آخر الأخبار

مارادونا في الحي الإسباني.. لماذا نجحت نابولي وأخفقت ميامي؟

شارك

عندما انطلقت بطولة كأس العالم الأخيرة لكرة القدم في 11 يونيو/حزيران، اتضح أمر جلي منذ الوهلة الأولى، فهذه البطولة المشتركة، التي أقيمت في 3 دول، لا تبدو كبطولة واحدة على الإطلاق، بل كأنها عدة فعاليات مختلفة تُقام تحت المسمى نفسه. ففي مكسيكو سيتي وغوادالاخارا ومونتيري، تحولت أيام المباريات إلى مهرجانات عارمة في أرجاء المدينة، حيث امتلأت الساحات بالجماهير والهتافات، وتزيّنت الأحياء بأكملها.

في المقابل، كان الجو في العديد من المدن الأمريكية والكندية المضيفة مثل سياتل وميامي أكثر هدوءا. والأمر هنا لا يتعلق في الحقيقة بأسعار التذاكر أو الجدول الزمني، مع أن لكليهما دورا. بل بشيء يصعب تحقيقه في غضون أسابيع قليلة من استضافة البطولة، وهو كيف تتحول مدينة ما إلى "مدينة كرة قدم"، والتي نجد منها العشرات في المكسيك. أما الولايات المتحدة وكندا، فرغم ثروتهما الرياضية، لا تمتلكان في الغالب مدنا كهذه، أو على الأقل ليس بعد، وليس بالمعنى المتعارف عليه لثقافة كرة القدم في معظم أنحاء العالم.

"مدينة كرة القدم هي مكان تتجذر فيه اللعبة في الحياة اليومية، حيث تغير نتيجة مباراة مزاج الناس، وحيث يحفظ الأطفال نشيد النادي قبل أن يتعلموا جداول الضرب"

لكن ماذا يعني أن تكون مدينة ما "مدينة كرة القدم" في الواقع؟ هي قطعا ليست مجرد مكان يضم ملعبا وفريقا، ولكنها مكان تتجذر فيه الرياضة في إيقاع الحياة اليومية، حيث تغير نتيجة مباراة ما مزاج الناس، وحيث ينشأ الأطفال وهم يحفظون نشيد النادي قبل أن يتعلموا جداول الضرب، وحيث تظهر ألوان الفريق المحلي على سيارات الأجرة ونوافذ المخابز ولوحات الإعلانات. فهي على نحو ما ثقافة تتوارثها الأجيال، بغض النظر عن فوز الفريق أو خسارته.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 لغز الزلازل القاتلة.. هل باتت الأرض من تحتنا أكثر اضطرابا؟
* list 2 of 2 الدرس الذي لم تتعلمه إسرائيل عن لبنان في 100 عام end of list

هذا تحديدا هو النموذج الذي نجده في برشلونة أو نابولي أو ليفربول وغيرها من مدن الكرة الراسخة في العالم. وضمن سياقات تاريخية وطبقية متقاطعة ومتنافرة أحيانا تعيد كرة القدم تشكيل المدن، وتحول الملاعب والمقاهي والأزقة المحيطة بها إلى "مكان ثالث" يوازي في أهميته البيت والعمل، كما تمنح أنماط الإنتاج السائدة فيها والبنى المادية في بعض الأحيان زخما مضاعفا لهذا التعلق الجماعي، لتصبح طقوس المشجعين المخلصين خط الدفاع الأخير في وجه عولمة تسعى لتنميط كل شيء.

مصدر الصورة في مكسيكو سيتي وغوادالاخارا ومونتيري، تحولت أيام المباريات إلى مهرجانات عارمة حيث امتلأت الساحات بالجماهير والهتافات (أسوشيتد برس)

الكرة بوصفها "مكانا ثالثا"

في كتابه المرجعي "المكان الجيد العظيم" الصادر عام 1989، ينحت عالم الاجتماع الأمريكي راي أولدنبرغ مفهوم "المكان الثالث"، ضمن إطار نظري يقسم حياة الفرد إلى 3 فضاءات، البيت بوصفه "المكان الأول"، والعمل بوصفه "المكان الثاني"، ثم فضاء اجتماعي ثالث غير رسمي يقصده الناس بمحض إرادتهم للتواصل وبناء الروابط بعيدًا عن التزامات المنزل والعمل. وقد حدد أولدنبرغ سمات هذا المكان بأنه أرض محايدة لا تشترط دعوة لدخولها، ومتاح للجميع بلا تمييز، ويتيح تفاعلا حرا غير منظم، وهو المكان الذي يبدو بمثابة الغراء المجتمعي الذي يربط الأفراد ببعضهم ويشكل جماعات متماسكة.

إعلان

بهذا المعنى تمثل كرة القدم، بالنسبة لملايين البشر حول العالم، هذا المكان الثالث بعينه، رغم أنها ليست مكانا، ولكنها لعبة تؤلف مجموعة من الأمكنة حولها. فالمقهى المجاور للملعب حيث يلتقي الأصدقاء قبل المباراة، والركن من المدرجات الذي يتجمع فيه المشجعون، كلها فضاءات تؤدي الوظيفة الاجتماعية نفسها التي وصفها أولدنبرغ. وما يميز الحالة الكروية عن غيرها من صور "المكان الثالث" هو طابعها الجماعي الصاخب، وقدرتها على استيعاب أعداد هائلة من البشر في لحظة انفعال جماعي واحد، وهو ما لا يتيحه مقهى تقليدي بالحجم نفسه.

وهذا التصور لا يقتصر على النظرية، بل يتجسد بصورة واقعية في مدن كثيرة. ففي كثير من مدننا العربية يجتمع الرجال خارج المقاهي لتدخين الشيشة ومشاهدة المباريات على شاشات خضراء شاحبة وسط ظلام الليل، وحول غوادالاخارا المكسيكية تتحول المطاعم إلى ما يشبه أندية اجتماعية يتناول فيها المشجعون طعامهم ويتناقشون في تفاصيل المباراة بعد انتهائها.

أما فلورنسا فترتدي كل نهاية أسبوع أوشحة فيورنتينا الأرجوانية، وفي البرتغال تعرض المقاهي في مدينة بورتو قناة النادي الكروية في حلقة متكررة طوال اليوم، بينما يجلس السكان لاحتساء نبيذ البورتو والاسترخاء. وفي سان سباستيان الإسبانية، لا يخلو مكان عام واحد من صورة تذكارية لفريق ريال سوسيداد معلقة على الجدار، تمامًا كما تُزيَّن حانات ساو باولو الشعبية بألوان الأحمر والأسود والأبيض تكريما للفريق الذي يحمل اسم المدينة، فيما تشكل شرفات مونتفيديو، عاصمة أوروغواي، المطلة على الملاعب جزءا لا يتجزأ من طقوس يوم المباراة.

"المقهى الذي يلتقي فيه الأصدقاء قبل المباراة، والمدرج الذي يتجمع فيه المشجعون، كلها فضاءات تؤدي الوظيفة الاجتماعية نفسها"

وهذا النمط من التماهي بين الحياة اليومية والملعب لا يقتصر على أمريكا اللاتينية أو دول البحر المتوسط. ففي ألمانيا، يشكّل نظام "50+1″، الذي يلزم أن يحتفظ أعضاء النادي بأغلبية تصويتية لا تقل عن 50% زائد صوت واحد، إطارا مؤسسيا يحمي هذا الفضاء المشترك من التحول الكامل إلى سلعة استثمارية بحتة. فهذه القاعدة تمنح الجماهير كلمة مسموعة في إدارة أنديتها، وتحول دون سيطرة مستثمر خارجي منفرد على القرار.

وقد صرح الرئيس التنفيذي التاريخي لنادي بوروسيا دورتموند هانزيواخيم فاتسكه بأن المشجع الألماني يرتبط تقليديا بعلاقة وثيقة مع ناديه، وأن أي شعور لديه بأنه أصبح "زبونا" لا "مشجعا" سيمثل مشكلة حقيقية للنادي. ولعل "الجدار الأصفر" في مدرج دورتموند الجنوبي، الذي يستوعب أكثر من 24 ألف متفرج واقفين في مشهد واحد متماسك من الأعلام والأهازيج، يمثل التجسيد المادي الأوضح لهذا "المكان الثالث" حين يتحول مدرج بأكمله إلى كائن جمعي واحد.

مصدر الصورة لعل "الجدار الأصفر" في مدرج دورتموند الجنوبي يمثل التجسيد المادي الأوضح لهذا "المكان الثالث"، حين يتحول مدرج بأكمله إلى كائن جمعي واحد (الفرنسية)

ثأر الأقل شأنا

لا تولد مدينة كرة القدم معلقة في السماء، فهي تتشكل ضمن شرط تاريخي ومادي ملموس. في كتابهما "هذه لعبتنا: داخل أعظم مدن كرة القدم في العالم" ، يرصد كل من جويل روكوود ودانيال فيلدسند البعد الاقتصادي المشترك بين مدن كرة القدم العظيمة في العالم، فهي غالبا ما تشترك في سمة اقتصادية واحدة، وهي الاقتصاد المتعثر أو المتراجع، الذي لا تعرف فيه المدينة مشهدا موازيا من دور الأوبرا أو رياضات التزلج أو الإبحار، ولا يجد سكانها متنفسا في صالات العرض الفني أو الحفلات الفاخرة. في هذه البيئات، تصبح الكرة المتنفس الثقافي الوحيد المتاح، والعملة الرمزية التي يقيس بها الناس مكانتهم وانتماءهم.

"لا تعرف مدن كرة القدم مشهدا موازيا من دور الأوبرا أو رياضات التزلج، ولا يجد سكانها متنفسا في صالات العرض الفني أو الحفلات الفاخرة"

يتجلى هذا النمط بوضوح في تجربة مرسيليا الفرنسية، إحدى آخر المدن الكبرى ذات الطابع العمالي الخالص في فرنسا. فلا يقتصر الأمر على كون نادي أولمبيك مرسيليا أيقونة لفقراء المدينة، بل صار وعاء لاندماج المهاجرين القادمين من فيتنام وتركيا والكاميرون وبلاد المغرب العربي، إذ يمثل تشجيع النادي والحضور في مدرجاته بمثابة "طقس عبور" رمزي نحو الانتماء لمدينتهم الجديدة. ويربط روكوود وفيلدسند هذا التعلق الجارف بتاريخ مرسيليا الطويل من التهميش من قبل باريس، وبأزمة بنيوية عميقة ضربت المدينة بفعل تراجع النشاط الصناعي وتدهور الموانئ عقب توسع طرق التجارة الأوروبية في ثمانينيات القرن الماضي، وهي أزمة ضربت مدنًا أخرى مشابهة في مسارها مثل نابولي وليفربول وغلاسكو وبورتو.

إعلان

والأمر نفسه ينسحب على مدينة روزاريو الأرجنتينية، التي عانت لعقد كامل من العنف الحضري، لكن كرة القدم ظلت، على مدى عقدين، القوة الأساسية المشكّلة لهوية المدينة رغم كل الاضطرابات. هذا الترابط بين الحرمان الاقتصادي والتعلق الكروي يستند إلى تحليل سوسيولوجي أعمق طرحه عالما الاجتماع ريتشارد جوليانوتي ورولاند روبرتسون، اللذان يريان أن كرة القدم من أكثر الحقول الاجتماعية ديناميكية للكشف عن آليات العولمة.

"حيثما ضعفت فرص المدينة في منافسة مراكز رأس المال العالمي، يصبح النادي المحلي أحد أعمدة الفخر النادرة المتبقية لها"

ففي قلب اللعبة، تتقاطع صراعات الهوية المحلية مع منطق الرأسمالية العالمية المتمثل في الأندية الكبرى بوصفها "شركات عابرة للحدود ذات طابع محلي-عالمي". فحيثما ضعفت فرص المدينة في منافسة مراكز رأس المال العالمي اقتصاديا وثقافيا، يصبح النادي المحلي أحد أعمدة الفخر النادرة المتبقية لها، ويتحول الفوز الكروي إلى تعويض رمزي عن الغياب عن مراكز القرار الاقتصادي والسياسي.

مصدر الصورة لا يقتصر الأمر على كون نادي أولمبيك مرسيليا أيقونة لفقراء المدينة، بل صار وعاء لاندماج المهاجرين (الفرنسية)

نابولي نموذجا فريدا

تمثل مدينة نابولي الإيطالية حالة نموذجية لما يصفه ريتشارد جوليانوتي ورولاند روبرتسون. وهي حالة اشتغل عليها أيضا جويل روكوود ودانيال فيلدسند في كتابهما من خلال زيارة ميدانية تكشف هذا المزيج من الحرمان الاقتصادي والفرح الجماعي، حين شهدا احتفالات الفريق بلقب الدوري الإيطالي الثالث في تاريخه موسم 2024-2025.

يصف الباحثان كيف تحولت رائحة عوادم السيارات في الشوارع تدريجيا إلى رائحة السيجار، ثم القهوة ثم الخبز الطازج، بينما كانا يتجهان نحو جدارية "ديوس" (الإله) في الحي الإسباني، أولى محطات ما وصفاه بـ "الحج الكروي".

كانت الألعاب النارية تنطلق في سماء زرقاء صافية، تصاحبها هتافات الجماهير المرددة عبارة "نحن أبطال إيطاليا"، بينما تحوّلت واجهات المحال التجارية إلى لوحات تكريمية مصنوعة يدويًا لا صلة لها بالإعلانات التجارية الرسمية، وتزينت الشرفات برايات زرقاء وبيضاء أشبه بسماء متساقطة فوق رؤوس المارة.

لم يكن الاحتفال حكرًا على فئة اجتماعية أو جنس بعينه، فقد شاركت الطالبات فيه بأهازيج انطلقت من خيمة صغيرة في شارع "فيا توليدو"، في مشهد وصفاه بأنه تجسيد لما أسماه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي "ثقافة تُصنع من القاعدة". وهذا يعكس بعدًا سياسيا حقيقيا في التجربة النابولية، فوفقًا لتحقيق نشرته "يورونيوز"، يرى سكان المدينة في انتصارات ناديهم نوعًا من "الثأر الاجتماعي" من التمييز التاريخي الذي عانت منه مدن الجنوب الإيطالي الفقيرة على يد الشمال الصناعي الغني.

"يرى سكان نابولي في انتصارات ناديهم نوعا من الثأر الاجتماعي من التمييز التاريخي الذي عانت منه مدن الجنوب الإيطالي الفقيرة على يد الشمال الصناعي الغني"

ولا يمكن الحديث عن نابولي دون استحضار أسطورة دييغو مارادونا، الذي انتقل إليها عام 1984 من برشلونة. قدم دييغو إلى نادٍ متواضع الترتيب لا يحمل أملا يُذكر في إحراز الألقاب، ليقوده خلال 7 مواسم فقط إلى 5 ألقاب من بينها أول بطولتين للدوري في تاريخ النادي، في رابطة لم يشهد تاريخ الكرة مثيلًا لها بين مدينة وبطلها. حتى اليوم، لا تزال صورة مارادونا ولقبه "ديوس" منقوشين على أجساد عشاقه في أرجاء المدينة.

وقد تحولت جدارية مارادونا في الحي الإسباني منذ رحيله عام 2020 إلى مزار حقيقي يستقطب أعدادًا هائلة من الزوار يوميًا، لدرجة تتسبب أحيانًا في اختناقات مرورية بالأزقة الضيقة المحيطة، بل إن حانة صغيرة تدعى "نيلو" تعرض خصلة شعر مارادونا محفوظة داخل إطار زجاجي دوّار، في مكان يشبه متحفًا أكثر مما يشبه حانة.

إعلان

هذا المزيج بين الحرمان التاريخي والاحتفاء الجماعي بالبطل الشعبي هو ما يمنح كرة القدم في المدن الفقيرة اقتصاديًا بعدًا يتجاوز الترفيه الرياضي المجرد، إذ تتحول الملاعب والجداريات والحانات الصغيرة إلى مساحات للتعويض الرمزي عن غياب فرص أخرى للتفاخر الجمعي، وتغدو ذاكرة الفريق امتدادًا لذاكرة المدينة نفسها بكل ما تحمله من كبرياء جريح وأمل متجدد. الأمر لا يتعلق فقط بالأسطورة، بل بالمدينة التي احتضنته وأضافت إلى أسطوريته، لذلك لا تجد هذه الروح في المدن الأمريكية رغم استقطاب الدوري الأمريكي للاعبين أسطوريين مثل ليونيل ميسي خلال السنوات الأخيرة.

مصدر الصورة لا يمكن الحديث عن نابولي دون استحضار أسطورة دييغو مارادونا (الفرنسية)

الكرة وحماية الخصوصية الثقافية

فضلا عن دورها الاجتماعي والاقتصادي تنهض كرة القدم في المدن بدور رئيسي في حماية الخصوصية الثقافية المحلية من موجة التنميط العالمي التي تفرضها العولمة على كل مناحي الحياة الحديثة تقريبا. يقدم كتاب "هذه لعبتنا: داخل أعظم مدن كرة القدم في العالم"، نموذجا لهذه الحماية في نادي أتلتيك بيلباو الإسباني.

فمنذ مطلع القرن العشرين، حين بدأت الأندية المنافسة، وعلى رأسها ريال سوسيداد، تشكو من اعتماد أتلتيك بيلباو على اللاعبين الأجانب، قرر مجلس إدارة النادي أن يثبت قدرته على مواصلة النجاح بالاعتماد على لاعبين محليين فقط، فيما يسميه الإسبان "بيلبانيدا" ، وهو تجسيد للتباهي الباسكي بالقدرة على تحقيق المستحيل والإيمان بالذات.

تحول هذا القرار العنيد إلى سياسة رسمية غير مكتوبة، تقضي بأن يقتصر التعاقد على لاعبين وُلدوا في أحد أقاليم إقليم الباسك السبعة التاريخية، أو نشأوا فيها. وبمرور الزمن تحولت هذه القاعدة غير المكتوبة إلى ما يشبه "عرفا دستوريا" للنادي.

وكان الأثر الأعمق لهذه السياسة، كما يوثقه الكتاب، هو أن النادي لم يعد يمثل مدينة بيلباو فحسب، بل صار الممثل الرياضي لإقليم الباسك بأكمله، وذلك في ظل غياب "منتخب الباسك الوطني" عن المشاركة الدولية بسبب عدم الاعتراف به، واستمرار إنكار أي وجود باسكي "مؤسسي" على المستويات السياسية والإعلامية خارج حدود الإقليم.

"لم يعد نادي أتلتيك بيلباو يمثل مدينة بيلباو فحسب، بل صار الممثل الرياضي الرمزي لإقليم الباسك بأكمله"

ومن هذا المنظور، تصبح كل تشكيلة يقدمها أتلتيك بيلباو في كل مباراة تأكيدا حيا على وجود هذا الشعب وهويته، بصرف النظر عن حضور الاعتراف الرسمي أو غيابه. وهذا الإصرار يكشف عن وجه لبيلباو بوصفها "قرية حدودية" تقاوم النظام السائد، مستفيدة من أكاديمية تدريب محلية قوية (كانتيرا) تمكنها من منافسة عمالقة الليغا رغم قيدها الذاتي الصارم.

لكن التماهي العميق بين المدينة وناديها ليس خاليا من الإشكاليات، فالحديث عن "أصالة" التشجيع المحلي في مواجهة "عولمة" مجردة قد يبالغ أحيانا في تبسيط علاقة معقدة ومتشابكة بين المحلي والعالمي، إذ إن كثيرا من الطقوس التي تُعد اليوم جزءًا أصيلًا من الهوية المحلية استوردتها بيلباو من الثقافة الإنجليزية (بما يشمل طريقة كتابة اسم النادي وألوان قميصه)، بما يعني أنها وُلدت هي الأخرى من تفاعل تاريخي مع تأثيرات خارجية، ثم أُعيد تدجينها محليًا عبر الزمن حتى بدت أصيلة تمامًا.

مصدر الصورة مشجعون يحملون أعلام إقليم الباسك قبل انطلاق مباراة ودية (الفرنسية)

كيف يمنح المشجعون المدن روحها؟

رغم أن المدن الكروية تولد أحيانا ضمن شروط مفروضة أو من خارج إرادة سكانها، إلا أن من يضمن استمراريتها ليست نوادي الكرة ولا اللاعبين، ولكنهم السكان والمشجعون أنفسهم. فالمدربون يأتون ويرحلون، وكذلك الملاك واللاعبون، بينما يظل المشجعون الحاضرون فعليا في المدرجات هم النبض الثابت الذي يحافظ على استمرار المدينة الكروية وهويتها.

يتجلى هذا الحفاظ على التراث بشكل بالغ الرمزية في التفاصيل الصغيرة. فشعار نادي أياكس أمستردام يحمل صليب القديس أندراوس، الصياد الذي استشهد في القرن الأول الميلادي، بينما يحمل شعار إيه سي ميلان درع أسقف ميلانو الذي يعود تاريخه إلى عام 374 للميلاد. تشعر دائما بأن هناك حرصا شديدا على تكريم التاريخ وإن كان أسطورياً.

"المدربون يأتون ويرحلون، وكذلك الملاك واللاعبون، بينما يظل المشجعون الحاضرون فعليا في المدرجات هم النبض الثابت الذي يحافظ على استمرار المدينة الكروية وهويتها"

في بيلباو، مثلاً، درج قادة الفرق الزائرة منذ عام 1926 على وضع باقة ورد على تمثال نصفي للاعب رافائيل مورينو المعروف بـ"بيتشيتشي"، أول من سجل هدفا في ملعب سان ماميس، تكريما له وللملعب نفسه، وهو تقليد لا يزال قائمًا حتى اليوم. ولا تزال بعض العبارات الإنجليزية الأصلية التي استخدمها أوائل مشجعي بيلباو، متداولة في اللهجة المحلية، في أثر لغوي حي يعكس الجذور الإنجليزية التاريخية لتأسيس النادي عام 1898 على يد طلاب من الباسك عادوا من إنجلترا.

إعلان

هذا النمط من الحفاظ على الذاكرة الجماعية عبر الطقوس المتكررة ينسحب أيضًا على ليفربول، المدينة التي بناها المهاجرون من ويلز وأيرلندا خلال المجاعة الكبرى. ومنذ عام 1841، ظلت قاعة "سان جورج" في محطة ليفربول لايم ستريت تستقبل المسافرين وعليها نقشة "SPQL" اختصارًا لعبارة لاتينية تعني "مجلس شيوخ وشعب ليفربول"، في إشارة إلى إحساس تاريخي بالاستقلالية الذاتية للمدينة عن بقية إنجلترا.

لذلك، حين وصف عالم النفس كارل يونغ ليفربول ذات مرة بأنها "بركة الحياة"، فإنه كان يستحضر تلك الروح المتوهجة التي لا تخبو، والتي تنتقل اليوم عبر أغنية "لن تسير وحدك أبدا" التي تدوّي في أرجاء ملعب أنفيلد قبيل كل مباراة. وقد وصفها كارلو أنشيلوتي، مدرب إيفرتون (غريم ليفربول) السابق، ومدرب منتخب البرازيل الحالي، بقوله إن ليفربول مدينة يمكن للمرء أن "يشمّ فيها رائحة كرة القدم في كل مكان".

مشجعو ليفربول يرفعون أوشحتهم الكروية قبل إحدى المباريات (الفرنسية- أرشيف)

مستقبل "مدن كرة القدم"

تتخذ القوى التي قاومتها هذه المدن عبر تاريخها الطويل، بشكل أساسي العولمة المالية وتسليع التجربة الجماهيرية وتفريغ الملاعب من طابعها المحلي لصالح جمهور سياحي عابر، تتخذ أشكالا جديدة أكثر تعقيدا. بيد أن المقاومة الجماهيرية لا تزال قوية، ولذلك فإن معركة الهوية المحلية في مواجهة منطق السوق العالمي لم تُحسم بعد لصالح أي طرف بشكل نهائي، وربما ستظل نتيجتها مفتوحة على قراءات متعددة في السنوات المقبلة.

مثلا، يعد مشروع "الدوري الأوروبي الممتاز" أو "سوبر ليغ"، الذي طرح عام 2021 أوضح تجسيد لرغبة النخبة المالية في الكرة الأوروبية بفك الارتباط الكامل بين الأندية الكبرى ومنظومة الجدارة الرياضية التقليدية، لصالح دوري مغلق يضمن لأصحابه عائدات ثابتة بمعزل عن النتائج على أرض الملعب. وقد انهار المشروع خلال فترة قصيرة من الإعلان عنه، تحت وطأة احتجاجات جماهيرية عارمة اجتاحت مدرجات الأندية المؤسِّسة نفسها.

ورغم أن ريال مدريد ظل الطرف الأبرز المتمسك بالمشروع، فإن انسحاب برشلونة النهائي منه في فبراير/شباط 2026، عجل التوصل إلى تسوية قانونية مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم تُنهي المشروع نهائيا، وهو ما وضع خاتمة رمزية لـ 5 سنوات من الصراع بين رؤيتين متعارضتين لمستقبل اللعبة. كان هذا الانهيار درسًا بليغًا في أن الجماهير، حين تتحرك بكتلة موحدة كما فعلت مدرجات مانشستر وليفربول في تلك الأيام الأولى، لا تزال تملك قوة فيتو فعلية على القرارات التي تمس جوهر انتمائها لأنديتها، حتى في مواجهة أضخم رؤوس الأموال في اللعبة.

"يبدو أن مستقبل مدن الكرة لن يُحسم بانتصار كامل لأحد الطرفين"

في المقابل، كشفت كأس العالم الحالية عن الوجه الآخر لهذه المعادلة. فقد أثار اعتماد الفيفا لأول مرة نظام "التسعير الديناميكي" لتذاكر البطولة، وهو نظام تتغير فيه الأسعار وفق العرض والطلب كما هو معمول به في الدوريات الرياضية الأمريكية والحفلات الموسيقية الكبرى – موجة انتقادات واسعة، بعدما بلغ متوسط سعر أرخص تذكرة متاحة في بعض المدن المضيفة أكثر من 1000 دولار أمريكي قبل شهرين من انطلاق البطولة، فيما وصل سعر بعض التذاكر في السوق المغلقة إلى أكثر من 8 آلاف دولار. ورغم أن الفيفا خصصت فئة تذاكر منخفضة السعر استجابة لضغط الرأي العام، فإن هذه الفئة لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من إجمالي المقاعد المتاحة، وهو ما دفع ولايات أمريكية لفتح تحقيق حول ما إذا كانت هذه السياسة التسعيرية تضلل الجماهير وتصطنع ندرة وهمية في المقاعد.

يهدد هذا النمط من التسعير بتحويل أكبر حدث كروي في العالم إلى تجربة استهلاكية نخبوية يصعب على المشجع التقليدي، وهو نفسه الشخصية التي تمثل العمود الفقري لـ"مدينة الكرة"، الوصول إليها. فالخطر الذي يواجه "مدن الكرة" اليوم لم يعد مقتصرًا على تدفق رؤوس الأموال إلى ملكية الأندية، بل امتد ليشمل تفريغ الأحياء المحيطة بالملاعب نفسها من سكانها الأصليين لصالح اقتصاد سياحي عابر لا يحمل ذاكرة ولا انتماء.

ويبدو أن مستقبل "مدن الكرة" لن يُحسم بانتصار كامل لأحد الطرفين، بل سيظل، كما كان دائمًا، ساحة تفاوض دائم ومتجدد بين القوتين. وطالما ظل هناك مشجعون مستعدون للوقوف على المدرجات ومقاه صغيرة تعرض صورًا قديمة على جدرانها وأزقة تتزين براياتٍ خيطتها الجدات، فستظل "مدينة الكرة" قادرة على تجديد نفسها، مهما بلغت ضغوط العولمة المالية من القوة والشراسة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا