أخبار ليبيا 24

تعيين الصلابي يفتح مواجهة جديدة حول نفوذ الإسلام السياسي

قرار مالي بأبعاد سياسية تتجاوز المكتب

لم يعد تعيين أسامة الصلابي رئيسًا للجنة إدارة هيئة سوق المال الليبي مجرد قرار إداري يمكن عزله عن المشهد السياسي في طرابلس، خصوصًا أن الرجل سبق أن عُيّن نائبًا لرئيس لجنة إدارة الهيئة بقرار من حكومة عبد الحميد الدبيبة في مارس 2023.

ويأتي انتقاله إلى رئاسة الهيئة في وقت بالغ الحساسية، تتشابك فيه المنافسة بين مراكز القرار في غرب ليبيا مع الخلافات داخل التيارات الإسلامية، وفي مقدمتها التباينات بين شخصيات من عائلة الصلابي ودار الإفتاء، بالتزامن مع وجود علي الصلابي في موقع استشاري لدى المجلس الرئاسي لشؤون المصالحة، وفق ما أوردته مصادر إعلامية ليبية وإقليمية.

ومن هنا، فإن السؤال السياسي الأبرز لا يتعلق فقط بمن تولى رئاسة هيئة، وإنما بسبب اختيار هذا التوقيت، وما إذا كان القرار جزءًا من إعادة ترتيب أوسع لشبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة.

مصدر الصورة سوق المال

الدبيبة أمام اختبار التحالفات

ويرى المحلل السياسي خالد الحجازي أن قرار عبد الحميد الدبيبة يمكن قراءته ضمن حسابات أوسع تتصل بعلاقته مع تيارات الإسلام السياسي، موضحًا أن وجود خلافات بين الحكومة وبعض رموز دار الإفتاء لا يعني بالضرورة انتقال الدبيبة إلى سياسة القطيعة الكاملة مع جميع مكونات التيار الإسلامي.

وبحسب الحجازي، فإن الدبيبة قد يكون يتعامل مع الإسلاميين باعتبارهم تيارات ومراكز نفوذ متعددة، وليس كتلة سياسية واحدة، وهو ما يسمح له بإعادة ترتيب علاقاته مع بعض الشخصيات واستخدام التباينات الداخلية لتوسيع هامش المناورة أمام خصومه.

ويرى المحلل أن تعيين أسامة الصلابي يمكن أن يحمل رسالة سياسية إلى جناح مختلف عن الجناح المرتبط بدار الإفتاء، بما قد يتيح للحكومة المحافظة على قنوات اتصال مع أطراف داخل التيار الإسلامي أو تحييد بعضها على الأقل.

وهذه القراءة، إذا صحت، تعني أن التعيينات داخل مؤسسات الدولة لا تُدار دائمًا بمعيار إداري مجرد، وإنما قد تصبح جزءًا من عملية أوسع لإدارة الصراع السياسي وتثبيت موازين النفوذ.

مصدر الصورة المحلل السياسي الدكتور خالد الحجازي

كسر احتكار النفوذ أم إعادة تدويره؟

الحجازي يذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن القرار قد يمثل محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل البيئة الإسلامية في غرب ليبيا، وتعميق الخلافات بين آل الصلابي ودار الإفتاء، مستندًا إلى خلافات سابقة بين الطرفين بشأن ملفات إقليمية ومواقف سياسية مختلفة.

ويشير إلى أن الدبيبة قد يرى في حضور عائلة الصلابي مساحة للمناورة، خصوصًا مع وجود علي الصلابي في المجلس الرئاسي، معتبرًا أن تعدد مواقع الشخصيات المرتبطة بالعائلة بين مؤسسات مختلفة يضعها داخل دوائر نفوذ متوازية.

غير أن هذه القراءة تظل تحليلًا سياسيًا، ولا تثبت بذاتها وجود صفقة أو تنسيق مسبق خلف التعيين. فالانتقال من ملاحظة تزامن التعيينات إلى الجزم بوجود ترتيبات سياسية يحتاج إلى وثائق أو قرائن مستقلة.

الراشد: اللعب بالنفوذ قد يطيل عمر الأزمة

من جهتها، ترى الناشطة السياسية نادية الراشد أن تعيين أسامة الصلابي في رئاسة هيئة سوق المال يحمل دلالات تتجاوز البعد الوظيفي، خاصة في ظل التوترات القائمة بين حكومة الدبيبة وبعض دوائر الإسلام السياسي.

وتقول الراشد إن الدبيبة لا يبدو، وفق قراءتها، وكأنه يتعامل مع التيار الإسلامي باعتباره جسمًا واحدًا، بل يسعى إلى إعادة ترتيب علاقاته مع شخصيات ومراكز نفوذ داخله وفقًا لمصالحه السياسية وحساباته المرحلية.

وتلفت إلى أن وجود شخصية ذات خلفية إسلامية في موقع قيادي داخل مؤسسة مالية وتنظيمية يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة دوائر القوة التي يجري تشكيلها داخل مؤسسات الدولة، لا سيما أن الصلابي سبق أن شغل منصب نائب رئيس الهيئة قبل انتقاله إلى رئاستها.

وتحذر الراشد من أن تحويل موازين القوة إلى أدوات للمساومة السياسية قد يؤدي إلى تمييع الحلول، بدلًا من معالجة أسباب الانسداد السياسي والمؤسسي، معتبرة أن ليبيا تحتاج إلى تقليص فجوات الصراع لا إعادة إنتاجها داخل المؤسسات.

مصدر الصورة
الناشطة السياسية نادية الراشد،

الحاسية: الخطر في تحويل المؤسسات إلى شبكات نفوذ

أما الأكاديمي المتخصص في الاقتصاد بجامعة عمر المختار عاطف الحاسية، فيضع القرار ضمن زاوية أكثر ارتباطًا بالاقتصاد السياسي.

ويرى الحاسية أن وجود أسامة الصلابي ضمن تعيينات حكومة الدبيبة قد يثير، من وجهة نظره، تساؤلات بشأن محاولة جماعة الإخوان المسلمين توسيع حضورها داخل الإدارات الوسطى لمؤسسات الدولة، وربط ذلك بما وصفه بوجود تحالف بين الجماعة وحكومة الوحدة الوطنية، ومحاولات للسيطرة على بعض الشركات العامة وأصولها.

ويطرح الحاسية احتمال استخدام بعض الشخصيات لتسهيل عمليات استحواذ محتملة، معتبرًا أن ذلك قد يكون أحد التفسيرات وراء اختيار الصلابي لموقعه في هيئة سوق المال.

لكن من الضروري، من باب المسؤولية المهنية والقانونية، التمييز بين هذا الطرح التحليلي وبين الوقائع المثبتة؛ إذ لا يكفي انتماء شخص أو خلفيته السياسية لإثبات مشاركته في أي عملية استحواذ أو ترتيب مالي، كما أن إثبات مثل هذه الوقائع يتطلب أدلة مستقلة ووثائق محددة.

الخلاف مع الغرياني يكشف انقسامًا داخل التيار

ويتناول الحاسية كذلك الخلاف بين التيار المرتبط بالصادق الغرياني والتيار الذي ينسبه إلى علي الصلابي، معتبرًا أن الصراع لا يعكس بالضرورة وحدة الموقف داخل التيار الإسلامي الليبي، بل يكشف تعدد الاتجاهات وتباين المواقف من التسوية السياسية والعلاقة مع المؤسسات في شرق ليبيا.

ويربط الحاسية هذه التباينات بتاريخ الصراع الليبي، ولا سيما خلال السنوات التي شهدت فيها البلاد مواجهات سياسية وعسكرية حادة، ويعتبر أن فهم الخلافات داخل التيارات الإسلامية ضروري لتفسير انتقال بعض الشخصيات إلى مواقع مؤثرة في مؤسسات الدولة.

وهنا أيضًا، تبقى تلك الاستنتاجات ضمن نطاق التحليل السياسي المنسوب إلى صاحبها، ولا يمكن التعامل معها كإثبات مستقل لوجود توزيع أدوار أو ترتيبات سرية بين أطراف سياسية.

الدبيبة والإخوان.. عندما ينتهي شهر العسل السياسي في طرابلس

لماذا يصبح سوق المال مهمًا في معركة النفوذ؟

تزداد حساسية القرار بالنظر إلى طبيعة هيئة سوق المال نفسها. فالقانون رقم 11 لسنة 2010 أنشأ الهيئة باعتبارها جهة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة، ومنحها اختصاصات واسعة تشمل تنظيم ومراقبة إصدار الأوراق المالية والتداول والإفصاح، والإشراف على جهات مالية غير مصرفية، فضلًا عن الترخيص والرقابة والتحقيق واتخاذ إجراءات بشأن المخالفات.

وهذا يعني أن الهيئة ليست مجرد جهاز إداري محدود التأثير. فإذا اتجهت ليبيا إلى إعادة هيكلة الشركات العامة، أو توسيع قاعدة ملكيتها، أو طرح حصص منها للاكتتاب، أو تطوير صناديق الاستثمار، فإن هيئة سوق المال يمكن أن تصبح طرفًا رئيسيًا في إدارة جانب من هذا التحول.

ومن ثم، فإن السيطرة السياسية على المؤسسات المالية، أو حتى مجرد الشك في إمكانية توظيفها سياسيًا، يثير مخاطر تتعلق بالشفافية والاستقلالية وثقة المستثمرين وحماية المال العام.

المواطن الليبي يدفع ثمن الصراع

المفارقة أن الصراع على المناصب والنفوذ يجري في وقت لا يزال المواطن الليبي ينتظر نتائج ملموسة من مؤسسات الدولة، بعيدًا عن إعادة تدوير الأسماء وتبديل المواقع داخل شبكات النفوذ.

فالمواطن لا تعنيه كثيرًا هوية التيار الذي ينتمي إليه المسؤول بقدر ما تعنيه قدرة المؤسسة على حماية المال العام، ومكافحة تضارب المصالح، وضمان الشفافية، وتوفير بيئة اقتصادية مستقرة، ومنع استخدام مؤسسات الدولة لخدمة ترتيبات سياسية مؤقتة.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لتعيين أسامة الصلابي لن يكون في البيانات الرسمية ولا في التفسيرات السياسية المتضاربة، وإنما في أداء الهيئة، ومستوى استقلال قراراتها، وشفافية أعمالها، وقدرتها على ممارسة اختصاصاتها بعيدًا عن التجاذبات.

من المصالحة إلى المال.. هل تتسع خريطة النفوذ؟

وفي ظل وجود علي الصلابي في موقع استشاري لدى المجلس الرئاسي، وتولي أسامة الصلابي رئاسة هيئة سوق المال، يصبح المشهد أكثر قابلية للقراءة من زاوية توزع الحضور السياسي بين مؤسسات مختلفة.

ولا يعني ذلك، في حد ذاته، وجود مشروع موحد أو اتفاق سياسي بين جميع الأطراف، لكنه يضع أمام الرأي العام سؤالًا مشروعًا: هل تتحول مؤسسات الدولة تدريجيًا إلى ساحات لإعادة توزيع النفوذ بين القوى المتنافسة، أم أن هذه التعيينات تأتي في إطار طبيعي لإدارة مؤسسات الدولة؟

الإجابة لا ينبغي أن تُبنى على الانتماءات وحدها، وإنما على النتائج والقرارات والوقائع القابلة للتحقق.

وفي المحصلة، فإن تعيين الصلابي يفتح ملفًا أكبر من شخص المسؤول؛ ملف العلاقة بين السياسة والمال، وبين التعيينات وشبكات النفوذ، وبين المؤسسات الرسمية والصراعات التي لم تنجح ليبيا حتى الآن في تجاوزها.

وبينما تتنافس مراكز القوى على تثبيت مواقعها، تبقى المصلحة العامة هي المعيار الأكثر إلحاحًا: مؤسسات مستقلة، رقابة حقيقية، شفافية في إدارة المال العام، ومناصب تُقاس نتائجها بالكفاءة والإنجاز لا بقدرتها على إعادة ترتيب التحالفات.

ذلك هو الفارق بين بناء دولة تستوعب الخلاف السياسي، ودولة تتحول مؤسساتها تدريجيًا إلى ساحات جديدة للصراع على النفوذ.