في ذاكرة الكرة الليبية، تبقى بعض المحطات خالدة لا لأنها شهدت تتويجًا أو لقبًا فقط؛ بل لأنها حملت معاني التحدي والعزيمة ومواجهة الكبار. ومن بين تلك المحطات البارزة، تبرز مشاركة منتخب ليبيا لكرة القدم في بطولة كأس القنيطرة التي أقيمت في سورية خلال شهر رمضان المبارك العام 1974، وهي المشاركة التي شكلت صفحة مضيئة في مسيرة الكرة الليبية على الرغم من صعوبة المنافسة وقوة المنتخبات المشاركة.
أقيمت البطولة في الفترة الممتدة من 26 سبتمبر إلى 9 أكتوبر 1974، بإشراف الاتحاد العربي لكرة القدم، وبمشاركة أحد عشر منتخبًا عربيًا، وزعت على مجموعتين. واستضافت العاصمة السورية دمشق مباريات البطولة على أرضية ملعب العباسيين، الذي احتضن مواجهات قوية اتسمت بالإثارة والندية، خاصة أنها جاءت في أجواء رمضانية أضفت على المنافسات طابعًا خاصًا.
وأوقعت القرعة المنتخب الليبي في مجموعة صعبة ضمت إلى جانبه منتخب البلد المضيف منتخب سورية لكرة القدم، إضافة إلى منتخبات السودان وفلسطين واليمن، وهي منتخبات كانت تملك تجارب وخبرات متفاوتة، ما جعل المهمة صعبة على المنتخب الليبي الذي كان يسعى لإثبات وجوده على الساحة العربية.
بداية صعبة أمام أصحاب الأرض
استهل المنتخب الليبي مشاركته بمواجهة قوية أمام المنتخب السوري، صاحب الأرض والجمهور، في مباراة اتسمت بالحماس والاندفاع. وعلى الرغم من الأداء الجيد الذي قدمه المنتخب الليبي، إلا أنه خسر بنتيجة هدفين مقابل هدف، في لقاء أظهر فيه اللاعب سعد الفزاني أولى بصماته بتسجيله هدف المنتخب الوحيد، معلنًا عن نفسه كأحد أبرز نجوم البطولة.
- للاطلاع على العدد «536» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وعلى الرغم من الخسارة، خرج المنتخب الليبي بانطباع إيجابي؛ حيث أظهر لاعبوه روحًا قتالية عالية، وأكدوا قدرتهم على مقارعة أقوى المنتخبات العربية.
انتصار تاريخي لا يُنسَى
وفي المباراة الثانية، قدم المنتخب الليبي عرضًا استثنائيًا سيظل محفورًا في الذاكرة، بعدما حقق فوزًا عريضًا على منتخب اليمن بنتيجة تسعة أهداف مقابل هدف واحد، في واحدة من أكبر نتائج البطولة. وشهدت المباراة تألقًا لافتًا لنجوم المنتخب الليبي، حيث سجل سعد الفزاني ثلاثية رائعة، فيما أضاف علي محمد هدفين، وسجل كل من علي الأسود وعبدالباري الشركسي وعبدالقادر التهامي ومحمود الجهاني هدفًا لكل منهم. ذلك الفوز لم يكن مجرد نتيجة كبيرة، بل كان إعلانًا واضحًا عن الإمكانيات الهجومية الكبيرة التي يمتلكها المنتخب الليبي، وقدرته على تقديم كرة قدم ممتعة وفعالة.
تعادل بطعم الحذر
في المباراة الثالثة، واجه المنتخب الليبي نظيره الفلسطيني، في لقاء اتسم بالحذر التكتيكي من الطرفين، وانتهى بالتعادل السلبي دون أهداف. وعلى الرغم من غياب الأهداف، إلا أن المباراة أظهرت التنظيم الدفاعي الجيد للمنتخب الليبي، وقدرته على الحفاظ على توازنه أمام منتخب قدم مباراة قوية.
نهاية المشاركة أمام السودان
واختتم المنتخب الليبي مشاركته في البطولة بمواجهة منتخب السودان، لكنه لم يتمكن من تحقيق نتيجة إيجابية، حيث خسر بثلاثة أهداف مقابل هدف، سجل الهدف الليبي الوحيد النجم سعد الفزاني، الذي أكد مكانته كأبرز هدافي الفريق في البطولة. وعلى الرغم من هذه الخسارة، خرج المنتخب الليبي بمشاركة مشرفة، قدم خلالها مستويات متفاوتة، لكنها حملت الكثير من المؤشرات الإيجابية.
سعد الفزاني.. نجم البطولة الليبي
كان سعد الفزاني بلا منازع النجم الأول للمنتخب الليبي في البطولة، بعدما سجل خمسة أهداف، ليصبح هداف منتخب بلاده في تلك المشاركة. وتميز الفزاني بقدرته على التسجيل في اللحظات الحاسمة، إضافة إلى مهاراته الفنية العالية، ما جعله أحد أبرز اللاعبين الذين لفتوا الأنظار في البطولة.
قيادة وطنية وطموح كبير
قاد المنتخب الليبي في هذه البطولة المدرب الوطني محمد الخمسي، الذي عمل على بناء فريق متماسك يجمع بين الخبرة والشباب. وضمت قائمة المنتخب مجموعة من أبرز نجوم الكرة الليبية في تلك الفترة، من بينهم حراس المرمى محمد العقوري ورمضان المصري وسعد الله الصويعي، إضافة إلى قائد الفريق الهاشمي البهلول، وعبدالرحمن شيوة، وإبراهيم سعيد، وعلي الأسود، ويونس راشد، وعلي مرسال، وعبدالباري الشركسي، ومحمود الجهاني، وعلي محمد، وعبدالوهاب الشبل، وبوبكر الربع، وحسن النابولي، وصالح موسى، وعبد القادر التهامي، وعلي رمضان. وقد شكل هؤلاء اللاعبون نواة منتخب طموح، كان يسعى لترسيخ مكانة الكرة الليبية عربيًا.
- للاطلاع على العدد «536» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وفي ختام البطولة، تمكن منتخب المغرب لكرة القدم من التتويج باللقب، بعد فوزه في المباراة النهائية على المنتخب السوري بركلات الترجيح، في لقاء مثير أكد قوة المنتخب المغربي في تلك الفترة.
استعدادات رمضانية في طرابلس
وقبل السفر إلى سورية، خاض المنتخب الليبي عدة مباريات ودية ضمن دورة دولية مصغرة أقيمت على ملعب طرابلس الدولي، وذلك في إطار استعداداته للبطولة.
واستهل المنتخب تلك الدورة بالتعادل السلبي أمام منتخب مالطا، قبل أن يخسر أمام منتخب الكونغو الديمقراطية بهدفين دون رد، ثم تمكن من تحقيق فوز مهم على منتخب الصومال بثلاثة أهداف مقابل هدفين، سجل منها سعد الفزاني هدفين، وأضاف علي الأسود الهدف الثالث. وقد ساهمت هذه المباريات في تجهيز المنتخب فنيًا وبدنيًا، ومنحت الجهاز الفني فرصة لتقييم مستوى اللاعبين قبل خوض غمار البطولة.
وعلى الرغم من أن المنتخب الليبي لم يتوج باللقب، إلا أن مشاركته في كأس القنيطرة كانت خطوة مهمة في مسيرة تطور الكرة الليبية. فقد منحت هذه التجربة اللاعبين خبرة دولية قيمة، وساهمت في تعزيز ثقتهم بأنفسهم، كما أكدت قدرة الكرة الليبية على المنافسة عربيًا. وكان لشهر رمضان في تلك السنة طعم خاص، حيث امتزجت أجواء الصيام بروح المنافسة، وقدم اللاعبون تضحيات كبيرة من أجل تمثيل بلادهم بأفضل صورة.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة