لم يكن قرار الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بتعيين محمد وهبي مديراً فنياً للمنتخب الأول في مارس/آذار 2026 مجرد تغيير في الأسماء أو تبديل في المقاعد مع وليد الركراكي، بل جاء كخطوة مدروسة ضمن رهان استراتيجي عميق يستهدف استثمار "جينات الفوز" التي نجح وهبي في غرسها داخل نفوس جيلٍ موهوب أبهر العالم في مونديال تشيلي للشباب 2025.
واليوم، يتلخص الطموح المغربي في ترسيخ عقلية "البطل" ونقلها بحذافيرها من الفئات السنية إلى الساحة الكبرى في مونديال 2026. إنها رحلة البحث عن الاستمرارية، وتحويل النجاح الفئوي إلى ثقافة راسخة تفرض هيبتها على كبار اللعبة في المحفل العالمي المرتقب.
قبل أشهر قليلة، اهتز العالم على وقع إنجاز مغربي غير مسبوق، حيث توج "أشبال الأطلس" بطلا لكأس العالم للشباب. وهبي لم يحقق اللقب فحسب، بل قدم كرة قدم تتسم بالشراسة البدنية والذكاء التكتيكي، متفوقا على قوى عظمى مثل الأرجنتين والبرازيل.
هذا النجاح جعل وهبي يمتلك "مفتاح السر" للمرحلة القادمة؛ فهو المدرب الذي يعرف خبايا المواهب الصاعدة مثل ياسير زبيري وعثمان معمة، ويمتلك الكاريزما لدمجهم مع الحرس القديم المتمثل في أشرف حكيمي وعز الدين أوناحي وأيوب الكعبي، في خلطة سحرية تمزج بين خبرة نصف نهائي قطر 2022 وعنفوان أبطال عالم للشباب 2025.
يدخل محمد وهبي "نادي النخبة" لمدربين صعدوا من القاعدة إلى القمة، مقتفيا أثر مدارس عالمية نجحت في تحويل إنجازات الشباب إلى مجد خالد مع الكبار:
1. ليونيل سكالوني (الأرجنتين):
شغل سكالوني منصب مدرب منتخب الأرجنتين تحت 20 عاما من يوليو/تموز 2018 إلى نوفمبر/تشرين الثاني 2018.
وخلال فترة ولايته القصيرة، أدار 6 مباريات وحقق معدل 2.50 نقطة في المباراة الواحدة قبل أن يتسلم زمام المنتخب الأول عام 2018، وسط شكوك كبيرة.
ورغم أنه لم يحقق إنجازا يذكر مع منتخب الشباب (تحت 20 عاما) فإن سكالوني استفاد من تجربته ليبني فريقا توج بلقب كأس العالم 2022 في قطر.
2. لويس دي لا فوينتي (إسبانيا):
تدرج لويس دي لا فوينتي طوال 10 سنوات كاملة في تدريب الفئات السنية لمنتخب إسبانيا قبل أن يصل إلى القمة مع لاروخا.
تولى قيادة منتخب تحت 19 عاما في الفترة بين عامي 2013 و2018 وحقق معهم بطولة أمم أوروبا في 2015، ثم صعد لمنتخب تحت 21 عاما وتوج معهم بيورو 2019 قبل أن ينضم إلى القيادة الفنية للمنتخب الأولمبي وحصد الميدالية الفضية في أولمبياد طوكيو 2020.
صعد إلى المنتخب الأول عام 2022، خلفا للويس إنريكي بعد خروج إسبانيا من مونديال قطر.
وبعد فترة من توليه المهمة، نجح في الفوز بلقب دوري الأمم الأوروبية 2023، وكأس أمم أوروبا (يورو 2024)، مؤكدا أن سياسة تصعيد المدربين يمكنها أن تحقق الإنجازات العالمية.
3. إنزو بيرزوت (إيطاليا):
يعد إنزو بيرزوت المهندس الحقيقي لنهضة الكرة الإيطالية في ثمانينيات القرن الماضي، حيث اشتهر بفلسفة "الكاتيناتشو" المتطورة التي مزجت بين الدفاع الحديدي والتحولات الهجومية الخاطفة.
صقل خبراته مع منتخب "الأزوري" تحت 23 عاما ما بين عامي 1969 و1975، قبل أن ينقل تلك الصرامة التكتيكية للمنتخب الأول، ويقوده لاعتلاء عرش العالم في إسبانيا 1982.
دخل بيرزوت التاريخ كأكثر مدرب قاد منتخب إيطاليا في مباريات دولية (104 مباريات)، تاركا إرثا تكتيكيا تدرسه الأجيال.
بينما صعد سكالوني ودي لا فوينتي لبناء مشروعهما من الصفر مع الكبار، يدخل وهبي عرين "أسود الأطلس" وهو يحمل صفة "بطل العالم" فعليا في فئة الشباب.
هذا التتويج يمنحه ثقة لا تقدر بثمن في مواجهة ضغوط المونديال، ويجعل لاعبه الشاب يراه "قائدا متوجا" ولاعبه الخبير يراه "عقلا منتصرا".
يقع المغرب في مجموعة قوية تضم البرازيل وهايتي واسكتلندا، لكن الروح التي جلبها وهبي من منصات التتويج في تشيلي تمنح الجمهور أملا يتجاوز مجرد المشاركة.
إذا استطاع وهبي أن يمزج بين "الروح القتالية" لجيل قطر و"العقلية المنتصرة" لجيله العالمي الشاب، فقد لا يكتفي المغرب بتكرار إنجاز 2022، بل قد يحقق المعجزة ويصل للمباراة النهائية في نيوجيرسي.
رحلة وهبي من ملاعب الشباب إلى دكة بدلاء المنتخب الأول هي قصة إيمان بالكفاءة الوطنية، وتبقى ملاعب 2026 هي الفيصل لمعرفة ما إذا كان سيتخطى إرث سكالوني ودي لا فوينتي ويصبح أول مدرب يجمع بين كأسي العالم للشباب والكبار.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة