في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
خلال مهمة بحثية إلى جزيرة دمسك في أرخبيل فرسان (مجموعة من الجزر السعودية تقع في البحر الأحمر قبالة الساحل الجنوبي الغربي للمملكة العربية السعودية)، كان فريق بحثي من جامعتي أم القرى والملك خالد بالسعودية على موعد مع مفاجأة بحثية تمثلت في العثور لأول مرة على نبات "النيلة قلبية الأوراق"، وهو الاكتشاف الذي تم توثيقه في دراسة نشرت بدورية "جورنال أوف آسيا باسيفيك بايودايفرسيتي" (Journal of Asia-Pacific Biodiversity).
و"النيلة قلبية الأوراق"، نبات عشبي حولي صغير ينتمي إلى جنس النيلة من الفصيلة البقولية، وهي نفس العائلة التي تضم العديد من الأنواع المعروفة بإنتاج صبغة زرقاء طبيعية، ويتميز بأنه منخفض النمو، إذ ينتشر قريبا من سطح الأرض، وأوراقه صغيرة ومستديرة وتشبه القلب، ومن هنا جاء اسم "قلبية الأوراق".
ويشكل هذا النبات في بعض المناطق الجافة جزءا من الغطاء النباتي الذي ترعاه الحيوانات، خاصة بعد مواسم الأمطار، وباعتباره من النباتات البقولية، فإنه يساعد على تثبيت النيتروجين في التربة عبر البكتيريا الموجودة في جذوره، وتحسين خصوبة الأراضي الفقيرة نسبيا.
وتشير السجلات العلمية المتاحة إلى أن وجود هذا النبات في شبه الجزيرة العربية، كان مقتصرا على سلطنة عُمان فقط، وهو ما يثير العديد من التساؤلات أبرزها ما يتعلق بما إذا كان الاكتشاف الحالي للنبات في جزيرة دمسك بالسعودية، هو بمثابة ظهور حديث للنبات، أم أنه يوجد هناك منذ زمن طويل ولم يلاحظه أحد.
تقول الدكتورة سماح الحربي من قسم الأحياء بكلية العلوم التطبيقية بجامعة أم القرى، والباحثة الرئيسية بالدراسة في تصريحات للجزيرة نت: "أرجح أن النبات ربما كان موجودا بالفعل لكنه لم يُكتشف سابقا، والسبب أنه نبات صغير جدا وحولي ويكون ظهوره مقتصرا على فترة قصيرة جدا".
وينمو النبات لفترة قصيرة بعد سقوط الأمطار ثم يجف ويموت سريعا، وعندما عثر عليه الباحثون كانت معظم النباتات قد وصلت إلى نهاية دورة حياتها وأصبحت جافة، لذلك لا تستبعد سماح أن تكون هذه الدورة القصيرة سببا في إخفاق المسوحات النباتية السابقة في العثور عليه، هذا فضلا عن أن عدد النباتات في جزيرة دمسك كان قليلا جدا، ووجودها في جزيرة نائية يزيد احتمال أن تكون قد فاتت على المسوحات.
ورغم ترجيح الباحثة لهذا السيناريو، فإنها لا تستبعد احتمال أن يكون النبات قد وصل إلى الجزيرة حديثا من عُمان أو اليمن أو أفريقيا، عبر وسائل الانتشار الطبيعية، مثل الرياح أو الطيور أو نقل البذور بطرق أخرى.
وتقول: "تقنية البصمة الوراثية المستخدمة في الدراسة استطاعت فقط تأكيد هوية النبات، ولم تستطع تحديد متى وصل أو من أين جاء، وتحتاج الإجابة عن هذه الأسئلة إلى دراسة أوسع تقارن تلك البصمة، مع الحمض النووي للنباتات الموجودة في هذه المناطق المختلفة لمعرفة درجة القرابة بينها".
ورغم أن الاكتشاف لا يحدد كيف ومتى وصل النبات إلى الجزيرة، فإنه يعزز الأدلة على أن أرخبيل فرسان ينتمي إلى إقليم حيوي يربط نباتيا بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا.
وتقول إن "اكتشاف النبات في جزيرة دمسك يشير إلى أن أرخبيل فرسان ليس معزولا نباتيا كما قد يبدو، بل يمثل نقطة التقاء بين نباتات جنوب غرب آسيا وشرق وشمال شرق أفريقيا، حيث يبدو أرخبيل فرسان كجسر طبيعي، يقع في منتصف الطريق بين القارتين، فبعض النباتات الموجودة فيها نجد أقارب لها في عُمان أو اليمن، بينما توجد أنواع أخرى في أفريقيا، لذلك فإن العثور على النيلة قلبية الأوراق في فرسان يعزز فكرة أن المنطقة تنتمي إلى ما يسميه العلماء (الإقليم الأفرو-عربي)، وهو نطاق جغرافي تشترك مناطقه في عدد من النباتات والحيوانات رغم تباعدها".
ولا تنكر سماح مخاوفها من اختفاء هذا النبات، موضحة أن المشكلة الرئيسية تكمن في أنه معروف حاليا من موقع واحد فقط داخل السعودية، وأن أعداده التي تم رصدها يقل عن 50 نباتا.
وتقول إنه "عندما يكون العدد قليلا إلى هذا الحد، فإن أي حدث بسيط قد يؤدي إلى تراجعها بشكل كبير أو حتى انقراضها محليا".
والمخاطر المحتملة على النبات هي فترات الجفاف الطويلة، وتذبذب هطول الأمطار، والرعي الجائر، ودهس النباتات بالأقدام أو المركبات، وكذلك حركة السيارات خارج الطرق المخصصة، والتوسع السياحي والعمراني، فضلا عن انتشار النباتات الدخيلة المنافسة.
وتلفت الباحثة إلى أن هذه المخاطر تظل "محتملة وليست مؤكدة "، مشيرة إلى الحاجة لدراسات ميدانية إضافية لتحديد التهديدات الفعلية.
وتوضح أن تصنيف النبات "مهددا بالانقراض" داخل السعودية لا يعني بالضرورة أنه مهدد عالميا، بل يعكس ندرة وجوده داخل حدود المملكة فقط.
ولا ترى الباحثة أن الخطوة التالية بعد هذا الاكتشاف هي البحث عن مناطق جديدة يوجد فيها النبات، قائلة إن "الأولى ليس البحث في مناطق جديدة، بل العودة إلى جزيرة دمسك نفسها بعد موسم الأمطار لمعرفة ما إذا كانت المجموعة النباتية لا تزال موجودة وما إذا كانت تنتج أجيالًا جديدة، وبعد ذلك يمكن توسيع البحث إلى جزر أرخبيل فرسان الأخرى التي تمتلك بيئات مشابهة، خاصة مثل فرسان الكبرى، وجزيرة ساجد، وجزيرة قمة، وجزيرة دوشك، والجزر الصغيرة القريبة من دمسك".
كما ينبغي استكشاف السهل الساحلي للبحر الأحمر في منطقة جازان ومنطقة تهامة، لأن هذه المناطق توفر ظروفا بيئية قد تناسب النبات، وقد يساعد إجراء مسوحات ميدانية على نطاق أوسع في اليمن وإريتريا والسودان على رسم خريطة أكثر وضوحا لانتشار هذا النوع في الإقليم الأفرو-عربي.
وتؤكد سماح أن نجاح البحث عن النبات يعتمد على اختيار الموسم المناسب بعد الأمطار، أكثر من اعتماده على اسم الجزيرة أو الموقع الجغرافي، لأن النباتات الحولية الصغيرة غالبا ما تظهر لفترة قصيرة فقط.
وعن الدور الذي يمكن أن تلعبه البصمة الوراثية في حماية "النيلة قلبية الأوراق" وغيرها من النباتات النادرة بالسعودية، تقول سماح إن "هذه التقنية تعتمد على استخدام جزء صغير من الحمض النووي كأنه بطاقة هوية جينية للنبات، وتصبح هذه التقنية مهمة جدا عندما يكون النبات غير مزهر، جافا أو متضررا، وناقص الأجزاء التي يعتمد عليها علماء النبات في التعرف التقليدي".
وتضيف: "على سبيل المثال، قد يجد الباحث نباتا صغيرا بلا أزهار، ويصعب تحديد نوعه بالعين المجردة، وهنا يمكن تحليل جزء من حمضه النووي ومقارنته بقاعدة بيانات معروفة للتأكد من هويته".
كما تساعد التقنية في مراجعة العينات القديمة المحفوظة في المعشبات النباتية، واكتشاف أخطاء التصنيف السابقة، والتمييز بين الأنواع المتشابهة جدا، فضلا عن التحقق من هوية البذور المحفوظة في بنوك البذور، ودعم مشاريع استعادة الموائل الطبيعية.
وتقترح الباحثة إنشاء مكتبة وطنية للبصمات الوراثية للنباتات السعودية، بحيث ترتبط كل بصمة بعينة نباتية موثقة وصورة وموقع جغرافي ومعلومات بيئية، مشيرة إلى أن مثل هذه القاعدة ستسهل اكتشاف الأنواع النادرة ومراقبة الأنواع الدخيلة الغازية.
لكن الباحثة تؤكد في الوقت ذاته على أن "البصمة الوراثية ليست حلا سحريا لكل شيء"، وتقول: "هي إن كانت مفيدة في التعرف على هوية النبات، فإنها لا تكشف عادة مقدار التنوع الوراثي داخل المجموعة الواحدة".
وتضيف: "لذلك إذا أراد العلماء معرفة ما إذا كانت مجموعة نباتية صغيرة تعاني من العزلة الوراثية أو التزاوج الداخلي أو الانفصال عن المجموعات الأخرى، فسيحتاجون إلى دراسات جينية أكثر تفصيلا".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة