منذ اللحظة التي تخيل فيها كُتاب الخيال العلمي إمكانية التحكم في الآلات بمجرد التفكير، والعلماء يسعون جاهدين لكسر الحاجز البيولوجي بين العقل والسليكون. واليوم، لم يعد هذا الطموح مجرد سيناريو سينمائي، بل أصبح حقيقة مخبرية وتجارب سريرية تغير حياة البشر.
فتقنية واجهة الدماغ والحاسوب "بي سي آي" (Brain-Computer Interface – BCI) ليست مجرد أداة تقنية جديدة، بل هي الجسر الذي قد يربط الوعي البشري بالشبكة الرقمية العالمية إلى الأبد.
في جوهرها، تعتمد تقنية "بي سي آي" (BCI) على مبدأ فيزيائي بسيط، وهوأن كل فكرة أوشعور أو أمر حركي يصدر عن الدماغ هو في الحقيقة عبارة عن إشارات كهربائية تنتقل بين الخلايا العصبية (Neurons)، فعندما تفكر في تحريك يدك اليمنى، تحدث خلاياك العصبية نمطا كهربائيا فريدا.
تعمل أنظمة "بي سي آي" كجهاز فك تشفير (Decoder)، فتقوم الأقطاب الكهربائية الحساسة بالتقاط هذه النبضات، ثم تُرسل إلى معالجات متطورة تستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لترجمة هذه النبضات إلى لغة تفهمها الآلة (أصفار وآحاد). والنتيجة؟ يمكنك تحريك مؤشر الفأرة على الشاشة، أو كتابة رسالة نصية، أو حتى تحريك ذراع آلية، كل ذلك دون تحريك عضلة واحدة في جسدك.
في الوقت الحاضر، لم يعد هذا المجال حكرا على الجامعات، بل دخلت كبرى الشركات العالمية في سباق محموم للسيطرة على "الحدود النهائية" للإنسان، وأصبح هذا المجال ميدان منافسة قوية لهذه الشركات.
التطبيق الفوري والأكثر إلحاحا لهذه التقنية هو الطب الترميمي، خاصة للأشخاص الذين يعانون من إصابات الحبل الشوكي، أو مرض التصلب الجانبي الضموري "أيه أل أس" (ALS)، أو السكتات الدماغية التي تسبب "متلازمة الانحباس"، و"بي سي آي" تمثل لهم طوق النجاة.
واستعادة الحركة، التي من خلالها يتم ربط الدماغ بهياكل خارجية (Exoskeletons) تتيح للمشلولين المشي مجددا. إضافة إلى التواصل الصامت، الذي يعمل على تحويل الأفكار إلى نصوص أو أصوات اصطناعية لمن فقدوا القدرة على النطق.
كما أن هناك أبحاث أولية لاستخدام "بي سي آي" في تعديل الأنماط العصبية المرتبطة بالاكتئاب الحاد أو الوسواس القهري عبر تحفيز كهربائي دقيق.
ولكن الطموح لا يتوقف عند حدود العلاج فقط، بل يمتد إلى آفاق تثير الرهبة بقدر ما تثير الإعجاب، حيث يتحدث المراقبون عن عصر "التخاطر الرقمي"، حيث تنساب الأفكار بين العقول كما تنساب البيانات بين الهواتف، وعن قدرة الإنسان على "توسيع" ذاكرته عبر سحابة إلكترونية خارجية.
لكن السؤال هل يمكننا مستقبلا تحميل لغة جديدة في دقائق؟ أو استرجاع ذكريات طفولتنا بدقة "4 كيه"؟والجواب حتى الآن أن العالم يقترب من منطقة رمادية يمتزج فيها الوعي الفردي بالشبكة العالمية، مما يفتح الباب أمام مفهوم "الإنسان الخارق" الذي لا تحده قدرات بيولوجية موروثة.
في المقابل، تطل تساؤلات أخلاقية مع كل نبضة تقدم لتقض مضاجع الفلاسفة والقانونيين، إذا أصبح الدماغ مفتوحا للقراءة، فأين تنتهي خصوصيتنا؟ وهل يمكن لشركات التقنية أن تزرع "إعلانات" أو "أفكارا" داخل وعينا؟
إن خطر "الاختراق الدماغي" ليس مجرد هاجس تقني، بل هو تهديد للحرية الإنسانية في آخر معاقلها، كما يبرز شبح "الارستقراطية العصبية"، حيث قد يمتلك الأثرياء فقط القدرة على ترقية عقولهم، تاركين بقية البشر في تخلف إدراكي قسري، مما قد يعيد تشكيل الهرم الاجتماعي على أسس بيولوجية-تقنية.
رغم النجاحات، لا يزال الطريق طويلا، فالدماغ البشري هو البيئة الأكثر تعقيدا وعدائية للأجهزة الإلكترونية، حيث يميل الجسم البشري لمهاجمة الأجسام الغريبة، مما يؤدي لتكون أنسجة ندبية حول الأقطاب تضعف الإشارة بمرور الوقت.
كما أن معالجة البيانات داخل الدماغ تولد حرارة، وأي ارتفاع طفيف في درجة حرارة أنسجة الدماغ قد يؤدي لتلف دائم، إضافةً لذلك يحتاج العلماء لفرز ملايين الإشارات العصبية المتداخلة بدقة متناهية، وهو تحد حسابي هائل يتطلب ذكاء اصطناعيا فائق التطور.
ويقف اليوم العالم على أعتاب مرحلة انتقالية في تاريخ التطور البشري، فتقنية "بي سي آي" تعد بإنهاء العجز البدني، لكنها تضعه أمام تساؤلات وجودية حول ماهية الإنسان، فهل سيظل البشر بشرا إذا ما اندمجت عقولهم بالآلات؟
الأكيد أن السنوات العشر القادمة ستشهد تحولا من التجارب المخبرية إلى المنتجات التجارية، وما بدأ كحل للمرضى، قد ينتهي به الأمر كأداة لا غنى عنها للجميع، تماما كما حدث مع الهاتف المحمول. لكن هذه المرة، لن يكون الجهاز في الجيوب، بل سيكون جزءا من الوعي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة