إغلاقات النفط تهدد اقتصاد ليبيا وتعمق أزمات الإنتاج والاستثمار - أخبار ليبيا 24
أخبار ليبيا 24
تعطيل المنشآت النفطية يستنزف إيرادات ليبيا ويهدد استقرار الاقتصاد
طرحت الإغلاقات المتكررة للحقول وخطوط نقل النفط والمصافي والموانئ في ليبيا نفسها كواحدة من أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، في ظل استمرار تداخل المطالب الاجتماعية والوظيفية مع الأوضاع الأمنية والسياسية، بما يضع قطاع النفط أمام مخاطر تتجاوز حدود توقف الإنتاج إلى التأثير في الإيرادات العامة والاستثمار وسمعة البلاد في الأسواق الدولية.
وقال الخبير النفطي عثمان الحضيري، في تصريحات صحفية رصدتها وكالة أخبار ليبيا 24، إن الإغلاقات لم تعد في بعض الحالات مجرد تعبير عن خلافات عمالية أو احتجاجات محلية، وإنما تحولت إلى وسيلة للضغط السياسي والأمني، محذرًا من انعكاس ذلك على استمرارية الإنتاج وسلامة المنشآت والصورة الاستثمارية لليبيا.
وأشار إلى أن التطورات التي شهدها قطاع النفط خلال عام 2026، ومنها اقتحام مجمع مليتة في يوليو، وما تبعه من توقف إنتاج حقل الفيل وتراجع إنتاج حقل الوفاء وتأثر إمدادات الغاز، إلى جانب أزمة حرس المنشآت النفطية في سبتمبر وإغلاق خط الحمادة–الزاوية، ثم إغلاق الصمام رقم 7 على خط الشرارة–الزاوية، تكشف عن مشكلة متشعبة وليست مجرد حوادث منفصلة.
الجنوب والغرب في قلب أزمة المنشآت النفطية
وبحسب الحضيري، ترتبط قابلية بعض المنشآت للإغلاق بعوامل جغرافية وأمنية واقتصادية، خصوصًا في الجنوب والغرب، حيث توجد حقول كبيرة مثل الشرارة والفيل والوفاء والحمادة، بينما تعتمد بعض مناطق الإنتاج على مسارات نقل محدودة ونقاط اختناق يمكن أن يؤدي تعطيلها إلى توقف كميات كبيرة من الإنتاج.
وأضاف أن ضعف التنمية والخدمات في بعض مناطق الجنوب، إلى جانب المطالب المتعلقة بالتوظيف وتحسين الظروف المعيشية والاستفادة من الثروة النفطية، يمثل أحد العوامل التي ينبغي التعامل معها ضمن معالجة شاملة، مؤكدًا أن هذه المطالب لا يمكن فصلها عن البيئة الأمنية والسياسية المحيطة بالقطاع.
ولفت إلى أن تداخل النشاط النفطي مع الترتيبات الأمنية والمحلية، فضلًا عن الحساسية الأمنية لمنطقة الزاوية ومحيطها، يزيد من تعقيد المشهد، ويجعل حماية خطوط النقل والمنشآت الاستراتيجية مسألة تتطلب منظومة مؤسسية متكاملة.
خسائر تتجاوز براميل النفط المتوقفة
وأوضح الحضيري أن آثار الإغلاق لا تتوقف عند كمية النفط التي لم تنتج، وإنما تمتد إلى فقدان عوائد النقد الأجنبي وانخفاض الإيرادات العامة، فضلًا عن زيادة الحاجة إلى استيراد المنتجات النفطية لتغطية احتياجات السوق المحلية، وتكبد خسائر مرتبطة بالتكرير وتأخير الشحنات والتزامات التصدير وارتفاع تكاليف إعادة التشغيل والصيانة.
ووفق البيانات التي أشار إليها، أظهرت تداعيات الإغلاق الأخير فقدان نحو 650 ألف برميل خلال خمسة أيام، فيما تجاوزت الخسائر المالية المباشرة 95 مليون دولار حتى 25 سبتمبر، مع إمكانية ارتفاع الكلفة كلما طال أمد التعطيل.
وامتدت تداعيات الإغلاق كذلك إلى مصفاة الزاوية، التي اضطرت إلى تقليص عملياتها قبل إعادة فتح الصمام واستئناف الإنتاج والتكرير بصورة تدريجية، بما يعكس الترابط بين عمليات الإنتاج والنقل والتكرير داخل المنظومة النفطية الليبية.
مسؤوليات متعددة وحاجة إلى تحقيقات قانونية
وشدد الحضيري على أهمية الفصل بين تحديد الجهة التي نفذت الإغلاق وبين تحديد المسؤولية الجنائية أو السياسية النهائية، موضحًا أن الوصول إلى المسؤولية الأخيرة يتطلب تحقيقات وأدلة قانونية.
وقسم المسؤولية في مثل هذه الحالات إلى ثلاث درجات؛ تبدأ بالجهة التي تنفذ فعليًا عملية الإغلاق أو تمنع العاملين من الوصول إلى المنشأة، ثم الجهة الأمنية المكلفة قانونًا بحماية المنشأة ومنع تعطيلها، وصولًا إلى المسؤولية المؤسسية للدولة والجهات الحكومية المعنية بتوفير منظومة أمن وقانون تمنع تكرار هذه الوقائع.
وأوضح أن الحكومة تدخلت في أزمات سابقة، بينها أزمة مجمع مليتة، وأصدرت توجيهات لتأمين المنشآت وإعادة التشغيل، كما اتخذت إجراءات للتعامل مع مطالب حرس المنشآت النفطية، لكنه رأى أن استمرار الإغلاقات يشير إلى أن منظومة الحماية الحالية لم تبلغ بعد مستوى الاستقرار والفاعلية المطلوبين.
النفط بين المطالب الاجتماعية والصراع السياسي
وبحسب الحضيري، فإن أسباب الإغلاقات متعددة، من بينها المطالب المالية والوظيفية المتعلقة بالمرتبات والتسويات والأوضاع الوظيفية والتبعية الإدارية والمالية لحرس المنشآت النفطية.
كما تشمل مطالب اجتماعية وتنموية في مناطق الإنتاج، خصوصًا الجنوب، تتعلق بالتوظيف والخدمات والتنمية المحلية والاستفادة من الثروة النفطية، إلى جانب العامل السياسي الذي أظهرت أزمات سابقة إمكانية استخدام النفط خلاله كوسيلة ضغط في النزاعات المرتبطة بالسلطة والموارد المالية.
وأشار إلى أن ضعف المؤسسات الأمنية يمثل عاملًا إضافيًا، موضحًا أن المنشآت تصبح أكثر عرضة للتعطيل عندما تكون الجهات المكلفة بحمايتها نفسها جزءًا من النزاع، بينما يؤدي ضعف الردع القانوني إلى زيادة قدرة الإغلاق على فرض نفسه كوسيلة ضغط إذا اعتقد أي طرف أن تعطيل الإنتاج أو النقل قد يدفع السلطات إلى التفاوض والاستجابة للمطالب.
المواطن الليبي يتحمل جانبًا من كلفة التعطيل
وأكد الحضيري أن المنشآت النفطية أصول سيادية مملوكة للمجتمع الليبي بأكمله، وأن تعطيلها لا يقتصر أثره على الحكومة أو الجهات الرسمية، وإنما ينعكس على الاقتصاد والمواطنين، فضلًا عن المخاطر الفنية التي قد تصيب خطوط النقل والمنشآت نتيجة عمليات الإغلاق المفاجئة.
وفي هذا السياق، تبرز كلفة التعطيل على المواطن الليبي بصورة غير مباشرة عبر تأثيره في الإيرادات العامة وتوفير النقد الأجنبي واحتياجات السوق من المنتجات النفطية، بينما يمكن أن يؤدي استمرار الأزمات إلى زيادة الأعباء المرتبطة بتأمين الإمدادات وإعادة تشغيل المنشآت.
ويرى الحضيري أن معالجة المطالب ينبغي أن تتم عبر مسار قانوني ومؤسسي سريع وفعال، حتى لا يصبح تعطيل إنتاج النفط أو نقله الوسيلة الوحيدة لإجبار الجهات المعنية على الاستماع إلى المطالب.
مخاطر متزايدة على الاستثمار الأجنبي
ولا تقتصر تداعيات الإغلاقات على الوضع الداخلي، إذ يرى الحضيري أن تكرارها يرفع مستوى المخاطر التشغيلية والسياسية أمام الشركات الأجنبية العاملة في ليبيا.
وأوضح أن المستثمر لا ينظر فقط إلى حجم الاحتياطيات النفطية، وإنما يهتم أيضًا باستقرار الإنتاج وحماية المنشآت وقابلية العقود للتنفيذ وقدرة الدولة على حماية العاملين والأصول وضمان انتظام عمليات التصدير.
وبالتالي، فإن عودة العمليات إلى طبيعتها بعد انتهاء كل أزمة لا تلغي الآثار الممتدة على صورة ليبيا كدولة منتجة ومضيفة للاستثمار، خصوصًا إذا أدت الإغلاقات إلى اضطرابات في العمليات أو تأخير خطط الإنتاج والصيانة.
ومع ذلك، شدد الحضيري على أنه لا ينبغي تحميل الحكومة وحدها كامل المسؤولية عن الإشكالية، معتبرًا أنها قضية تشترك فيها المؤسسة الوطنية للنفط والجهات الأمنية وحرس المنشآت النفطية والسلطات المحلية، إلى جانب البيئة السياسية والأمنية الأوسع.
تحييد النفط وإصلاح منظومة الحماية
وطرح الحضيري جملة من الإجراءات لمعالجة الظاهرة، في مقدمتها تحييد قطاع النفط ووضع قاعدة وطنية واضحة تؤكد أن النفط ومنشآته أصول سيادية للشعب الليبي، ولا ينبغي استخدامها أداة للصراع السياسي أو المحلي.
كما دعا إلى إنشاء آلية قانونية ومؤسسية سريعة للنظر في المطالب المالية والاجتماعية والوظيفية خلال مدد قصيرة، بما يمنع تراكمها وصولًا إلى مرحلة تعطيل المنشآت والإنتاج.
وشملت المقترحات تعزيز حماية الحقول وخطوط الأنابيب عبر منظومة متعددة المستويات تعتمد المراقبة المستمرة وأنظمة الإنذار وتأمين الصمامات ومحطات الضخ وغرف التحكم وطرق وصول الفرق الفنية، بالتوازي مع تعزيز حماية المصافي والموانئ ووضع خطط طوارئ تضمن استمرار التشغيل والإمداد والتصدير أثناء الأزمات.
إغلاقات النفط تهدد اقتصاد ليبيا وتعمق أزمات الإنتاج والاستثمارالتنمية في مناطق الإنتاج جزء من المعالجة
وفي ما يتعلق بالجنوب، شدد الحضيري على أهمية برامج واضحة للتوظيف والتدريب وتحسين الخدمات والبنية التحتية، إلى جانب توظيف أموال التنمية المستدامة وفق التشريعات، مع عدم التعامل معها باعتبارها مساعدات إنسانية للمناطق المنتجة.
وتشير هذه الرؤية إلى أن حماية القطاع النفطي لا يمكن فصلها عن معالجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية في مناطق الإنتاج، إذ إن استمرار الفجوة بين حجم الثروة المنتجة ومستوى الخدمات والتنمية قد يبقي المطالب المحلية عاملًا حاضرًا في أزمات القطاع.
ويخلص طرح الحضيري إلى أن الإغلاقات النفطية المتكررة في ليبيا ليست أزمة إنتاج فحسب، بل انعكاس لأزمة أوسع تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية وضعف المؤسسات، ما يجعل حماية النفط مرتبطة بقدرة الدولة على بناء مسارات قانونية لمعالجة المطالب، وتعزيز أمن المنشآت، وضمان وصول عوائد الثروة إلى الاقتصاد والمواطنين بصورة أكثر استقرارًا.