في قلب التحولات العميقة التي تشهدها كرة القدم العالمية، لم تعد قضية اختيار المنتخب بالنسبة للاعبي المهجر، وبالأخص في عدد من الدول في شمال أفريقيا مسألة هوية أو انتماء عاطفي، بل تحولت إلى قرار استراتيجي مركب، تقوده حسابات دقيقة تتقاطع فيها الرياضة بالاقتصاد، والاحتراف بالفرص، والطموح الفردي بمشاريع المنتخبات.
هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن سياق ظاهرة تغيير الجنسية الرياضية المرتبطة بما يسمى "ممرات الهجرة"، أي الروابط التاريخية بين الدول التي تعيد إنتاج نفسها داخل كرة القدم.
أصبحت لوائح فيفا في السنوات الأخيرة أكثر مرونة فيما يخص تغيير الجنسية الرياضية، وهو ما فتح المجال أمام اللاعبين مزدوجي الجنسية لاتخاذ قرارات مهنية واضحة دون التعرض للوصم الجماهيري.
فأي تغيير يتم وفق الإجراءات الرسمية لفيفا يعد قانونيا ومشروعا، ولم يعد ينظر إليه كخيانة أو تجاهل للانتماء الوطني، مما يمنح اللاعبين مساحة أكبر للتعبير عن اختياراتهم المهنية.
القواعد الأساسية تشمل:
لم يعد قرار لاعب المهجر في اختيار المنتخب الذي يمثله يحسم بدافع عاطفي سريع، بل تحول إلى ما يشبه مشروعا استثماريا مبنيا على حسابات دقيقة ومعايير مهنية.
فوفق لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، التي أصبحت أكثر مرونة في ما يخص تغيير الجنسية الرياضية، سجل في السنوات الأخيرة أكثر من 30 حالة تغيير تمثيل دولي سنويا، وهو رقم يعكس تصاعد الظاهرة عالميا، ويؤكد أن المسألة لم تعد استثناء بل توجها عاما في كرة القدم الحديثة.
هذا التحول تدعمه أيضا دراسات مرصد كرة القدم، التي تشير إلى أن اللاعب مزدوج الجنسية بات يربط قراره الدولي بشكل مباشر بمؤشرات مثل فرص اللعب، وإمكانية المشاركة في البطولات الكبرى، وقوة المنتخب التنافسية، بدل الاكتفاء بعامل الانتماء.
فالمعادلة أصبحت واضحة: دقائق أكثر على أرض الملعب تعني تطورا أسرع، وحضورا إعلاميا أوسع، وقيمة سوقية أعلى، بينما البقاء على دكة البدلاء في منتخب قوي قد يهدد المسار المهني بالكامل.
وفي هذا السياق، يتعامل اللاعب مع المنتخبات كما لو كانت "خيارات سوقية" مختلفة؛ منتخب أوروبي كبير يوفر بيئة تنافسية عالية لكنه يقلص فرص اللعب، في حين يمنح منتخب من بلد الأصل فرصة لعب أكبر ودورًا محوريًا في وقت أسرع، حتى وإن كان على حساب الحضور العالمي.
لذلك، يطرح اللاعب على نفسه أسئلة دقيقة: هل أضمن المشاركة في كأس العالم؟ هل سأكون عنصرًا أساسيًا؟ هل المنتخب قادر على الذهاب بعيدًا في المنافسات؟ ولا يتوقف الأمر عند الجانب الرياضي فقط، بل يمتد إلى البعد التسويقي، إذ إن المشاركة المنتظمة في البطولات الدولية ترفع قيمة اللاعب التجارية وتزيد من فرص انتقاله إلى أندية أكبر.
في المقابل، يظل القرار محفوفًا بالمخاطر، لأن اختيار منتخب أقل تنافسية قد يعني الغياب عن المحافل الكبرى، بينما اختيار منتخب قوي قد يؤدي إلى التهميش، خاصة في ظل عمق التشكيلات الأوروبية.
كما لم يعد القرار فرديًا بالكامل، بل أصبح نتيجة مشاورات مع وكلاء الأعمال والعائلة وأحيانًا حتى اتحادات كروية تسعى لاستقطاب اللاعبين مبكرًا. وتشير تقارير مرصد كرة القدم إلى أن توقيت الحسم يلعب دورًا حاسمًا أيضًا؛ فالشباب يميلون للانتظار أملاً في فرصة مع المنتخبات الكبرى، بينما يتجه اللاعبون في منتصف أو نهاية العشرينيات إلى خيارات أكثر واقعية تضمن لهم الحضور الدولي.
في المحصلة، تغيّر السؤال الذي يحكم القرار جذريًا؛ فلم يعد اللاعب يسأل "أي بلد أمثل؟"، بل "أي خيار يخدم مسيرتي بشكل أفضل؟. وبين حسابات الفرص والمخاطر، تحوّل تمثيل المنتخبات إلى قرار استراتيجي، يعكس انتقال كرة القدم الحديثة من منطق الهوية إلى منطق إدارة المسار المهني.
حسب معطيات مرصد كرة القدم، فإن مسار اللاعب الدولي يرتبط بشكل مباشر بعدد الدقائق التي يخوضها، حيث تُظهر الدراسات أن اللاعبين الذين يحصلون على وقت لعب منتظم مع منتخباتهم ترتفع قيمتهم السوقية بنسبة قد تتجاوز 20% خلال فترة قصيرة، مقارنة بمن يظلون على دكة البدلاء، وهو ما يفسر تفضيل كثير من مزدوجي الجنسية لمنتخبات تضمن لهم دورًا أساسيًا، في هذا الإطار، يتحول وقت اللعب إلى رأس مال حقيقي.
اللاعب الذي يشارك بانتظام يكتسب خبرة دولية أسرع، ويزيد من حضوره في أعين الكشافين، بينما يُعد الغياب المتكرر عن المباريات الدولية مؤشرًا سلبيًا لدى الأندية.
هذا ما تؤكده أيضًا تقارير الانتقالات التي تعتمد على بيانات فيفا، حيث تُظهر أن اللاعبين الدوليين النشطين هم الأكثر طلبًا في السوق، خصوصًا خلال فترات ما بعد البطولات الكبرى.
أما على مستوى المشاركة في البطولات، فتُعد كأس العالم العامل الأكثر تأثيرًا. فوفق أرقام (فيفا)، تابع نهائيات مونديال عام 2022 في قطر أكثر من 5 مليارات مشاهدين حول العالم، ما يجعلها أكبر منصة كروية للترويج الفردي.
فلاعب واحد يقدم أداءً مميزًا في هذه البطولة يمكن أن يضاعف قيمته السوقية خلال أسابيع، كما حدث مع عدة أسماء انتقلت إلى أندية كبرى مباشرة بعد المونديال.
في المقابل، تمنح بطولات مثل كأس أفريقيا للأمم حضورًا منتظمًا، حيث تُقام كل عامين وتوفر للاعبين فرصة تراكم المباريات الدولية، وهو ما تفتقده بعض المنتخبات الأوروبية التي تعج بالنجوم.
هذا التوازن بين الظهور العالمي والاستمرارية في اللعب يدفع كثيرًا من اللاعبين إلى اختيار منتخبات بلدانهم الأصلية، خاصة في شمال إفريقيا. فالمنافسة داخل منتخبات مثل فرنسا أو بلجيكا تجعل فرصة اللعب محدودة، بينما تفتح منتخبات الجزائر أو المغرب أو تونس المجال لأدوار محورية ومشاركات متكررة في البطولات القارية والعالمية.
ولا يقل البعد التسويقي أهمية عن الجانب الرياضي. فحسب دراسات مرصد كرة القدم، يرتبط عدد المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل وثيق بالمشاركة الدولية، حيث يسجل اللاعبون قفزات كبيرة في عدد المتابعين خلال البطولات الكبرى. هذا الارتفاع ينعكس مباشرة على قيمة العقود الإعلانية، إذ تفضل العلامات التجارية اللاعبين الذين يتمتعون بحضور دولي مستمر.
كما أن الظهور في مباريات دولية، خاصة في كأس العالم، يضع اللاعب تحت مجهر أندية أكبر، ما يرفع من احتمالات انتقاله إلى دوريات أقوى. في المحصلة، لم يعد اللاعب ينظر إلى المنتخب كرمز فقط، بل كمنصة استثمارية متكاملة: دقائق لعب تعني تطورًا وقيمة سوقية، بطولات كبرى تعني شهرة وانتشارًا، وحضور إعلامي يعني عوائد مالية وفرص انتقال أفضل.
اللافت في المرحلة الراهنة لم يعد فقط تغيّر طريقة اتخاذ القرار لدى اللاعبين مزدوجي الجنسية، بل تغيّر أيضًا لغة اللاعب نفسها. لم يعد اللاعب يشعر بالحاجة إلى تغليف اختياره بخطاب عاطفي تقليدي مثل "حلم الطفولة" أو "نداء الوطن"، بل أصبح يوضح حساباته المهنية بشكل مباشر، في تحول يعكس نضجًا جديدًا في العلاقة بين اللاعب والمنتخب.
تصريحات إبراهيم مازا، نجم باير ليفركوزن الألماني، تمثل نموذجًا دالًا على هذا التحول، حيث أشار إلى أن اختياره مرتبط بمستقبله الكروي واعتبارات رياضية بحتة، دون الحاجة لاستخدام اللغة العاطفية المعتادة.
واعترف مازا بأن المنافسة القوية في صفوف منتخب ألمانيا جعلته يختار مواصلة مسيرته الدولية مع منتخب الجزائر، وقال في تصريحات لموقع سكاي سبورتس الألماني: "مع وجود جمال موسيالا وفلوريان فيرتز وغيرهما، كان من الصعب جدًا بالنسبة لي الحصول على وقت لعب كاف. كان هدفي المشاركة في كأس العالم، ومن الناحية الرياضية البحتة كانت حظوظي أكبر مع منتخب الجزائر."
مازا يدرك أن مسيرته قصيرة ومحدودة زمنيًا، وأن أي قرار دولي قد يؤثر على تطوره وفرصه في الأندية الكبرى، لذلك أصبح واضحا وصريحا في التعبير عن أولوياته المهنية.
وبطبيعة الحال، يظل اختيار مازا مهنيا لا يقلل من اعتزازه وحبه للجزائر، التي اعتاد زيارتها مع والده رغم ولادته ونشأته في ألمانيا. كما أن اللاعب أصبح محبوبا من الجماهير، التي أطلقت عليه لقب "مازادونا"، تقديرًا لإمكاناته الفنية ودوره الكبير على أرضية الميدان، كما أثبته في آخر نسخة من كأس أفريقيا 2025 بالمغرب.
في موازاة صعود منطق المشروع الرياضي، برزت في السنوات الأخيرة ظاهرة يمكن وصفها بـ "الانتظار التكتيكي"، حيث يؤجل اللاعب مزدوج الجنسية حسم قراره الدولي ليس بدافع التردد، بل كخيار مدروس يهدف إلى تعظيم المكاسب الممكنة.
اللاعب هنا لا يختار فورًا، بل يراقب ويقارن ويمنح نفسه الوقت الكافي لقراءة المشهد: من يحتاجه أكثر؟ أين فرص اللعب أكبر؟ ومن يضمن له الحضور في البطولات الكبرى؟
حالة هيثم حسن تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التوجه. نشأ اللاعب في بيئة كروية أوروبية، وظل لفترة ضمن دائرة الانتظار، قبل أن يختار في النهاية تمثيل منتخب مصر بشكل رسمي. جاء هذا القرار بعد منافسة طويلة ومحاولات من الاتحاد التونسي لكرة القدم لإقناعه بتمثيل نسور قرطاج، نظرًا لأنه من أب مصري وأم تونسية ويحمل الجنسية الفرنسية أيضًا.
ولد عيسى ديوب مدافع فولهام المنافس في الدوري الإنجليزي الممتاز في فرنسا، ولعب معها في فريق تحت 21 عاما، لكن الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، وافق يوم الخميس على طلبه بتغيير جنسيته الرياضية إلى المغرب، لينضم على الفور إلى التشكيلة الأساسية في المباراة الودية التي انتهت بالتعادل 1-1 مع الإكوادور في مدريد أمس الجمعة.
ورفض ديوب، الذي ينحدر والده من السنغال وأمه من المغرب، عروضا سابقة من البلدين للعب معهما، إذ كان يأمل في تمثيل فرنسا.
وقال ديوب (29 عاما) عدة مرات إنه يريد اللعب مع فرنسا، لكن مع عدم تلقيه أي دعوة من مدربها ديدييه ديشان للانضمام للفريق، فقد انتهز الآن الفرصة للعب مع المغرب في كأس العالم.
وقال ديوب في تصريحات نقلتها وكالة رويترز بعد مباراة أمس "أنا سعيد جدا باللعب في فريق يضم العديد من اللاعبين الجيدين، وأعتقد أنني اتخذت خيارا جيدا".
وأجرى ديوب محادثات مع مدرب المغرب الجديد محمد وهبي، ورئيس الاتحاد المغربي لكرة القدم فوزي لقجع.
وأضاف "شرحوا لي رؤيتهم، واستقبلني مجموعة من اللاعبين المرحين بأذرع مفتوحة، وسط أجواء رائعة في المعسكر".
ويمتلك المغرب سجلا حافلا في استقطاب اللاعبين الذين تربطهم صلات بالبلد، والذي يعتقد أنهم قادرين على تحسين مستوى منتخبه الوطني، لكن هذه هي المرة الأولى الذي يفوز فيها بولاء لاعب في منافسة مع دولة أفريقية أخرى.
بدأت المنتخبات العربية تستفيد بشكل مباشر من ظاهرة اللاعبين مزدوجي الجنسية فتكوينهم الأكاديمي في أوروبا يرفع بشكل ملموس الجودة الفنية والتقنية للتشكيلات الوطنية، سواء على مستوى المهارات الفردية أو الفهم التكتيكي.
هؤلاء اللاعبون يجلبون معهم خبرات الاحتراف في أندية كبرى، الانضباط، وطرق التدريب الحديثة، وهو ما ينعكس على أداء زملائهم المحليين ويعيد تشكيل المعايير داخل المنتخب.
الأمثلة العملية على هذا الأثر أصبحت واضحة في السنوات الأخيرة. فمثلا الجزائر توجت بكأس أفريقيا عام 2019 والمغرب بلغت المربع الذهبي في كأس العالم 2022، بفضل مزيج من لاعبين محليين ونخبة من لاعبي المهجر.
هذه النجاحات تؤكد أن دمج اللاعبين مزدوجي الجنسية لا يضيف مجرد مهارة فردية، بل يرفع مستوى المنتخب بأكمله، سواء من حيث الأداء التكتيكي أو القدرة على مواجهة المنتخبات القوية عالميًا.
كما أن وجود لاعبين متعددي الخلفيات يعزز تنوع الخيارات التكتيكية أمام المدربين. فالإمكانات التي يقدمها لاعب من مدرسة تكتيكية أوروبية تختلف عن تلك التي توفرها الخبرة المحلية، ما يتيح للمدرب تشكيل تشكيلة مرنة وقادرة على التكيف مع أساليب لعب مختلفة، سواء في البطولات القارية أو في المباريات الودية التحضيرية.
هذا التنوع يخلق بيئة تنافسية صحية داخل الفريق، إذ يشعر اللاعبون المحليون أن مكانهم ليس مضمونًا، وأن الأداء المتميز وحده يضمن التواجد، وهو ما يؤدي إلى رفع مستوى التنافس داخل التشكيلة بشكل طبيعي.
إضافة إلى ذلك، يساهم اللاعبون مزدوجو الجنسية في زيادة الحضور الدولي للمنتخب، سواء على مستوى المشاركات في البطولات الكبرى أو في المباريات الودية أمام منتخبات قوية، مما يعزز صورة المنتخب على الصعيد العالمي ويزيد من فرصه في تجاوز الأدوار الأولى في البطولات.
فعندما يمتلك المنتخب لاعبين خبرتهم الاحترافية كبيرة، ترتفع فرصه في المباريات الحاسمة، وهو ما ينعكس مباشرة على النتائج القارية والعالمية كما رأينا مع الجزائر والمغرب.
ومن جهة الاتحادات، لم يعد إقناع اللاعبين يعتمد على الانتماء العاطفي فقط، بل أصبح يرتكز على مقترحات واضحة ومشاريع طموحة، تشمل استقرارًا فنيًا، برنامج إعداد محكم، ومتابعة دقيقة لمسار اللاعب داخل المنتخب.
هذا التوجه الاحترافي يجعل من المنتخبات العربية منافسًا جادًا، ويحوّل قرار اللاعب الدولي إلى علاقة متبادلة المنفعة، حيث اللاعب يحقق مسيرته الدولية، والمنتخب يرفع من جودة ومستوى تشكيلته، ويترجم الطاقات الفردية إلى إنجازات جماعية ملموسة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة