في الليالي الصافية التي تميز صحارى الجزيرة العربية، لم تكن السماء مجرد مشهد جميل يزين الليل، بل كانت كتابا مفتوحا يقرأ منه الناس أخبار الفصول والمطر والرياح واتجاهات السفر.
وقبل اختراع الساعات والتقويمات الحديثة وأجهزة الملاحة، طور العرب نظاما فريدا لفهم السماء، جمع بين الملاحظة الدقيقة والخبرة المتراكمة عبر قرون طويلة.
كانت النجوم بالنسبة إليهم لغة طبيعية لفهم العالم من حولهم. فمن خلالها عرفوا مواقيت الزراعة والأسفار، وتنبؤوا بتغير الفصول، واهتدوا في البر والبحر.
ونشأت من هذه العلاقة الوثيقة بالسماء منظومة معرفية متكاملة ما زالت آثارها حاضرة في الثقافة العربية حتى اليوم.
وبرع العرب في هذا الفن براعة عظيمة اقتضتها طبيعة الصحراء التي يعيشون فيها. يقول ابن قتيبة الدينوري: "فإني رأيت علم العرب بها -أي النجوم- هو العلم الظاهر للعيان، الصادق عند الامتحان، النافع لنازل البر وراكب البحر وابن السبيل. يقول الله جل وعز: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾.
فكم من قوم حاد بهم الليل عن سواء السبيل في لجج البحار وفي المهامه والقفار، حتى أشرفوا على الهلاك، ثم أحياهم الله بنجم أموه أو ريح استنشوها".
اعتمد العرب على ما يُعرف بـ"منازل القمر"، وهي 28 موضعا على مدار البروج، يمر بها القمر خلال دورته الشهرية بين النجوم. وكانوا يراقبون انتقاله ليلة بعد أخرى، فيبدأ هلالا ثم يكبر وهو يتنقل بينها حتى يصير بدرا، ثم يصغر حتى يعود عرجونا قديما ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾.
وقد ارتبطت كل منزلة بخصائص مناخية معيَّنة اكتسبها الناس من الملاحظة الطويلة. فظهور بعض المنازل كان يبشر بقدوم الحر، وأخرى تشير إلى اعتدال الطقس أو بداية موسم الأمطار. ومع مرور الزمن أصبحت هذه المعارف جزءا من علم الأنواء، الذي ربط بين مواقع النجوم والتغيرات الجوية الموسمية.
ورغم أن العرب لم يكونوا يتنبؤون بالطقس بالمعنى العلمي الحديث، فإن خبرتهم الممتدة عبر أجيال مكنتهم من رصد أنماط متكررة في الطبيعة، فكانت النجوم بالنسبة إليهم أشبه بسجل سنوي يساعدهم على تنظيم حياتهم الزراعية والاقتصادية.
وعن أهمية تلك المنازل في حياتهم، يصف ابن قتيبة الدينوري هذه الأهمية حين رافق أحدهم في صحراء فأخذ يسأله عن أخبية بعض العرب ومحالّهم، فقال:
"فرأيت النجوم تقودهم إلى موضع حاجاتهم كما تقود مهايع الطرق سالك العمارات. ولحاجتهم إلى الانتقال عن محاضرهم إلى المياه، وعلمهم أن لا نقلة إلا لوقت صحيح يوقن فيه بالغيث والكلأ، عنوا بمطالعها ومساقطها (أي مواعيد منازلها)".
نظرت العرب إلى السماء ونسجت حول نجومها قصصا وحكايات كثيرة، كحكاية سهيل والثريا، والدبران والقلائص، وسهيل والجوزاء، والعوائذ والنسر الواقع، والردف والفوارس وقفزات الظباء، وغيرها.
وأطلقت الأسماء على منازل القمر كالشرطين والبطين وسعد السعود وسعد الأخبية والعواء والبلدة وغيرها. كما رأت أشكالا في السماء شبهتها بأشياء من بيئتها كالخباء والعقرب والدلو والسمكة والنعامات وغيرها.
لكنها أيضا قرنت بين أزواج من النجوم اللامعة التي تظهر في آن واحد كـ"الشعريان" والسماكان والهراران والنسران والضفدعان، وغيرها.
وهكذا امتلأت سماء العرب بأسماء كثيرة، جمعها عبد الرحمن الصوفي في كتابه "صور الكواكب الثمانية والأربعين" لتنتقل بعده إلى أوروبا بسبب الترجمات، ثم لا يجد الأوروبيون بديلا عنها وصفا لمواضعها في الصور الإغريقية التي اعتمدوها كأشكال عالمية للسماء.
وهكذا، يصبح النجم في الصورة الذي على الركبة: "ركبة" (Ruchbah)، والذي على الصدر: "صدر" (Sadr)، والذي على الأنف: "أنف" (Enif)، والذي على الرِّجل: "رجل" (Rigel)، فتكثر أسماؤنا العربية في خريطة النجوم العالمية إلى نحو 300 نجم، علمها من علمها وجهلها من جهلها.
ومن بين أكثر الظواهر التي لفتت انتباه العرب ذلك الشريط الأبيض الممتد عبر السماء، الذي نعرفه اليوم باسم مجرة درب التبانة. وقد أطلق عليه العرب أسماء متعددة، منها "المجرة" و"درب التبانة" و"أم النجوم" لاجتماع النجوم فيه.
لم يكن العرب يعرفون بالطبع أن هذا الشريط يتكون من مئات المليارات من النجوم كما نعلم اليوم، لكنهم أدركوا أن فيه أعدادا كبيرة جدا من النجوم طمس بعضها بعضا، وهي ظاهرة سماوية مميزة تستحق الوصف والتأمل.
وقد شبهه بعضهم بطريق أبيض يمتد بين أطراف السماء، بينما ربطته المخيلة الشعبية بحكايات وأساطير متعددة.
ومع تطور علم الفلك الإسلامي، بدأ العلماء يتعاملون مع هذه الظاهرة بوصفها تجمعا هائلا من الأضواء النجمية البعيدة، وهي فكرة اقتربت بصورة لافتة من الفهم العلمي الذي سيتأكد لاحقا بعد اختراع التلسكوبات الحديثة.
ومن أجمل قصص العرب مع نهر المجرة قصة النعامات التي وردت نهر المجرة فسُميت النعام الواردة، وتلك التي صدرت عنه بعد أن شربت فسُميت النعام الصادرة، وهي 8 نجوم تشكل جزءا من برج القوس أو شكل إبريق الشاي في الفلك الحديث، ومعا سمتها العرب منزلة النعائم.
مثلث الصيف وفيه الفوارس يتسابقون في نهر المجرة والردف يتبعهم (ستيلاريوم)وكذا قصة الفوارس الذين رأت العرب ستة منهم يسابقون في نهر المجرة وسابعا يردفهم فسمته "الردف"، وهو النجم ذاته المعروف اليوم بـ"ذنب الدجاجة" (Deneb).
إذا كانت منازل القمر تمثل التقويم، فإن بعض النجوم تحولت إلى علامات بارزة في الذاكرة العربية. وكان من أشهرها نجم سهيل، الذي ارتبط ظهوره بانكسار حرارة الصيف واقتراب اعتدال الطقس.
ولذلك ظل الناس يترقبون طلوعه عاما بعد عام، حتى أصبح جزءا من الأمثال الشعبية والتراث المناخي.
سهيل اليماني معشوق أبي العلاء المعري، يتلألأ محمرا بسبب انخفاضه في الغلاف الجوي (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)ففيه يقول أبو العلاء المعري:
وسهيل كوجنة الحِبّ في اللون.. وقلب المحب في الخفقان
يسرع اللمح في اضطراب كما.. تسرع في اللمح مقلة الغضبان
ضرجته دمى سيوف الأعادي.. فبكت رحمة له الشِّعريان
وهذا -في رأي أبي العلاء- سبب لونه الأحمر الذي يتألق به. ومن المعلوم أن سهيلا هو ثاني ألمع نجوم السماء بعد (أخته) الشعرى اليمانية، النجم الوحيد الذي جاء ذكره في الكتاب العزيز ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾.
وفي الجهة الأخرى برزت الجوزاء (Orion)، وهي مجموعة نجمية لافتة للنظر يمكن التعرف عليها بسهولة. وقد ورد ذكرها كثيرا في الأدب العربي، ويعود سبب تسميتها إلى توسطها السماء. فهي تلك المرأة الشجاعة التي تصوب قوسها نحو الأسد.
رسم تمثيلي لقصة الجوزاء وسهيل وأختيه الشعرى اليمانية والشعرى الشامية، وقصة سهيل حين تزوج الثريا (ستيلاريوم)وكان سهيل متزوجا بالجوزاء فنزل عليها يوما فضربها وكسر فقارها، ثم فر هاربا إلى الجنوب خوف الثأر، فلحقت به أختاه الشعريان؛ اليمانية والشامية، فعبرت اليمانية نهر المجرة فسُميت "العبور"، وعجزت الشامية عن العبور فجلست على ضفة النهر تبكي حتى غمصت عيناها فسُميت "الغميصاء"، فهي أخفت من أختها.
أما الثريا، وهي عنقود نجمي لامع يسهل تمييزه في السماء، فقد احتلت مكانة خاصة في الشعر العربي والأمثال، وصارت رمزا للعلو والرفعة والجمال. وكان ظهورها واختفاؤها مرتبطين لدى العرب بمواسم معروفة من السنة، وقد أطلقت عليها العرب اسم النجم.
صورة لنجم الدبران وكأنه يلحق بالثريا ومعه قلائصه مهرا لها (ستار فاكتس)أما النجم الأحمر التابع لها في الشروق (في برج الثور)، فقد نادوا به بـ"الدبران" (Aldebaran)، لأنه يدبرها في شروقها وفي غروبها، وبـ"حادي النجم" لأنه يحدو له، وبـ"التابع" أو "التويبع" لأنه يلحق بها. وهو يسوق قلائصه (الأغنام وصغار النوق) مهرا لها، لكنها تهرب منه دوما. يقول الشريف الرضي:
نجوت من الغماء وهي وشيكة.. نجاة الثريا من قبضة الدبران
تكشف هذه القصص أن العرب لم ينظروا إلى السماء بوصفها عالما منفصلا عن حياتهم اليومية، بل رأوا فيها تقويما ومصدر معرفة ودليلا للملاحة والزراعة والسفر.
ومن مراقبة منازل القمر، إلى تأمل درب التبانة، إلى متابعة نجوم مثل سهيل والثريا والجوزاء، نشأت ثقافة فلكية واسعة سبقت عصر التلسكوبات بقرون طويلة.
جزء من خريطة السماء الحديثة تظهر فيها عشرات الأسماء العربية مكتوبة بحروف لاتينية (ذا سكاي 5)واليوم، ورغم تراجع الحضور العربي عن دوره الريادي الذي أسهم في تشكيل علم الفلك وتطوير أدواته ومفاهيمه، فإن السماء لا تزال تحمل شاهدا حيا على ذلك الإرث الحضاري. فمئات النجوم ما زالت تحتفظ بأسماء عربية، انتقلت عبر كتب الفلك الإسلامي إلى الخرائط والكتالوجات الفلكية الحديثة، وإن كُتبت اليوم بحروف لاتينية، وتغيّر نطق بعضها أو تبدلت حروفه عبر اللغات.
وهكذا، كلما نطق علماء الفلك اسما مثل الدبران (Aldebaran) أو يد الجوزاء (Betelgeuse) أو رجل الجبار (Rigel)، فإنهم -من حيث لا يشعرون- يستحضرون أثرا من حضارة عربية جعلت من السماء جزءا من لغتها وذاكرتها ومعرفتها، وتركت بصمتها ممتدة إلى اليوم على خريطة النجوم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة