لطالما شكل الانفجار العظيم النقطة المحورية في علم الكونيات الحديث، حيث يعتقد العلماء أنه اللحظة التي انبثق منها الزمان والمكان وكل ما نعرفه من مادة وطاقة. غير أن السؤال الأكثر إثارة يظل بلا جواب حتى الآن وهو ماذا كان قبل الانفجار العظيم؟
على مدى عقود، اعتمد الفيزيائيون على فرضيات التماثل والتجانس الكوني لتبسيط معادلات آينشتاين في النسبية العامة. هذه الفرضيات تقول إن الكون متساو في جميع الاتجاهات، مما يسهل رياضيًا دراسة تاريخه.
لكن عند الاقتراب من لحظة الانفجار العظيم، تنهار هذه الفرضيات، فالكثافة ودرجة الحرارة تصبحان لا نهائيتين، ويظهر ما يسمى بـ "التفرد الكوني"، حيث تتوقف القوانين المألوفة، من نسبية وميكانيكا كم، عن العمل.
هنا يبرز دور النسبية العددية، والتي تعد، بحسب دراسة جديدة صدرت في دورية "ليفنج ريفيوز إن ريلاتيفيتي" منهجية تعتمد على المحاكاة الحاسوبية بدلًا من الحلول الرياضية المباشرة.
هذا النهج طُوّر منذ ستينيات القرن الماضي لدراسة الأنظمة شديدة التعقيد، وحقق نجاحًا باهرًا في التنبؤ بشكل موجات الجاذبية الناتجة عن تصادم الثقوب السوداء. واليوم، يحاول الباحثون توظيفه لاختراق حجب البدايات الكونية.
المحاكاة الحاسوبية هي استخدام الحاسوب والنماذج الرياضية لتقليد أو إعادة إنتاج ظواهر طبيعية أو عمليات معقدة لا يمكن دراستها مباشرة بالتجربة أو الرصد.
بمعنى آخر، هي مختبر افتراضي يسمح للعلماء بدراسة الكون أو الخلايا أو المناخ أو حتى الاقتصاد، على شاشة الحاسوب، بدلًا من انتظار ملايين السنين أو بناء تجارب مستحيلة.
تعتمد المحاكاة على استخدام الحواسيب الفائقة لمعالجة معادلات آينشتاين للنسبية العامة في بيئات شديدة الجاذبية، كاللحظات الأولى للكون أو التصادمات بين الأكوان.
وبفضل هذه المحاكاة الفائقة، قد نستطيع استكشاف ما حدث في فترة التضخم الكوني، التي يُعتقد أنها وسّعت الكون بشكل هائل في جزء ضئيل من الثانية بعد ولادته، وفرضية الأكوان المتعددة، أي احتمال وجود عوالم أخرى موازية، وسيناريو الكون الدوري، حيث تتوالى الانفجارات والانهيارات عبر أزمنة متعاقبة.
لكن بحسب بيان رسمي صادر من معهد "معهد فاونديشن كويستشنز" المعني بتقديم منح لتحفيز ودعم ونشر الأبحاث حول الأسئلة المتعلقة بأسس الفيزياء وعلم الكونيات، لا يزال الطريق طويلا، فهذه الحسابات تحتاج إلى حواسيب خارقة قادرة على معالجة معادلات آينشتاين بأدق تفاصيلها.