انتحاري ياباني على متن طوربيد بشري

خلال السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، خصصت ألمانيا موارد كبيرة لتطوير ما عُرف ب"الأسلحة العجيبة" (Wunderwaffe)، أملاً في تغيير مسار الحرب. وشملت هذه المشروعات طائرات نفاثة وصواريخ باليستية، إلى جانب تصاميم لأسلحة عملاقة، مثل الدبابة "رات" (Ratte)، التي كان مقرراً أن يبلغ وزنها ألف طن، لكنها لم تُصنع.

وسعت القيادة الألمانية، من خلال هذه المشروعات، إلى تعزيز قدراتها العسكرية ورفع معنويات الجيش والشعب، مع استمرار تقدم الحلفاء.

وفي المقابل، اتجهت اليابان، أواخر الحرب، إلى تطوير أسلحة انتحارية، مستنزفة جانباً من مواردها البشرية والمادية. ولم تقتصر هذه البرامج على الطائرات، بل امتدت إلى القوارب والطوربيدات التي يقودها البشر، وصولاً إلى إعداد غواصين لتنفيذ هجمات تحت الماء.

ومن أبرز هذه الأسلحة طوربيد "كايتن" (Kaiten)، الذي صُمم ليقوده شخص نحو سفينة معادية، في هجوم ينتهي بمقتل قائده. وبحسب المركز التاريخي للبحرية الأميركية، طُرحت فكرة الطوربيدات البشرية عام 1943، وحصلت على الموافقة مطلع العام التالي، قبل أن تتحول إلى سلاح انتحاري مع تفاقم الوضع العسكري الياباني.

برنامج الأسلحة الانتحارية

واجهت فكرة استخدام البشر في هجمات لا تتيح لهم فرصة النجاة اعتراضات داخل البحرية اليابانية في البداية. لكن تتابع الهزائم وتزايد خطر وصول الحرب إلى الأراضي اليابانية دفعا القيادة إلى تبني هذه الأسلحة، أملاً في قلب موازين القتال.

وشملت برامج الهجوم الخاص طائرات وقوارب محملة بالمتفجرات، يتولى قائدها توجيهها نحو السفن المعادية والاصطدام بها، محاولاً تجاوز النيران الدفاعية.

ومن بين هذه الأسلحة طائرة "أوهكا" (Ohka)، المجهزة بنحو 1200 كيلوغرام من المتفجرات، وقوارب "شينيو" (Shinyo)، التي حملت أكثر من 200 كيلوغرام من المواد شديدة الانفجار.

صورة تعبيرية من توليد الذكاء الإصطناعي لطربيد بشري ياباني

كما امتد البرنامج إلى تطوير طوربيدات يقودها البشر نحو أهدافهم، وإعداد غواصين يحملون شحنات متفجرة لمهاجمة قطع العدو البحرية.

طوربيد بشري

بدأ العمل على فكرة "كايتن" عام 1943، ودخل السلاح الخدمة في العام التالي. واستندت نسخته الأولى إلى الطوربيد الياباني "تايب 93"، بعد تعديله بإضافة مقصورة للقائد وأدوات للتحكم ومنظار قصير لمتابعة الهدف.

وبلغ طول النسخة الأولى نحو 14.75 متر، ووزنها أكثر من ثمانية أطنان، فيما حملت رأساً حربياً يضم نحو 1.5 طن من المتفجرات. ووصلت سرعتها القصوى إلى نحو 30 عقدة.

وكان قائد الطوربيد يتحكم في اتجاهه وسرعته وعمقه، ويستخدم المنظار لتصحيح مساره نحو السفينة المستهدفة. وجهزت اليابان غواصات وبعض السفن لحمل هذه الطوربيدات وإطلاقها.

صورة لعملية اطلاق طربيد كايتن

ورغم إنتاج مئات الطوربيدات، ظلت نجاحاتها القتالية محدودة. ومن أبرز الهجمات الموثقة إغراق ناقلة الوقود الأميركية "يو إس إس ميسيسينيوا" (USS Mississinewa) في أوليثي، يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1944.

وبحسب قيادة التاريخ والتراث البحري الأميركية، أُنتج نحو 330 طوربيداً من النسخة الأولى، واستُخدم نحو 100 منها، بنتائج محدودة مقارنة بما روّجت له التقارير والدعاية اليابانية آنذاك.

غواصو "فوكوريو"

وفي إطار الاستعداد للدفاع عن الجزر اليابانية ضد إنزال محتمل للحلفاء، ظهر برنامج "فوكوريو" (Fukuryu)، الذي اعتمد على غواصين مجهزين ببدلات خاصة وأجهزة تنفس تحت الماء.

وكانت تجهيزاتهم تشمل أسطوانتي أكسجين ونظاماً لتنقية الهواء، مع إمكانية تناول غذاء سائل. واستهدفت الخطط تمكينهم من البقاء تحت الماء لساعات طويلة، قد تصل إلى عشر ساعات.

صورة لبدلة غواص انتحاري ياباني

وحمل الغواص لغماً مثبتاً على طرف عصا طويلة، لاستخدامه في مهاجمة قاع زورق الإنزال أو جانبه. وكان انفجار اللغم سيؤدي إلى مقتل الغواص، إلى جانب إلحاق أضرار بالهدف.

ووفق دراسة نشرها المعهد البحري الأميركي، بلغ عدد المتدربين في إحدى وحدات البرنامج نحو 1200 شخص بنهاية الحرب. لكن نقص المعدات وصعوبات الإنتاج أعاقا الاستعدادات، ولم تُختبر فاعلية "فوكوريو" في القتال الفعلي قبل استسلام اليابان.