البقع الشمسية من أقدم الظواهر الفلكية التي لفتت انتباه الإنسان، وهي مناطق داكنة نسبيا على سطح الشمس ناتجة عن اضطراب قوي في خطوط المجال المغناطيسي، مما يؤدي إلى انخفاض حرارتها مقارنة ببقية السطح.
فبينما تبلغ حرارة سطح الشمس نحو 6000 درجة مئوية، تنخفض في البقع الشمسية إلى قرابة 3500 درجة، فتبدو داكنة للراصدين. وهذه البقع ليست مجرد ظاهرة بصرية، بل إنها تمثل المؤشر الأوضح على مستوى النشاط الشمسي وتأثيره المحتمل خارج الشمس.
تظهر البقع الشمسية وتختفي ضمن ما يُعرف بـ"دورة النشاط الشمسي"، وهي دورة مغناطيسية تستغرق في المتوسط نحو 11 عاما، ينقلب أثناءها المجال المغناطيسي للشمس انقلابا كاملا، بحيث يتبادل القطب الشمالي والجنوبي موقعيهما.
ويقود هذا الانقلاب إلى تغيرات كبيرة في سلوك الشمس، من حيث عدد البقع الشمسية وشدة التوهجات الشمسية والانبعاثات الكتلية الإكليلية التي قد تمتد آثارها إلى الأرض.
وقد لاحظ العلماء منذ القرن التاسع عشر أن النشاط الشمسي لا يسير بوتيرة ثابتة، بل يمر بفترات نشاط مرتفع وأخرى هادئة.
ومن أشهر الفترات الهادئة في تاريخ الشمس ما يُعرف بـ"هدوء ماوندر"، الذي امتد تقريبا بين عامي 1645 و1715، وحينها اختفت البقع الشمسية تقريبا سبعين عاما، وتزامنت تلك الفترة مع انخفاض ملحوظ في درجات الحرارة العالمية، فيما عُرف لاحقا بـ"العصر الجليدي المصغر"، مما عزز فكرة وجود علاقة طويلة الأمد بين النشاط الشمسي والمناخ الأرضي.
على المدى القصير لا يؤدي ازدياد البقع الشمسية بالضرورة إلى تغير مناخي مباشر، لكنه قد يسبب اضطرابات في الغلاف المغناطيسي للأرض، ويؤثر في الاتصالات والملاحة والأقمار الصناعية.
أما على المدى البعيد، وعلى امتداد دورات شمسية متتالية، فإن التغير المستمر في نشاط الشمس قد يترك بصمة واضحة على مناخ الأرض، كما تشير السجلات الجيولوجية والتاريخية.
أما عن الدورة الشمسية الحالية، وهي الدورة رقم 25 بحسب التصنيف المعتمد منذ منتصف القرن الثامن عشر (1755)، فقد بدأت رسميا في ديسمبر 2019، بعد انتهاء الدورة 24 ووصول الشمس إلى الحد الأدنى الشمسي.
في تلك الفترة كانت البقع الشمسية نادرة، وهو ما دفع العلماء إلى توقع دورة ضعيفة نسبيا مشابهة للدورة السابقة، غير أن هذه التوقعات سرعان ما تغيّرت مع تسارع ظهور البقع الشمسية منذ عام 2022، وارتفاع النشاط الشمسي بوتيرة فاقت التقديرات الأولية.
وبالاعتماد على القيم المتوسطة لعدد البقع الشمسية، وهي المعيار العلمي المعتمد لتحديد الذروة، تبيّن أن ذروة النشاط الشمسي للدورة 25 وقعت في أكتوبر/تشرين الأول 2024، أي قبل الموعد المتوقع بنحو عشرة أشهر.
وقد استمرت آثار هذه الذروة إلى أواخر عام 2024 وبدايات 2025، قبل أن تبدأ الشمس دخول مرحلة التراجع التدريجي من دورتها.
مع نهاية عام 2025 أصبحت الشمس في مرحلة الانحدار، إلا أن هذا لا يعني انتهاء النشاط الشمسي أو دخوله مرحلة هدوء تام، فالتاريخ الشمسي يُظهر أن فترات ما بعد الذروة غالبا ما تشهد توهجات قوية واضطرابات مغناطيسية ملحوظة، وهو ما لوحظ بالفعل في الأشهر الأخيرة من عام 2025.
أما عام 2026 فيُتوقع أن يظل النشاط الشمسي فيه نشطا نسبيا، رغم الاتجاه العام نحو التراجع. وتشير النماذج العلمية إلى أن متوسط عدد البقع الشمسية سيبقى فوق 100، وهو مستوى مرتفع مقارنة بسنوات الحد الأدنى، كما ستظل احتمالات التوهجات الشمسية والانبعاثات الكتلية قائمة، مع استمرار تأثيراتها المحتملة على الغلاف المغناطيسي للأرض، وعلى الاتصالات اللاسلكية، خاصة في نطاق الموجات القصيرة.
ومن المتوقع أن يستمر هذا الانخفاض التدريجي في النشاط حتى الوصول إلى الحد الأدنى الشمسي القادم قرب عام 2030، لتبدأ بعدها دورة شمسية جديدة. وحتى ذلك الحين، ستبقى الشمس مصدرا لنشاط ديناميكي متغير، يهم العلماء وهواة الفلك والعاملين في مجالات الاتصالات والفضاء على حد سواء.
إن فهم موقعنا الحالي في الدورة الشمسية لا يقتصر على الفضول العلمي، بل يساعد على قراءة ما يحدث حولنا من اضطرابات فضائية وظواهر ضوئية في السماء، وحتى تغيرات طويلة الأمد في مناخ الأرض، فالشمس رغم ثباتها الظاهري في السماء، كائن ديناميكي نابض بالنشاط، وما نرصده اليوم هو فصل جديد في قصة تمتد منذ مليارات السنين.
على مدى عامين متتاليين (2023-2025) رصد طلاب مسابقة أولمبياد قطر المدرسي لعلم الفلك الشمس وعملوا على دراسة أعداد البقع الظاهرة عليها ومقارنة أحجام بعضها بحجم الأرض وحساب مدة دوران الشمس حول نفسها.
وأولمبياد قطر المدرسي لعلم الفلك هو برنامج تشرف عليه وزارة التربية والتعليم وينظمه مكتب التوعية الفلكية بدولة قطر، التابع للاتحاد الفلكي الدولي بالتعاون مع الاتحاد العربي لعلوم الفضاء والفلك ودار التقويم القطري.
وشاركت أكثر من ثمانين مدرسة في رصد سلوك البقع الشمسية حول ذروة نشاطها في الأعوام 2020 وحتى 2025، ووقف الرصد على نتائج مطابقة للنتائج العلمية المتخصصة من حيث عدد البقع والذروة المتوقعة.
وقد استفاد من تجربة رصد الشمس بالتلسكوبات ما يزيد من 40 ألف طالب شاركوا في رصد ومشاهدة البقع الشمسية بالطرق الآمنة للرصد، أو بالاستماع إلى محاضرة تتحدث عن دورة النشاط الشمسي الـ25 وعلاقتها بالبقع الشمسية من خلال الأندية الفلكية المدرسية، التي يشرف عليها معلمو العلوم والفيزياء في تلك المدارس.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة