لم يعد الحديث عن المنتخب الليبي لكرة القدم يقتصر على أسماء اللاعبين أو قوة المنافسين في التصفيات المقبلة؛ بل تحول إلى نقاش واسع حول غياب الرؤية الإدارية في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ الكرة الليبية الحديثة. فمع اقتراب انطلاق تصفيات كأس الأمم الأفريقية 2027، لا يزال المنتخب يعيش حالة من الضبابية، بعدما أعلن الاتحاد الليبي لكرة القدم توصله إلى اتفاق مع المدرب السنغالي يوسف دابو لقيادة المنتخب الأول، دون أن يترجم ذلك حتى الآن إلى إعلان رسمي أو بداية فعلية للعمل، بينما يواصل الوقت تقدمه نحو أول استحقاق رسمي في شهر سبتمبر المقبل.
هذه الحالة أعادت إلى الأذهان سيناريوهات تكررت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ اعتادت الكرة الليبية الدخول إلى الاستحقاقات الكبرى وسط ارتباك إداري، وتأخر في حسم الملفات الفنية، قبل أن تتحول النتائج السلبية لاحقًا إلى سبب لإقالة المدربين وتغيير الأجهزة الفنية، في دائرة لم تتوقف منذ سنوات، وأصبحت عنوانًا دائمًا لواقع المنتخب الوطني.
أقل من شهرين.. ولا برنامج واضحاً
وفق روزنامة الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، تنطلق الجولتان الأولى والثانية من التصفيات خلال الفترة من 21 سبتمبر إلى 6 أكتوبر 2026، بينما تقام الجولتان الثالثة والرابعة في نوفمبر، وتختتم التصفيات في مارس 2027. لكن، وحتى الآن، لا توجد مؤشرات رسمية على انطلاق معسكر تدريبي، أو تحديد قائمة أولية للاعبين، أو الإعلان عن مباريات ودية، أو حتى الكشف عن برنامج إعداد متكامل يسبق هذا الموعد المهم.
وتزداد المخاوف لأن المنتخب سيكون مطالبًا بتحقيق بداية قوية منذ الجولة الأولى، في ظل نظام تصفيات لا يمنح مساحة كبيرة لتعويض التعثر، وهو ما يجعل كل يوم يمر دون إعداد فعلي خسارة فنية يصعب تعويضها لاحقًا.
يوسف دابو.. بين الاتفاق والانتظار
في خضم هذه الأجواء، برز اسم المدرب السنغالي يوسف دابو باعتباره الرجل الأقرب لقيادة المنتخب الوطني. وأكد دابو بنفسه توصله إلى اتفاق نهائي مع الاتحاد الليبي لكرة القدم، مشيرًا إلى أنه سيصل إلى العاصمة طرابلس لاستكمال مراسم التوقيع والإعلان الرسمي عن بداية مهمته، لكنه رفض الخوض في تفاصيل المشروع الفني قبل إنهاء جميع الإجراءات الرسمية. وتشير المعطيات إلى أن الاتحاد الليبي يتجه للإبقاء على جانب من الاستقرار الفني من خلال اختيار مساعد المدرب السابق، مستفيدًا من معرفته بالمنتخب واللاعبين، كما أن الجهاز الفني المنتظر قد يضم محلل الأداء المصري مصطفى منير، في محاولة لتقليل فترة التأقلم قبل انطلاق التصفيات.
- للاطلاع على العدد «559» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
غير أن هذا التوجه لم ينه الجدل، إذ يرى كثيرون أن دابو سيجد نفسه أمام أصعب تحد في مسيرته التدريبية، ليس فقط بسبب قوة المنافسة المقبلة، بل لأن الوقت المتاح أمامه أصبح محدودًا للغاية، ما يعني أن أي تأخير إضافي في مباشرة مهامه سيؤثر مباشرة على عملية الإعداد.
المهمة التي تنتظر دابو لن تبدأ من نقطة الصفر؛ بل من واقع معقد خلفته المرحلة السابقة بقيادة السنغالي أليو سيسيه.
فقد تولى الأخير تدريب المنتخب في مارس 2025، وقاد الفريق في خمس مباريات رسمية، حقق خلالها انتصارين على إسواتيني وأنغولا، وتعادل أمام موريشيوس والرأس الأخضر، قبل أن يودع تصفيات كأس العرب بالخسارة أمام فلسطين بركلات الترجيح بعد التعادل السلبي. كما أنهى آخر معسكر تدريبي في المغرب بتعادلين وديين أمام النيجر وليبيريا.
- للاطلاع على العدد «559» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وعلى الرغم من أن الأرقام لم تكن كارثية من الناحية الرقمية، فإن تجربة سيسيه انتهت وسط انتقادات واسعة، سواء بسبب غياب مشروع فني واضح، أو بسبب الطريقة التي انتهت بها العلاقة مع الاتحاد الليبي، بعدما أعلن استقالته عبر وسائل الإعلام قبل انتقاله مباشرة إلى تجربة تدريبية أخرى، وهو ما أثار الكثير من التساؤلات داخل الوسط الرياضي الليبي.
المشكلة أعمق من اسم المدرب
تكشف الوقائع أن الأزمة لا ترتبط باسم المدرب بقدر ارتباطها بغياب الاستقرار الإداري والتخطيط بعيد المدى. فالملف يشير إلى أن الاتحاد الليبي لكرة القدم شهد خلال السنوات الماضية تعاقب أكثر من عشرين مدربًا على قيادة المنتخب الوطني، في ظاهرة تعكس استمرار تغيير الأجهزة الفنية دون منحها الوقت الكافي لتنفيذ مشاريعها، وهو ما ترتب عليه أيضًا نزاعات قانونية وقضايا مالية رفعت ضد الاتحاد بسبب عقود المدربين السابقين.
ومع الإعلان عن نتائج القرعة، بات واضحًا أن المهمة لن تكون سهلة، إذ أوقعت المنتخب الليبي في المجموعة الثامنة إلى جانب تونس وأوغندا وبوتسوانا، وهي مجموعة تبدو متوازنة من الناحية النظرية، لكنها تخفي الكثير من التعقيدات التي قد تجعل كل مباراة بمثابة نهائي مبكر. تفرض طبيعة المجموعة على المنتخب الليبي التعامل مع كل مواجهة بحسابات مختلفة. فالمنتخب التونسي يدخل التصفيات باعتباره الأكثر خبرة، وصاحب سجل حافل بالمشاركات القارية والعالمية، كما يتمتع باستقرار فني وإداري يمنحه أفضلية نسبية على بقية المنافسين.
- للاطلاع على العدد «559» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
أما المنتخب الأوغندي، فعلى الرغم من أنه لا يمتلك التاريخ نفسه، فإنه يعيش مرحلة تطور ملحوظة، فضلاً عن كونه أحد البلدان المستضيفة لنهائيات كأس الأمم الأفريقية 2027، وهو ما يجعله يسعى إلى تأكيد جاهزيته الفنية من خلال نتائج قوية في التصفيات.
ويبقى منتخب بوتسوانا منافسًا لا يمكن التقليل من شأنه، خاصة أن كرة القدم الأفريقية شهدت خلال السنوات الأخيرة تقاربًا كبيرًا في المستويات، وأصبحت المنتخبات التي كانت تصنف سابقًا ضمن الصف الثاني قادرة على مفاجأة المنتخبات الأكثر خبرة.
وتشير البيانات الواردة في الملف إلى أن ليبيا ستواجه أوغندا للمرة الأولى في مباراة رسمية، بينما سبق لها مواجهة بوتسوانا في مناسبتين رسميتين، حققت خلالهما نتائج إيجابية، وهو ما يمنح المنتخب بعض الثقة، لكنه لا يضمن التفوق في ظل اختلاف الظروف والمعطيات الحالية.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة