دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- يجري حاليًا تطوير خطط طموحة لإنشاء شبكة سكك حديدية فائقة السرعة عبر إفريقيا، تربط بين الدول والأقاليم، وتُشكّل مسارًا قاريًا قادرًا على نقل الركاب بسرعة تصل إلى 320 كيلومترًا في الساعة، والبضائع بسرعة تصل إلى 120 كيلومترًا في الساعة.
لكن إلى جانب العوائق السياسية والمالية الكبيرة التي يجب تجاوزها، هناك تحدٍ آخر لا يقل أهمية: مقياس السكة الحديدية. إذ تختلف المسافة بين القضيبين الداخليين للسكك الحديدية عبر شبكات القطارات الموجودة بالفعل في القارة.
ففي جنوب إفريقيا ووسطها مثلاً، يُستخدم "مقياس كيب" (الذي يبلغ 1.065 –1.067 متر) الأكثر انتشارًا، المستخدم في أكثر من 60% من خطوط السكك الحديدية في القارة.
وفي أجزاء من شرق إفريقيا وغربها، يُستخدم "المقياس المتري/الضيق" (0.95–1.0 متر)، فيما يُعتمد "المقياس المعياري" (1.435 متر) في شمال إفريقيا غالبًا.
يعود هذا التباين بدرجة كبيرة إلى تخطيط البنية التحتية خلال الحقبة الاستعمارية، حين قامت الدول الأوروبية بتصدير قياسات مساراتها وعرباتها، وفق رئيس قسم النقل والتنقل في مفوضية الاتحاد الإفريقي إريك نتاغينغيروا لـCNN.
تمتد السكك الحديدية في إفريقيا لمسافة 83 ألف كيلومتر فقط، وهو رقم أقل بكثير من المتوسط العالمي لكل كيلومتر مربع من الأرض.
ومعظم هذه الخطوط تمتد من الموانئ الساحلية نحو الداخل قبل أن تتلاشى. ورُغم تفرّع بعضها، إلا أنّ الترابط بين الشبكات ضعيف، لا سيما خارج جنوب القارة.
وتتراوح السرعات المتوسطة لتلك الخطوط بين 35 و50 كيلومترًا في الساعة، كما أنّ نسبة محدودة منها فقط كهربائية.
جعل الاتحاد الإفريقي السكك الحديدية أولوية منذ العام 2013، ضمن مخطّط تنمية خاص به يُدعى "أجندة 2063"، ويعمل على تنفيذ مخطط رئيسي يمتد لخمسين عامًا لتحديث هذا القطاع.
أوضح نتاغينغيروا: "تتكون المرحلة الأولى من إنشاء 13 نقطة رابطة ذات أولوية، تجمع بين دولتين أو ثلاث أو حتى أربع دول لإنشاء خطوط تربط بينها".
ومن الأمثلة على المشاريع التجريبية خط يربط العاصمة التنزانية دار السلام بالعاصمة الرواندية كيغالي، ويمتد منها شمالًا إلى العاصمة الأوغندية كمبالا.
دخلت 8 نقاط رابطة حيز التشغيل أو في مرحلة الإنشاء، مع وجود تقدم ملحوظ في الممر الشرقي، الذي يشمل خط أديس أبابا في إثيوبيا إلى جيبوتي، الذي افتُتح عام 2018.
أما "التحدي الحاسم" في المرحلة المقبلة فيتمثل بربط الدول غير الساحلية وسط إفريقيا، وفقًا لنتاغينغيروا، الذي يضغط من أجل تكثيف أعمال البناء خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة على طول ممر مركزي.
أكّد نتاغينغيروا الحاجة إلى نظام قابل للتشغيل البيني، وضرورة تنقله بسلاسة عبر البلدان، موضحًا أنّ الاتحاد الإفريقي حدّد مجموعة من المواصفات والمعايير للمساعدة على تنسيق البنى التحتية الجديدة.
تشير خريطة المخطط حتى العام 2043 إلى إنشاء نحو 73 ألف كيلومتر من الخطوط ذات المقياس المعياري، لربط المراكز التجارية والإدارية، ما يزيد على أربعة أضعاف الطول الحالي لهذا النوع من الخطوط في القارة.
سيُستخدم المقياس المعياري في المقاطع فائقة السرعة لربط العواصم والمراكز الاقتصادية والسياحية، بحسب جوستر إمبوتشي، المهندس المدني والهيكلي والمستشار لدى مفوضية الاتحاد الإفريقي لشؤون السكك الحديدية.
ومع ذلك، أشار إمبوتشي في حديثه إلى CNN، إلى عدم وجود خطة لاستبدال جميع الخطوط الضيقة، إذ يمكن تحديث بعضها أو تحويلها إلى خطوط مزدوجة المقياس، أو إنشاء نقاط تحويل تسمح بالانتقال بين المقاييس المختلفة باستخدام تقنيات مثل العربات ذات العجلات القابلة للتعديل.
كما قال نتاغينغيروا أنّ كهربة الشبكة ستتيح السفر بسرعات عالية، إلى جانب تقليل الانبعاثات المحتملة (اعتمادًا على مصدر الكهرباء).
ورُغم انتشار السكك الحديدية فائقة السرعة في آسيا وأوروبا، لا يوجد في إفريقيا سوى خط واحد يعمل حاليًا بين طنجة والدار البيضاء في المغرب، بينما تعمل مصر على تطوير شبكة تمتد لنحو ألفي كيلومتر.
ولا تزال خطط الشبكة المتكاملة قيد التطوير، مع اقتراح بعض الدول خطوطًا جديدة تتجاوز المخطط الأصلي.
يرى نتاغينغيروا أنّ تمويل هذه الشبكة العابرة للقارة سيأتي من مزيج من الشراكات بين القطاعين العام والخاص، والامتيازات، والحكومات، مع الحاجة إلى جهة إفريقية موحدة لتنسيق الجهود وتوفير إطار تمويلي متكامل.
وقال: "عندما تنظر إلى مساحة إفريقيا.. فأنت بحاجة إلى نظام نقل بري أكثر كفاءة".
ومع أنّ الطرق تنقل نحو 70% من البضائع، إلا أنّها تعاني من الازدحام.
وتابع: "خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، نأمل أن تلعب السكك الحديدية دورًا أكبر في دعم النقل البري أو استكماله".
وفي حال تمتعت السكك الحديدية بدورٍ أكبر خلال العقود التالية، فقد يُحدث ذلك تحولًا كبيرًا في اقتصاد القارة.
تشير تقديرات وكالة تنمية الاتحاد الإفريقي إلى أنّ الشبكة فائقة السرعة قد تُخفض تكاليف النقل بنسبة 40%، وتزيد التجارة بين الدول الإفريقية بنسبة 35%.
وعلى نطاق أوسع، تزعم "أجندة 2063" أنّ تطوير البنى التحتية قد يرفع حصة إفريقيا من التجارة العالمية من 2% في العام 2013 إلى 12% بحلول العام 2045.
المصدر:
سي ان ان