بينما تتجه أنظار الملايين صوب الملاعب الأمريكية انطلاقاً من يوم الخميس، لم تعد لغة العاطفة وحدها هي الحاكمة في أروقة المونديال الأطول تاريخياً؛ إذ أعادت المحاكاة الرقمية لـ "كمبيوتر أوبتا الخارق" رسم خريطة النفوذ الكروي بالكامل بعد 96 مباراة طاحنة، لتتحول زاوية الرؤية من "من يستحق اللقب؟" إلى "من تخدمه خوارزميات الأرقام لانتزاعه؟".
وبعد إسدال الستار على مواجهات الدور ثمن النهائي، نستعرض المواجهات الأربع في ربع النهائي مدعومة بأحدث توقعات حاسوب "أوبتا" المبنية على 25 ألف محاكاة رقمية متطورة، والتي أبرزت تغيرات مفاجئة في نسب التتويج مقارنة بتقديراته المسبقة قبل انطلاق المونديال قبل نحو شهر من الآن.
وقبل ركلة بداية المونديال، كان الكمبيوتر الخارق يضع منتخب إسبانيا كمرشح أول لنيل اللقب بنسبة 16.1%. ومع الوصول إلى دور الثمانية، نجح الأربعة الكبار الأوائل في قائمة الترشيحات المسبقة، وهم إسبانيا وفرنسا والأرجنتين وإنجلترا، في حجز مقاعدهم بنجاح. في المقابل، ودعت المنتخبات التي احتلت المراكز من الخامس إلى الثامن في التوقعات الأولية البطولة مبكراً، وهي البرتغال والبرازيل وألمانيا وهولندا.
ورغم تقليص عدد المنافسين وصمود الكبار، فإن الخارطة الرقمية شهدت تحولاً صعدت بموجبه فرنسا إلى صدارة الترشيحات مستغلة بعض التراجع في تقييم منافسيها.
تأتي قمة فرنسا والمغرب لتتصدر المشهد الرياضي، حيث يقدم المنتخب الفرنسي القوي مستويات مميزة تليق بفريق مرشح فوق العادة، إذ تجاوز بسهولة دور المجموعات، قبل أن يزيح السويد في دور الـ32، ويطيح بالباراغواي في دور الـ16. ورغم أن اللقاء الأخير شهد توتراً وخشونة واحتاج فيه "الديوك" إلى ركلة جزاء للعبور، مما قلل من ثقة الكمبيوتر الخارق بهم قليلاً، إلا أنه لا يزال يثق في فرنسا أكثر من أي فريق آخر.
ويرى الكمبيوتر أن ديدييه ديشان يمتلك فرصة قوية لمغادرة منصبه بلقب عالمي جديد، حيث بلغت نسبة تتويج فرنسا باللقب 27.3%، في حين تصل نسبة وصولها إلى المباراة النهائية إلى 44.3%، مدفوعة بقوة هجومية ضاربة يقودها كيليان مبابي وعثمان ديمبيليه وبرادلي باركولا ومايكل أوليسيه.
لكن هذا الطموح الفرنسي يصطدم بمنتخب مغربي لا يخشى بطل العالم مرتين، إذ لم يتعرض "أسود الأطلس" لأي هزيمة في البطولة حتى الآن. وكتب أبناء شمال إفريقيا التاريخ سابقاً كأول منتخب إفريقي يبلغ نصف النهائي في نسخة قطر 2022، وتراودهم الرغبة ذاتها في تكرار الإنجاز والذهاب إلى أبعد مدى.
وقد شق المغرب طريقه بإطاحته بهولندا في دور الـ32 بركلات الترجيح، قبل أن يسحق كندا، أحد البلدان المنظمة، بثلاثية نظيفة في دور الـ16، واضعاً نصب عينيه الثأر من خسارته السابقة أمام فرنسا قبل أربعة أعوام.
وعلى خارطة التوقعات الرقمية، بلغت نسبة فوز المغرب باللقب 3.7%، مع نسبة 26.1% للوصول إلى نصف النهائي و9.6% لبلوغ النهائي. وتبرز صعوبة مهمة المغرب عند النظر إلى المسار الشاق الذي خاضه، حيث يوضح مؤشر قوة "أوبتا" أن متوسط تصنيف خصومه في أول خمس مباريات بلغ 74.7، وهو ثاني أصعب مسار بين المنتخبات الثمانية.
وفي المواجهة الثانية، تلتقي إسبانيا مع بلجيكا في قمة ستحتضنها مدينة لوس أنجلوس. ويدخل المنتخب الإسباني اللقاء مستنداً إلى صلابة دفاعية تاريخية، فبعد فوزه على البرتغال بهدف نظيف يوم الإثنين، أصبح أول منتخب في تاريخ كأس العالم يخرج بشباك نظيفة في ست مباريات متتالية، ولم يتلق حارسه أوناي سيمون أي هدف حتى الآن في البطولة.
ورغم أن أبطال أوروبا بقيادة لويس دي لا فوينتي لم يقدموا أداءً مبهراً بشكل دائم، وعانوا من تعادل سلبي في الجولة الأولى أمام كاب فيردي أثر على تقييمهم الأولي لدى الكمبيوتر الخارق، إلا أنهم أظهروا فعالية هجومية وسلاسة في الاحتفاظ بالكرة.
ومع أن النجم الصاعد لامين جمال لم يهز الشباك سوى مرة واحدة، إلا أن ميكيل أويارسابال تكفل بالتوقيع على أربعة أهداف، منها ثنائية ضد النمسا في دور الـ32.
ووفقاً للكمبيوتر الخارق، تمتلك إسبانيا حالياً نسبة 21.3% للتتويج باللقب، ونسبة 69.7% لبلوغ نصف النهائي، و36.4% للوصول إلى النهائي. غير أن العقبة الحقيقية أمام إسبانيا هي نفسها التي تواجه المغرب وفرنسا إذ أن المواجهة المقبلة ستجمع بين الفائزين في نصف النهائي.
أما المنتخب البلجيكي، فقد عبر إلى ربع النهائي بعد فوزه العريض على أمريكا، أحد مستضيفي البطولة، بنتيجة 4-1 في دور الـ16، وكان قبلها قد قلب تأخره بهدفين أمام السنغال في دور الـ32 إلى انتصار مثير 3-2 بعد التمديد.
ورغم هذا الصمود، فإن الكمبيوتر الخارق لم يكن مقتنعاً تماماً بمسيرة "الشياطين الحمر" الذين استهلوا البطولة بتعثرات واضحة. ومع ذلك، ارتفعت حظوظ بلجيكا في التتويج باللقب لتصل إلى 3.6% مقارنة بـ2% قبل مباراة أمريكا، وهي النسبة الأقل بين الفرق الثمانية، في حين بلغت نسبة وصولهم لنصف النهائي 30.3% والنهائي 9.8%.
وتمثل هذه النسخة "الرقصة الأخيرة" لجيل بلجيكا الذهبي بقيادة كيفين دي بروين وروميلو لوكاكو، اللذين يمنيان النفس بإنهاء مسيرتهما الدولية بأفضل طريقة ممكنة.
وفي ميامي، تتجه الأنظار نحو صدام النرويج وإنجلترا، وهي مواجهة اعتاد فيها المدافعون الإنجليز على صراع إرلينغ هالاند في الدوري الإنجليزي الممتاز، لكن ذلك لن يشفع لهم بالضرورة لإيقافه. ودخلت إنجلترا البطولة بثوب المرشح الأبرز تحت قيادة مدربها الألماني توماس توخل، سعياً للتتويج بالكأس للمرة الثانية في تاريخ "الأسود الثلاثة".
ويبرز القائد هاري كين وجود بيلينغهام كالركيزتين الأساسيتين، حيث سجلا 10 أهداف من أصل 11 هدفاً للمنتخب في البطولة، منها ثلاثة أهداف في الانتصار الشاق على المكسيك 3-2 في دور الـ16.
ورغم أن إنجلترا أكملت مباراتها ضد المكسيك بعشرة لاعبين بعد طرد جاريل كوانساه، وخرجت بفوز شحنها بالثقة، إلا أن أداءها اتسم بعدم الثبات؛ إذ سبق ذلك تعادل مع غانا وانتصارات غير مقنعة على بنما والكونغو الديمقراطية.
ويعزو الكمبيوتر الخارق تراجع حظوظ إنجلترا إلى المركز الرابع بنسبة تتوجه بلغت 16.5% ونسبة وصول لنصف النهائي بلغت 62.4% والنهائي 35%، إلى المشاكل الدفاعية الواضحة في مركز الظهير الأيمن في ظل غياب ريس جيمس المصاب، وعدم تقديم كوانساه أو دجيد سبينس لمردود مطمئن.
هذه التصدعات الدفاعية لإنجلترا ستكون في مرمى النيران النرويجية بقيادة الهداف المرعب هالاند، الذي يشارك في سباق الحذاء الذهبي بسبعة أهداف في البطولة، ويمتلك سجلاً تهديفياً خارقاً بإحرازه 27 هدفاً في 14 مباراة متتالية مع منتخب بلاده.
وتعد النرويج المنتخب الأكثر ترشيحاً لدى الكمبيوتر الخارق بين الفرق التي لم يسبق لها تذوق طعم الذهب العالمي، حيث منحها نسبة 6.6% لرفع الكأس، ونسبة 17.1% للوصول إلى النهائي، بالإضافة إلى احتمالية تبلغ 37.7% لتخطي إنجلترا، بينما بلغت نسبة وصولها لنصف النهائي 37.6%. وتكتسب أرقام النرويج قيمة مضاعفة بالنظر إلى أنها واجهت المسار الأصعب على الإطلاق في أول خمس مباريات بمعدل قوة خصوم بلغ 80.1 وفقاً لمؤشر "أوبتا".
وفي رابع المواجهات، تلتقي الأرجنتين وسويسرا في مدينة كانساس. ولم تعبر الأرجنتين وحامل اللقب بقيادة ليونيل ميسي إلى هذا الدور إلا بعد مباراتين شاقتين ومقلقتين للكمبيوتر الخارق؛ ففي دور الـ32، اضطر الفريق لخوض شوطين إضافيين للإطاحة بكاب فيردي، وفي ثمن النهائي تأخرت الأرجنتين أمام مصر بهدفين نظيفين وافتقرت للحلول وكانت قريبة من الإقصاء، قبل أن تقود خبرة ميسي عودة مذهلة في الأنفاس الأخيرة.
الأرجنتين تعتمد على ميسي في مهمة الحفاظ على اللقب (الفرنسية)ويدرك المدرب ليونيل سكالوني أن فريقه لا يمكنه العيش على هذه السيناريوهات العصيبة إن أراد تحقيق الكأس الرابعة، ومع ذلك، فإن السجل الخالي من الهزائم في 11 مباراة متتالية بالمونديال وثقافة الفوز تمنح الأرجنتين نسبة 17.3% للحفاظ على لقبها، ونسبة 69.1% لتخطي سويسرا وبلوغ نصف النهائي، و36.4% للوصول إلى النهائي.
أما المنافس السويسري، فقد وصل إلى ربع النهائي للمرة الأولى منذ استضافته البطولة عام 1954، وذلك بعد تجاوزه كولومبيا بركلات الترجيح إثر تعادل سلبي في فانكوفر. وتتميز سويسرا بفريق متماسك يصعب كسر صلابته، وقد حظيت بثاني أسهل مسار في البطولة بمعدل قوة خصوم بلغ 70.4 وفق تصنيفات أوبتا، خلف الأرجنتين مباشرة التي واجهت المسار الأسهل بمعدل 70.1. ورغم تلك الصلابة، يرى الكمبيوتر الخارق أن الفوارق الفردية ترجح كفة الأرجنتين التي فازت في 69.1% من المحاكاة المباشرة، تاركة لسويسرا نسبة ضئيلة تبلغ 3.8% فقط لإحداث مفاجأة مدوية والتتويج باللقب العالمي، ونسبة 30.9% للعبور لنصف النهائي و11.5% للوصول إلى المشهد الختامي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة