عاد الجدل حول الأجسام الطائرة المجهولة (الصحون الطائرة) إلى الواجهة مجددا بعد أن نشر علماء في أواخر عام 2025 دراسات علمية أعادت تحليل صور فلكية التُقطت قبل أكثر من سبعين عاما، وتحديدا في خمسينيات القرن الماضي.
هذه الصور، التي التقطها مرصد "بالومار" الشهير في كاليفورنيا، كشفت عن ومضات ضوئية غامضة لم يكن لها تفسير واضح حتى اليوم. ومع ظهور هذه النتائج الجديدة، عاد سؤال قديم ليطرح نفسه بقوة: هل ما رآه البشر لعقود في السماء مجرد سوء فهم علمي، أم أن هناك فعلا أجساما مجهولة لا نعرف طبيعتها؟
ولأن هذا الخبر نشرته مجلات علمية جادة، فقد أعاد القضية إلى دائرة النقاش الأكاديمي بعد سنوات من الفتور، وهو ما يجعل العودة إلى هذا الملف ليست بدافع الفضول الشعبي، بل نتيجة تطور أدوات التحليل العلمي وقدرتها على إعادة فحص أرشيف قديم بعين جديدة.
حسب الموسوعة البريطانية فالأجسام الطائرة المجهولة لا تعني مركبة فضائية، ولا تحمل أي حكم مسبق على أصل الجسم، بل هي ببساطة أي جسم أو ظاهرة جوية لا يستطيع الراصد تحديد ماهيتها وقت المشاهدة.
هذا التمييز أساسي، لأن الخلط بين "غير معروف" و"غير بشري" كان سببا رئيسيا في تضخيم الظاهرة طيلة عقود، فكثير من الأجسام التي بدت غامضة في لحظة ما، تبيّن لاحقا أنها طائرات أو بالونات أو ظواهر فلكية عادية لم تكن مفهومة في وقتها.
في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن العشرين، نفّذ مرصد "هيل" على جبل "بالومار" في كاليفورنيا أول مسح شامل للسماء الشمالية باستخدام ألواح فوتوغرافية زجاجية، ولم يكن الهدف البحث عن ظواهر غريبة، بل إنشاء خريطة دقيقة للكون المرئي، إلا أن الدراسات الحديثة التي أعادت فحص هذه الصور وجدت آلاف الومضات الضوئية التي ظهرت واختفت في فترات قصيرة جدا.
وصف العلماء هذه الظواهر بأنها "عابرة"، أي أنها لا تدوم طويلا ولا تترك أثرا مستمرا، غير أن ما ميّز بعض هذه الومضات هو حدّتها الشديدة، وظهورها أحيانا في صفوف مستقيمة، وغيابها التام عن الصور التي التقطت قبلها أو بعدها مباشرة، وكذلك عن جميع المسوح الفلكية اللاحقة.
يشير ستيفن برويل -أحد الباحثين المشاركين في هذه الدراسة- إلى أن الفريق استبعد العديد من التفسيرات الطبيعية للومضات، مثل النجوم المتغيرة والشهب وأخطاء الأجهزة، لكنه شدد على أن هذه الظواهر لا تزال غامضة. وقال برويل في مقابلة مع موقع "لايف سينس" إنه لا يوجد تفسير سهل لهذه الأحداث العابرة ولماذا تظهر عند تجارب الأسلحة النووية.
هذه التصريحات تبرز التحديات التي تواجه العلماء عند محاولة فهم ظواهر مرصودة قبل عصر الأقمار الصناعية، وتوضح كيف يمكنهم الجمع بين تحليل الأرشيف الفلكي والبحث العلمي الدقيق لمحاولة تفسير المجهول.
توضح أبحاث حديثة أن بعض النقاط الضوئية المختفية التي ظهرت في صور مرصد "بالومار" في أوائل الخمسينيات قد لا تكون نجوما حقيقية، بل عيوبا تقنية في ألواح التصوير الزجاجية الحساسة للضوء، مثل فقاعات أو ثقوب صغيرة في المستحلب.
وقد تبين أن جزءا من هذه الظواهر يعود إلى تلوث إشعاعي من اختبارات الأسلحة النووية في الولايات المتحدة، والذي أثر على الأفلام والمواد المستخدمة في التصوير.
واكتشف هذا الأمر الخبير لدى شركة "كوداك" للتصوير، الدكتور جوليان ويب، الذي تتبع سبب البقع الداكنة على الأفلام ووجد أنها مرتبطة بنظير "السيريوم 141" الناتج عن الانفجارات النووية.
يرى بعض الباحثين المشاركين في هذه الدراسات أن هذه الخصائص تجعل التفسيرات التقليدية غير كافية في جميع الحالات. فقد صرّح ستيفن برويل، أحد مؤلفي البحث، بأن الفريق استبعد عددا كبيرا من الأسباب الطبيعية المعروفة، مثل النجوم المتغيرة أو الشهب أو أخطاء الأجهزة.
لكن برويل شدد في الوقت نفسه على أن الحديث ليس عن إثبات وجود كائنات فضائية، بل عن وجود ظاهرة غير مفهومة بعد، ويؤكد أن أي استنتاج يجب أن يبقى ضمن الإطار العلمي، لا أن يتحول إلى قفزة خيالية.
في المقابل عبّر عدد من علماء الفلك عن تحفظهم الشديد، وحسب رأيهم فإن الاعتماد على بيانات قديمة يحمل مخاطر كبيرة، فالألواح الفوتوغرافية التي استخدمت في منتصف القرن العشرين كانت عرضة للخدوش والغبار والتلف، كما أن عمليات النسخ والرقمنة قد تضيف تشوهات بصرية يصعب تمييزها عن الظواهر الحقيقية.
ويشير مختصون إلى أن تاريخ علم الفلك مليء بأمثلة لاصطفافات أو أشكال بدت في البداية غامضة، ثم تبيّن لاحقا أنها مصادفات بصرية أو عيوب تقنية، ولذلك فإن الشك لا يقل أهمية عن الاكتشاف في مثل هذه القضايا.
لفهم انتشار تقارير الأجسام الطائرة المجهولة، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي، فمع نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، شهد العالم طفرة في تطوير الطائرات والصواريخ، وكثير من هذه المشاريع كان سريا، وهو ما جعل ظهور أجسام غير مألوفة في السماء أمرا مقلقا ومثيرا في آن واحد.
في هذا السياق، بدأت الولايات المتحدة تحقيقات رسمية واسعة، أبرزها "مشروع الكتاب الأزرق"، الذي درس أكثر من 12 ألف بلاغ، وكانت النتيجة النهائية أن الغالبية الساحقة من الحالات لها تفسيرات طبيعية أو بشرية، خصوصا الطائرات العسكرية السرية التي لم يكشف عنها إلا بعد سنوات.
وتقدم الوثائق البريطانية مثالا عمليا على نهاية الاهتمام المؤسسي بهذه الظاهرة، فبعد أكثر من خمسين عاما من تلقي البلاغات، قررت وزارة الدفاع البريطانية عام 2009 إغلاق مكتبها المختص بالأجسام الطائرة المجهولة.
السبب، كما توضح الوثائق التي كشف عنها لاحقا، لم يكن إنكار الظاهرة، بل غياب أي فائدة دفاعية، فخلال نصف قرن، لم يسجَّل أي بلاغ يشير إلى تهديد عسكري أو وجود غير بشري، في حين كانت الموارد تستهلك في متابعة تقارير غالبا ما ثبت عدم دقتها.
يلفت علماء النفس والبصريات الانتباه إلى أن الإنسان ليس شاهدا محايدا، فالسماء المفتوحة تفتقر إلى نقاط مرجعية، مما يجعل تقدير الحجم والسرعة والمسافة أمرا شديد الصعوبة، كما أن الانعكاسات والعدسات والأضواء الساطعة قد تولد أشكالا توحي بالحركة الذكية.
أما قصص "الاختطاف من قبل كائنات فضائية"، فيشير معظم المختصين، ومن بينهم العالم البريطاني كريس فرينش، إلى أن هذه التجارب غالبا ما تنشأ من عمليات إدراكية ونفسية لدى الشخص، وليست نتيجة دلائل فيزيائية حقيقية.
ففي حالات مثل شلل النوم، يعيش الفرد تجربة واقعية ومخيفة، تشمل إحساسا بوجود كائنات أو حركات حوله، رغم عدم وجود أي سبب خارجي لذلك، وهذه الظواهر توضح كيف يمكن للإدراك البشري أن يفسّر المثيرات الغامضة بطريقة تولّد قصصا عن اختطافات فضائية.
بعد مراجعة المعطيات العلمية والتاريخية والرسمية، يمكن الوصول إلى نتيجة متزنة، وهي أنه فعلا توجد في السماء أشياء لا نستطيع التعرف عليها فورا، وتوجد ظواهر لم تفسَّر في لحظتها، لكن هذا لا يعني أن هذه الأجسام ذات أصل غير بشري.
وحتى الآن لا يوجد دليل علمي مادي متكرر وقابل للتحقق يثبت أن الأرض زارتها مركبات فضائية لكائنات ذكية، بل كل ما لدينا هو مشاهدات وصور وبيانات ناقصة وتفسيرات متعددة.
وبالعودة للحديث عن الأجسام الطائرة المجهولة بسبب صور جديدة، فلا يعني أننا اقتربنا من إثبات وجود كائنات فضائية، لكنها تذكّرنا بأن العلم عملية مستمرة، تعيد فحص الماضي بأدوات الحاضر.
وإلى يظهر دليل واضح لا يقبل التأويل تبقى الأجسام الطائرة المجهولة وصفا لحالة جهل مؤقت، لا إثباتا لواقع خارق، فالعلم لا ينفي لكنه لا يجزم دون برهان، وحتى الآن لم يظهر البرهان.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة