في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لا يمكن للكلمات أن تصف المشاعر عند الوصول إلى المدينة المنورة، ولا تتعجب إن شعرت برائحة طيبة تفوح في الأجواء منذ خروجك من المطار، وأن تجد لسانك يلهج طيلة الوقت بالصلاة والتسليم على نبينا الكريم.
عند الوصول إلى الفندق، قد تستغرق إجراءات تسلم الغرفة بعض الوقت، خاصةً خلال موسم رمضان مع ازدحام الزوار، لكن سرعان ما يتلاشى الإحساس بالإرهاق بمجرد أن تأخذ قسطًا من الراحة وتتأهب لأول صلاة لك في المسجد النبوي.
من أكثر اللحظات التي لمست قلبي في حياتي كانت سماعي لأول أذان مغرب في المسجد النبوي خلال رمضان. آلاف المسلمين من مختلف الأعراق واللغات، يجلسون جنبا إلى جنب في انتظار لحظة آذان المغرب والسماح لهم بالإفطار، في مشهد يُجسّد قول الله تعالى في سورة الأنبياء "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون".
قبل موعد الإفطار، تُفرش السُّفر في أرجاء المسجد، حيث يقوم القائمون على رفادة المسجد بتوزيع وجبة الإفطار التي تتكون عادةً من التمر، والماء، والزبادي، والسميط، إلى جانب "دُقة المدينة"، وهي خليط مميز من التوابل لا تجده إلا هناك، ويؤكل عادةً مع الزبادي. كما ستشاهد المعتمرين يتبادلون الطعام فيما بينهم بمحبة وتآخي، وكأنك بين أهلك، حتى وإن كنت غريبًا عن المكان.
الشوق إلى الصلاة في المسجد النبوي يدفعك إلى قضاء أطول وقت ممكن بين أرجائه وساحاته، حيث تشعر بأن كل لحظة فيه نعمة ينبغي اغتنامها.
إذا كنت تُقيم بالقرب من المسجد، سيكون من السهل حضور جميع الصلوات الخمس، لكن في رمضان ومع ازدحام الحرم، يتبع المصلون عادة نمطًا مختلفًا في الحضور والمكوث في المسجد؛ فيحرص الكثيرون على البقاء في المسجد منذ صلاة العصر أو بعدها مباشرة، للاستعداد للإفطار داخل المسجد النبوي، وبين صلاتي المغرب والعشاء، يميل غالبية المصلين إلى البقاء في أماكنهم، حيث يكون الوقت بينهما قصيرا، يليها مباشرةً صلاة التراويح.
وبعد ذلك، يُفضل أخذ قسط من الراحة قبل العودة مجددا إلى الحرم لقيام الليل، الذي يمتد حتى صلاة الفجر، وهي من أعظم اللحظات التي يعيشها المصلون في رحاب المدينة المنورة.
في ساحة المسجد النبوي، تنتشر المظلات العملاقة التي تُوفّر الظل وتلطّف الأجواء برذاذ المياه الباردة، مما يجعل الجلوس فيها تجربة روحانية ممتلئة بالطمأنينة. ومن أجمل اللحظات التي يمكنك مشاهدتها في المدينة هي لحظة تفتح تلك المظلات بعد الفجر، حيث تبدأ في الانفتاح تدريجيا مع أول خيط من ضوء الشمس، وكأنها زهرة عملاقة تتفتح مع بزوغ الصباح.
أما داخل المسجد، فهناك ميزة أخرى لا يعرفها الكثيرون، وهي فتح أسقف المسجد المغطاة بالقباب بعد صلاة الفجر عند شروق الشمس، وكذلك بعد صلاة الظهر، حيث تغمر أشعة الشمس أرجاء المسجد، يذكّرك بأن هذه المدينة دائما ما تكون غارقة في النور، ظاهرا وباطنا.
تُعد زيارة الروضة الشريفة من أقدس اللحظات التي يعيشها المسلم في المدينة المنورة، حيث يقف الزائر في بقعة شهدت خطوات النبي صلي الله عليه وسلم، ويملؤها بالدعاء والخشوع. والروضة هي جزء من المسجد النبوي، وتقع بين بيت السيدة عائشة رضي الله عنها ومنبر النبي عليه الصلاة والسلام، وتضم قبر الرسول الكريم، وصاحبيه الجليلين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
وقد وصفها النبي صلي الله عليه وسلم بأنها "روضة من رياض الجنة"، مما يجعلها مقصدا يتهافت عليه الزوار طلبا للبركة واستشعار القرب من رسول الله.
نظرا لمحدودية مساحة الروضة وكثرة الراغبين في زيارتها، فقد تم تحديد مواعيد مسبقة عبر تطبيق "نُسُك" (NUSUK) لتنظيم الدخول وتجنب الازدحام الشديد. إذا كنت مسافرا ضمن مجموعة سياحية، فغالبًا ما تتولى الوكالة ترتيب موعد جماعي للزيارة. أما إذا كنت مسافرًا بمفردك، فمن الضروري حجز موعد مبكرًا، حيث لن يُسمح بالدخول دون حجز مسبق.
خارج أوقات الصلوات، ستجد لديك وقتا كافيا لزيارة المعالم الدينية والتاريخية التي تُثري رحلتك إلى المدينة المنورة، حيث أن زيارتها تمنحك تصورا أعمق عن سيرة رسول الله والصحابة الكرام.
تبدأ تلك المعالم الشريفة إلى الجنوب الشرقي من المسجد النبوي، تقع مقبرة البقيع حيث يرقد آلاف الصحابة، ومنهم عثمان بن عفان، وبعض أمهات المؤمنين، والسيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنهم.
تُفتح الزيارة للرجال بعد الفجر والعصر، بينما يمكن للنساء مشاهدته من خلف الأسوار، حيث يرسلن السلام والدعاء لمن دفنوا في هذا الموضع المبارك.
وأنت تغادر المسجد النبوي، ستلاحظ أسراب حمام الحرم تحلق حولك في الساحات الخارجية، اعتاد الزوار إطعامه، والتقاط الصور له، كرمز للهدوء الذي يميّز مدينة المصطفى.
وعلى مقربة من الحرم النبوي، يقع المعرض والمتحف الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية، وهو تجربة تفاعلية تأخذك عبر المجسمات والشاشات الرقمية والتقنيات الحديثة في رحلة بصرية مدهشة تجعلك تشاهد أحداث السيرة النبوية تتجسد أمامك.
مسجد الغمامة من الأماكن ذات الصلة بالسيرة النبوية وهو مجاور للحرم المدني (الجزيرة)بالقرب من باب السلام في المسجد النبوي، يقف مسجد الغمامة، حيث صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العيد وصلاة الاستسقاء، وسُمّي بالغمامة لأن غمامة ظللت الرسول أثناء صلاته، ونزل المطر بعد ذلك. زيارته تمنحك إحساسًا خاصًا ببركة المكان، حيث تخطو على أرض شهدت لحظات من الدعاء النبوي المستجاب.
على بُعد سبع كيلومترات من المسجد النبوي يقع مسجد القبلتين، حيث نزل الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام بأمر الله بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة.
ولا تكتمل زيارة المدينة دون الوقوف عند جبل أُحد، الشاهد على واحدة من أهم المعارك الإسلامية، وعند سفحه يقع جبل الرماة، وبالقرب منه تجد مقبرة شهداء أحد، حيث يرقد الصحابي الجليل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه عم النبي، وغيره من الصحابة الذين قدّموا أرواحهم دفاعًا عن الإسلام.
جبل أحد حيث وقعت إحدى المعارك المشهودة في فجر الإسلام (الجزيرة)يُعد ممشى درب السنة أحد المشاريع الحديثة التي تعكس جهود "أنسنة المدينة المنورة"، حيث تم تخصيص طريق للمشاة يربط المسجد النبوي بمسجد قباء بطول ثلاثة كيلومترات، ليحيي بذلك سنة النبي الكريم الذي كان يزور مسجد قباء مشيا ليصلي فيه، وهو أول مسجد أسس بعد هجرة رسول الله إلى المدينة المنورة، وشارك الرسول في بنائه بالحجر. وقد ورد في الحديث الشريف أن الصلاة في مسجد قباء "تعدل أجر عمرة"، مما يجعله مقصدا أساسيا للزوار.
ممشي قباء يربط بين المسجد النبوي ومسجد قباء وهو وجهة لا محيد عنها للتعرف على جانب من المدينة (الجزيرة)كان هذا الطريق في السابق مخصصًا للسيارات، لكنه تحوّل بالكامل إلى ممشى مريح مزود بأماكن جلوس، وسيارات غولف لنقل الزوار، وحافلات مكشوفة تتيح التنقل بسهولة. وعلى جانبي الطريق تنتشر المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم، إلى جانب أسواق الذهب والهدايا التذكارية، مما يجعله وجهة مثالية لمحبي التسوق واستكشاف الطابع المحلي للمدينة.
توفر عدة وسائل تساعد الزوار في التنقل بين المعالم الدينية والتاريخية في المدينة، ومنها: الحافلة السياحية "Hop on Hop off"، وهي وسيلة مريحة تتيح لك التوقف عند أبرز تلك المزارات، وهناك سيارات الأجرة (التاكسي)، المتوفرة على مدار الساعة، وهي خيار تقليدي مناسب لمن يفضل التنقل بشكل أكثر خصوصية ومرونة.
لا يمكن مغادرة المدينة دون حمل بعض الهدايا للعائلة والأصدقاء، وأشهرها عجوة المدينة السوداء التي لن تجد مثلها، فضلاً عن التمر بأنواعه المختلفة وهو من أهم ما تتميز به المدينة، بالإضافة إلى المسك والعطور والبخور التي تذكرك دومًا بأيامك في طيبة.
أحد الأحياء المجاورة للحرم النبوي وتوجد فيها عدد من محلات الهدايا التذكارية (الجزيرة)قد تكون الأسعار مرتفعة في المتاجر القريبة من المسجد النبوي، لذا يُفضّل التسوق من ممشى قباء أو بعض المولات التجارية للحصول على خيارات متنوعة بأسعار معقولة.
بعد انتهاء إقامتك في المدينة المنورة، يحين موعد التوجه إلى مكة المكرمة. هناك خياران للتنقل:
الحافلات السياحية: إذا كنت ضمن وفد سياحي، فستتكفل الوكالة السياحية بنقلكم عبر الحافلات الخاصة، وتستغرق الرحلة حوالي خمس ساعات، مع التوقف عند ميقات أبيار على للاغتسال أو الوضوء وعقد نية العمرة.قطار الحرمين: الخيار الأمثل لمن يسافر بمفرده، حيث يختصر الوقت إلى أقل من ساعتين فقط، وفي هذه الحالة، يتم التنبيه إلى موضع الإحرام أثناء الرحلة لتبدأ في التلبية والنية.
عند وصولك لمكة إلى الفندق أو مقر إقامتك المحجوز مسبقًا للحصول على قسط من الراحة والاستعداد للعمرة، أهم ما يجب أن تحرص عليه أنك في حال الإحرام، فلا يجب عليك التعطر أو التزيين، أو رفع الصوت أو الجدال، وأن تكون ذاكرًا لله وملبيًا لنداء العمرة "لبيك اللهم لبيك" قدر استطاعتك.
عليك أن تعلم أن كافة الأوقات في الحرم المكي مزدحمة في رمضان، وهناك بعض الأوقات التي قد تكون أقل ازدحامًا مثل قبيل المغرب وقبل وبعد صلاة الفجر مباشرة وكذلك وقت الظهر. بسبب كثافة المصلين، لن تتمكن أي حافلة أو سيارة أجرة من إيصالك إلى مداخل الحرم مباشرةً، لذا كن مستعدًا للمشي لمسافة طويلة للوصول إلى ساحات المسجد الحرام.
ويسمح بالدخول إلى حرم الكعبة للرجال المرتديين لملابس الإحرام فقط، أما النساء فيسمح بدخولهم في المطلق. ويجب عليك أن تتذكر أن دخول الطعام غير مسموح به ما عدا الوجبات الجافة والمغلفة للحفاظ على نظافة المسجد. أهم ما يجب عليك تذكره طيلة الوقت داخل الحرم أنك في حضرة بيت الله الحرام، فاترك الدنيا ورائك.
بمجرد دخولك من أحد أبواب الحرم المكي، ستبحث بقلبك قبل عينيك عن الكعبة وهي لحظة تهزّ القلب حين تراها لأول مرة؛ حيث تُستجاب الدعوات وتتجلى معاني العبودية لله. وعند دخولك صحن الكعبة ستبدأ رحلتك للعمرة بالطواف حول الكعبة المشرفة سبعة أشواط.
من المهم اختيار مكان بعيد نسبيا عن مركز الطواف إذا كان الزحام شديدا، مما يُساعدك على أداء الطواف بخشوع وسكينة، ويفضل ارتداء كمامة لعدم الإصابة بأي مرض معدي ناتج عن الزحام الشديد، وكذلك شارة مميزة على ملابسك إذا كنت ضمن مجموعة ليسهل تتبعك بين المعتمرين. خلال الطواف، الزحام أمر لا مفر منه خاصة في رمضان.
يفضل اختيار مكان بعيد نسبيا عن مركز الطواف إذا كان الزحام شديدا حول الكعبة المشرفة (الجزيرة)لذا، كن هادئًا وصبورا، واترك مساحة للآخرين، لا تزاحم لتصل إلى حجر إبراهيم أو للمس الكعبة وتأذي غيرك من الطائفين بالبيت؛ كما لا يُشترط لمس الحجر الأسود أو تقبيله، فيكفي الإشارة إليه من بعيد بيدك اليمنى إليه، لأن الأولى الحفاظ على سلامتك وسلامة المسلمين، وأعلم أن أعظم ما تتعلمه في العمرة هو الصبر على الزحام وعلى المشقة في أداء المناسك.
بعد الانتهاء من الطواف يمشي المعتمرين سبعة أشواط بين جبلي الصفا والمروة، وعادةً ما يكون السعي متعبًا بطبيعة الحال، ويوفر المسجد لهذا السبب سيارات غولف صغيرة لمن لا يتمكن من المشي بين الصفا والمروة بسعر مناسب. بعد إتمام السعي، يُنهى الإحرام بحلق الشعر أو تقصيره للرجال، بينما تقصّر المرأة من شعرها قدر أنملة. بهذه الخطوة، تُختتم المناسك، ويعود المعتمر إلى حالته الطبيعية.
من واقع تجربتي الشخصية، هناك بعض الأمور التي تُسهّل عليك عمرتك ومنها: ارتداء جوارب سميكة أثناء المشي في الحرم، خاصة عند السعي بين الصفا والمروة، حيث يساعد ذلك على تقليل الشعور بالإرهاق وحماية القدمين، أيضًا يُستحب أن يحمل المعتمر المقص أو أداة الحلاقة لاستخدامها عند التحلل من الإحرام.
وأنت في ضيافة الرحمن في الحرم المكي تستحضر معنى البيت المعمر المذكور في القرآن (الجزيرة)وفي ظل ازدحام الحرم، من المهم حمل مصلية صغيرة خاصة بك خاصة في أوقات الذروة أو عند الصلاة في الساحات المفتوحة. يُمكنك إحضار كرسي خفيف قابل للطي للجلوس أثناء الصلوات في الحرم، وعند الانتهاء من رحلتك، يمكنك تركه كصدقة جارية في المسجد، وهو من أبسط وأجمل أعمال الخير التي تستطيع القيام بها بسهولة.
بعد انتهائك من العمرة، يمكنك المكوث في الساحات الخارجية بالحرم المكي في الساحات الخارجية أو بداخل المسجد، أو التوجه إلى سطح المسجد الحرام الذي يتسم كبير من السكينة والهدوء حيث تصلي وفوقك السماء مطلاً على الحرم وما حوله.
إذا كنت تنوي أداء عمرة ثانية عن شخص آخر، يمكنك التوجه إلى مسجد التنعيم (السيدة عائشة رضي الله عنها) على حدود مكة لعقد نية العمرة مجددًا.
ومثل المسجد النبوي، من أجمل اللحظات التي ستعيشها في مكة هي موائد الإفطار الرمضانية، حيث يُوزَّع التمر والماء والقهوة العربية في ساحات الحرم، إلى جانب الشاي بالنعناع وشاي الكرك الذي يعبّر عن كرم أهل مكة.
عقب صلاة التراويح في رمضان عليك تجربة الطعام المحلي في السعودية، مثل الدجاج المشوي مع الأرز أو شطائر اللحوم المشوية، وهناك الفول الجلابة والعدس وعيش التميس المناسب لوجبة السحور. وبخلاف ذلك ستجد مجموعة واسعة المطاعم بالقرب من الحرم التي تقدم صنوف من الطعام الذي يناسب كافة الأذواق.
وبالقرب من الحرم، يمكنك زيارة برج الساعة وبرج الصفوة، حيث تتنوع المتاجر بين الماركات العالمية والمنتجات المحلية، مما يجعلها محطة مثالية للتسوق قبل مغادرة مكة.
بعد أيام مليئة بالتعبد لله، يحين موعد العودة، وأنت تغادر، لا تنسى أن تلقي نظرة أخيرة على الحرم، وتسأل الله داعيًا: "اللهم لا تجعلها آخر عهد ببيتك الحرام"، ثم امضي، لكن الشوق للبقاع المقدسة سيرافقك حتى لقاء جديد.
فيا من لم تذهب بعد، اجعلها من أولوياتك.. ويا من ذهبت، فهنيئا لك ولعلها لا تكون زيارتها الأخيرة.
——-
باحثة مصرية شغوفة بالكتابة والسفر