في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بدأ مرصد فيرا سي روبين في تشيلي مسحا فلكيا يمتد لعشر سنوات، يرصد السماء الجنوبية بصورة متكررة، بهدف اكتشاف ملايين الأجرام الجديدة وفهم المادة والطاقة المظلمتين.
دخل علم الفلك مرحلة جديدة مع بدء مرصد فيرا سي روبين في تشيلي تنفيذ مشروع يُعد الأكثر طموحا في تاريخ رصد السماء، إذ انطلقت في 30 يونيو/حزيران 2026 عمليات المسح العلمي الرسمية التي ستستمر 10 سنوات متواصلة، لتكوين أكبر سجل زمني لتغيرات الكون عرفه الإنسان.
ويحمل المرصد اسم عالمة الفلك الأمريكية فيرا سي روبين، التي أسهمت أبحاثها في سبعينيات القرن الماضي في تقديم أقوى الأدلة الرصدية على وجود المادة المظلمة من خلال دراسة منحنيات دوران المجرات، لتصبح رمزا لأحد أعظم ألغاز الفيزياء الحديثة.
ويهدف المشروع إلى تصوير السماء الجنوبية بالكامل مرة كل عدة ليال، مما يسمح للعلماء بمتابعة التغيرات التي تطرأ على الكون بصورة غير مسبوقة، ورصد كل ما يظهر أو يختفي أو يتحرك في الفضاء، من الكويكبات إلى الانفجارات النجمية العنيفة.
يعتمد المرصد على مرآة رئيسية يبلغ قطرها 8.4 أمتار، إضافة إلى أكبر كاميرا رقمية بُنيت لأغراض علمية، بدقة 3200 ميغابكسل، طورها مختبر المسرع الوطني التابع لوزارة الطاقة الأمريكية. وتستطيع الكاميرا التقاط صورة فائقة الدقة كل 40 ثانية تقريبا، بينما يمتلك التلسكوب مجال رؤية يزيد بنحو 100 مرة على كثير من التلسكوبات المماثلة، كما يستطيع مسح السماء بسرعة تفوقها بالمقدار نفسه.
وكان المرصد قد بدأ اختبار أنظمته البصرية قبل نحو عام، قبل أن يعلن رسميا انطلاق مشروع المسح التراثي للفضاء والزمن لمدة 10 سنوات، وهو المشروع الذي سيجمع خلال عقد واحد بيانات يحتاج أي مرصد آخر إلى أكثر من ألف عام للحصول عليها.
يركز المشروع على دراسة الظواهر المتغيرة في السماء، مثل ظهور النجوم المفاجئ، واختفاء بعض الأجرام، وحركة الكويكبات داخل النظام الشمسي، إضافة إلى تتبع تمدد الكون المتسارع.
وقال جيلكو إيفيزيتش، رئيس المشروع في مرصد فيرا سي روبين، معبرا عن مشاعره بعد انطلاق الرصد العلمي: "إنه شعور مذهل، فقد عملت على هذا المشروع لأكثر من عقدين، وكان الأمر يشبه انتظار ولادة طفل، حتى أصبح حقيقة".
وأضاف إيفيزيتش أن المشروع قد يتمكن خلال 5 إلى 7 سنوات من حسم أحد أهم الأسئلة في الفيزياء الحديثة، وهو ما إذا كانت الطاقة المظلمة موجودة بالفعل وتدفع الكون إلى التوسع بوتيرة متسارعة، أم أن العلماء بحاجة إلى إعادة النظر في فهم قوانين الجاذبية على المقاييس الكونية. وقال: "إذا نجحنا في الإجابة عن هذا السؤال، فسيكون ذلك أعظم إنجاز علمي لمرصد روبين".
ولا تقتصر أهداف المشروع على دراسة الكون البعيد، بل تشمل أيضا حماية الأرض من الأخطار المحتملة، إذ يتوقع العلماء أن يكتشف المرصد ملايين الكويكبات الجديدة، بما فيها أجسام قد تقترب مستقبلا من الأرض وتحتاج إلى مراقبة دقيقة.
كما سيحدث المرصد نقلة نوعية في دراسة الظواهر الفلكية العابرة، مثل المستعرات العظمى والانفجارات الكونية السريعة التي تظهر فجأة ثم تختفي خلال وقت قصير، وبعضها ينتج عن اندماج الثقوب السوداء أو النجوم النيوترونية، وهي من أعنف الانفجارات المعروفة في الكون.
ويأمل الباحثون أن يؤدي الرصد المستمر إلى اكتشاف أنواع جديدة تماما من هذه الظواهر، الأمر الذي قد يفتح أبوابا واسعة أمام فهم فيزياء الكون بصورة أعمق.
ويمول المشروع كل من المؤسسة الوطنية الأمريكية للعلوم ووزارة الطاقة الأمريكية، ويُعد أحد أكبر المشروعات العلمية الدولية في مجال الفلك الرصدي خلال القرن الـ21.
إن هذا المشروع لا يمثل مجرد تلسكوب جديد، بل يرسخ مفهوم الرصد المستمر للكون، ويؤكد أن كل صورة جديدة قد تحمل اكتشافا يغير فهمنا للطبيعة. فالعلم يتقدم بالمثابرة، والاستثمار في البحث العلمي يفتح آفاقا جديدة أمام الإنسانية لفهم الكون وحماية كوكبها واستكشاف مستقبلها بين النجوم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة