أخبار ليبيا 24

احتجاجات الغرب الليبي تكشف اتساع فجوة الثقة وتعيد ملف السيادة للواجهة

غضب اجتماعي يتجاوز أزمة الكهرباء

عادت الاحتجاجات في مدن غرب ليبيا إلى واجهة المشهد السياسي والاجتماعي خلال صيف 2026، مدفوعة في جانب أساسي منها بأزمة الكهرباء وتردي الخدمات والضغوط المعيشية، قبل أن تتوسع مطالب المحتجين لتلامس أداء مؤسسات الدولة والحكومة ومستقبل إدارة الموارد العامة.

وتشير تقارير صحفية مستقلة إلى أن التحركات شملت طرابلس ومناطق أخرى في الغرب، وترافقت مع إغلاق طرق ومرافق عامة واحتجاجات على الانقطاعات الطويلة للكهرباء، فيما امتد التصعيد إلى مجمع مليتة الصناعي للنفط والغاز، حيث أدى توقف إمدادات الغاز إلى تهديد إمدادات محطات توليد الكهرباء.

وفي قراءة لهذا المشهد، يرى المحلل السياسي الدكتور خالد محمد الحجازي أن الاحتجاجات لا يمكن اختزالها في مشكلة خدمية عابرة، معتبرا أنها نتيجة تراكم طويل لأزمات المعيشة والإدارة والرقابة، وأن المواطن الليبي وصل إلى مرحلة وصفها بعبارة «طفح الكيل».

وبحسب الحجازي، فإن المواطن يواجه بصورة يومية انقطاع الكهرباء وشح الوقود والمواد الغذائية وأزمة السيولة، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن إنفاق مليارات على قطاع الكهرباء دون أن يلمس المواطن، من وجهة نظره، تحسنا يتناسب مع حجم الإنفاق المعلن.

وتكتسب هذه الرؤية أهمية أكبر في ظل ما وثقته تقارير إعلامية خلال يوليو الماضي من اتساع الاحتجاجات بسبب أزمة الكهرباء، وارتفاع المطالب المتعلقة بمحاسبة المسؤولين وتحسين الخدمات الأساسية.

مصدر الصورة المعلمون يصعّدون احتجاجاتهم.. المدارس رهينة مطالب المرتبات والكرامة

الصحة وسلامة الغذاء في دائرة الأسئلة

ولا يتوقف النقاش، وفقا للحجازي، عند الكهرباء والسيولة، بل يمتد إلى ملف الصحة وسلامة الغذاء، إذ أشار إلى ما وصفه بكشف خطير بشأن استخدام مواد ضارة في الزراعة، وربط ذلك بارتفاع معدلات الإصابة بالسرطان في ليبيا.

وهنا تقتضي المسؤولية الصحفية التفريق بين الرأي والتحقق العلمي؛ فالمصادر الليبية الرسمية تحدثت بالفعل عن مخاطر متبقيات المبيدات والملوثات الغذائية، وعن احتمال ارتباط التعرض المتكرر لبعض المواد بزيادة مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن السرطان مرض متعدد العوامل، ولا يمكن اختزال أسبابه في عامل واحد.

ويرى الحجازي أن هذه المعطيات تطرح سؤالا أوسع يتعلق بآليات الرقابة على المؤسسات والإنفاق العام، متسائلا عن مصير الأموال التي تخصص للقطاعات الحيوية، وعن مدى قدرة أجهزة الدولة على أداء دورها الرقابي بالشكل الذي يحمي المواطن.

مصدر الصورة المحلل السياسي الدكتور خالد الحجازي

مليتة وامتحان إدارة الثروة والطاقة

كان مجمع مليتة الصناعي نقطة تحول في موجة الاحتجاجات، بعدما اقتحم محتجون المجمع وأوقفوا تدفق الغاز، في خطوة جاءت على خلفية الغضب من أزمة الكهرباء والخدمات.

وأفادت تقارير بأن تعطيل إمدادات الغاز هدد بتوقف محطات توليد الكهرباء، بينما أعلنت حكومة الوحدة الوطنية تأمين المجمع واستئناف ضخ الغاز تدريجيا. كما حذرت الشركة العامة للكهرباء من تداعيات توقف الإمدادات على الشبكة الكهربائية.

ويرى الحجازي أن تعامل حكومة عبد الحميد الدبيبة مع أزمة مليتة يعكس، بحسب تقديره، أولوية مختلفة في إدارة الأزمة، معتبرا أن التحرك السريع لتأمين المجمع واستعادة ضخ الغاز لم يكن منفصلا عن أهمية استمرار صادرات الطاقة وعلاقات ليبيا الخارجية.

ويذهب الحجازي أبعد من ذلك، إذ يعتبر أن استمرار تصدير الغاز في ظل معاناة داخلية يمثل، من وجهة نظره، تنازلات سياسية هدفها الحفاظ على الدعم الخارجي، ويقول إن حكومة الدبيبة فقدت، بحسب تقديره، ثقة قطاعات واسعة من الشعب الليبي.

وهذه القراءة تبقى رأيا سياسيا منسوبا إلى صاحبها، فيما تظهر الوقائع الميدانية أن تعطيل منشآت الطاقة كانت له بالفعل انعكاسات مباشرة على الكهرباء والإنتاج، وهو ما دفع السلطات إلى التحرك لإعادة تشغيل المنظومة.

مصدر الصورة
المعلمون يصعّدون احتجاجاتهم.. المدارس رهينة مطالب المرتبات والكرامة

الصراع الدولي يتسلل إلى الداخل الليبي

ويضع الحجازي الاحتجاجات ضمن سياق أوسع يتعلق بتداخل الأزمة الليبية مع الصراعات الدولية، متحدثا عن امتداد الحرب الروسية الأوكرانية إلى الساحة الليبية، وعن وجود أوكراني في الجنوب الليبي ودعم جماعات يصفها بالانفصالية، إلى جانب حديثه عن خبراء وطائرات مسيرة.

كما يرى أن ليبيا أصبحت، وفقا لتقديره، ساحة لتصفية حسابات دولية مرتبطة بالمصالح الروسية والأوروبية، وأن استخدام الأراضي أو السواحل الليبية في عمليات مرتبطة بهذا الصراع يمثل تهديدا مباشرا للسيادة والأمن القومي.

وتبقى هذه الاتهامات، في حدود المادة المتاحة، تصريحات سياسية منسوبة إلى الحجازي ولم يتسنَّ توثيق جميع تفاصيلها من مصادر مستقلة موثوقة؛ ولذلك لا يصح تقديمها باعتبارها حقائق مثبتة. لكن طرحها يكشف في حد ذاته حجم القلق داخل بعض الأوساط الليبية من تحول البلاد إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح القوى الخارجية.

أوكرانيا روسيا زلنسكي بوتين ليبيا

المحكمة الجنائية الدولية وجدلية السيادة القضائية

أما ملف المحكمة الجنائية الدولية، فيأخذ بعدا قانونيا وسياسيا أكثر تعقيدا. ويرى الحجازي أن ليبيا ينبغي أن تعتمد بصورة أكبر على مؤسساتها القضائية الوطنية، ويتساءل عن أسباب اللجوء إلى القضاء الدولي في بعض الملفات، معتبرا أن القضاء الليبي قادر، من وجهة نظره، على التعامل مع القضايا التي تقع ضمن اختصاصه.

لكن المعطى القانوني القائم يختلف عن القول إن ليبيا لا علاقة لها باختصاص المحكمة؛ فليبيا ليست دولة طرفا في نظام روما الأساسي، لكنها قبلت اختصاص المحكمة بموجب إعلان أودع في عام 2025، يغطي الجرائم المزعومة المرتكبة على أراضيها من عام 2011 حتى نهاية 2027. كما أن اختصاص المحكمة بشأن الوضع الليبي يستند أيضا إلى إحالة مجلس الأمن الدولي للملف عام 2011.

وفي سبتمبر 2026، أكد مكتب المدعي العام للمحكمة، وفقا للسفارة الليبية في هولندا، تلقي طلب رسمي للمساعدة من ليبيا حظي بتأييد رئيس المجلس الرئاسي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية، في إطار التعاون مع المحكمة.

كما أصدرت المحكمة في يوليو 2026 قرارا يؤكد اختصاصها في قضية خالد محمد علي الهيشري، بعدما سبق أن أحيل الملف إلى المحكمة، فيما قررت الدائرة التمهيدية في وقت لاحق تأكيد التهم وإحالة القضية إلى المحاكمة.

ويعارض الحجازي هذا المسار من منطلق سياسي وقانوني، ويعتبر أن التعامل مع المحكمة الدولية يمثل، بحسب رؤيته، انتقاصا من السيادة القضائية الليبية، كما يوجه انتقادات حادة إلى حكومة الدبيبة بشأن تعاملها مع ملفات قضائية وأمنية ذات صلة بعلاقات ليبيا الخارجية.

بوعجيلة المريمي بين شائعة الإفراج وحقيقة السجن الأمريكي.. من يضلل الليبيين؟

انتقادات للتدخل الدولي

ويمتد موقف الحجازي إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، إذ يرى أن وجود القوى الدولية في ليبيا لا يهدف، في تقديره، إلى إنهاء الأزمة بقدر ما يرتبط بإدارتها بما يحفظ مصالح الدول الخارجية.

كما ينتقد ما يعتبره انفتاحا حكوميا مفرطا على الأطراف الدولية، ويربط ذلك باستمرار الانقسام السياسي والأمني وضعف المؤسسات السيادية.

وفي المقابل، تكشف التحذيرات الدولية الأخيرة من استهداف أو تعطيل منشآت الطاقة عن جانب آخر من المعادلة؛ فقد حذرت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا من أن أي أعمال تقوض البنية التحتية للطاقة قد تفضي إلى إجراءات عقابية، في ظل تأثير تعطيل منشآت النفط والغاز على الإنتاج والإيرادات وإمدادات الوقود والكهرباء.

وهذا يعكس مدى حساسية ملف الطاقة الليبي، الذي لم يعد قضية اقتصادية محلية فقط، بل أصبح مرتبطا بصورة مباشرة بالاستقرار الداخلي والإيرادات العامة والعلاقات الدولية.

المصالحة الليبية

المصالحة وتوحيد المؤسسات كمدخل للحل

وفي ختام رؤيته، يطرح الحجازي المصالحة الوطنية باعتبارها المدخل الأساسي للخروج من الأزمة، داعيا إلى جمع الأطراف الليبية في إطار سياسي واحد، ثم توحيد الحكومة والجيش والشرطة ضمن مؤسسات وطنية موحدة.

ويرى أن توحيد المؤسسات سيؤدي، بالتبعية، إلى الحد من التدخلات الأجنبية، سواء من الشرق أو الغرب، كما يدعو إلى زيادة الوعي بمخاطر بعض مؤسسات المجتمع المدني التي يعتقد أن أجهزة استخبارات أجنبية قد تتسلل إليها بهدف التأثير في المجتمع وإثارة الانقسامات.

ويؤكد الحجازي كذلك أن الحديث عن رفض أهالي مصراتة للحل الوطني بصورة مطلقة ليس دقيقا، مشيرا إلى وجود شخصيات وطنية من داخل المدينة، بحسب قوله، ترفض استمرار الوضع القائم، لكنها لا تمتلك المساحة الكافية للتعبير عن مواقفها بسبب نفوذ من يحملون السلاح.

ويختم الحجازي رؤيته بالدعوة إلى تركيز ليبيا على معالجة أزماتها الداخلية أولا، قبل إعادة توسيع انفتاحها الخارجي، بحيث يكون التواصل مع العالم، وفقا لرؤيته، من موقع الدولة صاحبة القرار وليس من موقع الدولة الواقعة تحت ضغط الخارج.

وبينما تختلف التقديرات بشأن أسباب الأزمة الليبية وسبل الخروج منها، فإن الاحتجاجات الأخيرة كشفت مجددا أن أزمات الكهرباء والسيولة والطاقة لم تعد ملفات خدمية منفصلة عن السياسة، بل تحولت إلى مؤشرات على أزمة أوسع في الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وفي بلد تتداخل فيه موارد النفط والغاز مع الانقسام السياسي والتنافس الدولي، يبقى تحسين الخدمات وتوحيد المؤسسات واستعادة القرار الوطني من أبرز الملفات التي ستحدد قدرة الدولة على احتواء الغضب الاجتماعي ومنع تحوله إلى أزمة سياسية وأمنية أوسع.