية التحتية الرياضية بطبيعة الحال؟”.
وأكد بويعقوبي على “أهمية إيلاء الاهتمام للجوانب الثقافية، وذلك من خلال جعل التعبيرات الثقافية تظهر ضمن السياسات العمومية داخل المغرب”، موضحا أن “هناك إشكالا، من بين إشكالات أخرى في هذا الإطار، من بينها الضعف في الجانب التشريعي الذي من الأولى أن يمكننا من حماية التراث الثقافي، وهو ما يوجب على الدولة تقوية الترسانة القانونية لحماية الموروث الوطني”.
في سياق متصل، توقّف محمد بوصالح، رئيس “مركز ترميم وتوظيف التراث المعماري بالمناطق الأطلسية وورزازات”، عند مجموعة من الملاحظات التي تخص التعامل الإداري مع عناصر ثراتية مادية بالبلاد؛ إذ أشار إلى أن “مخزنا جماعيا واحدا من أصل 560 مخزنا بالمغرب (إيكودار) هو المسجل فقط ضمن اللائحة الوطنية للتراث، والأمر نفسه بالنسبة للقصبات؛ إذ إن 4 قصبات فقط هي التي تم تسجيلها وطنيا من أصل 800 قصبة، فضلا عن قصريْن من أصل 4 آلاف قصر”.
وبعدما أكّد ضعف الجانب القانوني في هذا الإطار، أوضح بوصالح كذلك ضمن مداخلته أن “المداخل الرئيسية لتجاوز هذا الواقع متعددة، وفيها الثقافية والإدارية”، مفيدا بأن “من بين العوامل التي تتربص بالتراث الوطني التغيرات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي لا يمكن نكران كرونولوجيتها منذ بداية الحماية على الأقل إلى يومنا هذا، إلى جانب التطور التكنولوجي الذي يساهم من جهته في القضاء على الثقافات المحلية”.
وتأسّف المتحدث لـ”عدم الاهتمام بمجموعة من الحاملين للذاكرة الحضارية الوطنية من قبل الدولة؛ فمن الأولوية الاهتمام بمثل هؤلاء الذين يودعوننا يوما بعد، خصوصا من عاشوا مراحل سابقة من تاريخ المغرب ولا تتم العناية بهم”، مؤكدا كذلك أن “المنطق يجب أن يتغير”.
من جانبه، اقترح عبد الجليل بوزوكار، مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالرباط، “العمل بشكل مكثف على الاهتمام بالتعبيرات الثقافية المغربية، سواء المادية أو غير المادية، مع العمل على تجويد حضورها على مستوى المقررات المدرسية وإعادة النظر في بعض هذه المقررات”، مؤكدا أن “الحق في إيصال المعلومة ينطلق من خلال دعم الحضور القوي لهذه التعبيرات على مستوى مقرراتنا الدراسية”.
أما أمينة زيوال، رئيسة “جمعية صوت المرأة الأمازيغية”، فاعتبرت أن “معالجة مختلف المعطيات المتعلقة بالتراث الثقافي بالمغرب يجب أن تستحضر التطورات الأخيرة بالمغرب، بما فيها دستور 2011 وصدور القانون التنظيمي الخاص بتفعيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية”، موضحة أن “عددا من النساء الأمازيغيات، منهن من اطّلعن على جوانب من تاريخ المغرب خلال فترة الاستعمار، يحملن ذاكرة قوية في هذا الصدد، في حين وافت المنية عددا منهن بدون الاستماع إليهن كشاهدات على العصر لحفظ جزء من الذاكرة الوطنية”.
واستنكرت زيوال “المسّ بالطوبونيميا الأمازيغية بعدد من مناطق المملكة”؛ فبحسبها، “تم تعريب جزء كبير منها، مما ساهم في ضياع مدلولاتها التي ليست بالاعتباطية، ما يعني القضاء على ثقافة قائمة بذاتها”، لافتة في الإطار نفسه إلى “اندثار عدد من التعبيرات الثقافية الملموسة، بما فيها وشوم النساء الأمازيغيات، وذلك بعد تفشي خطابات تزعم بأن هذه الأخيرة من بين المحرمات، الأمر الذي جعلنا نفقد شيئا فشيئا هذه التعابير التي أنتجتها هذه الأرض منذ زمن”.