أخبار ليبيا 24

إصلاح الاقتصاد يبدأ من طريقة إدارة المال العام

منير عصر: حماية المال العام تبدأ بإصلاح الإنفاق وتأمين إيرادات النفط

طرح وزير الصناعة والاقتصاد الأسبق الأستاذ منير عصر رؤية لإصلاح إدارة الموارد العامة في ليبيا، تقوم على مراجعة طريقة إنفاق المال العام قبل البحث عن مصادر جديدة للإيرادات، معتبرًا أن التحدي الاقتصادي لا يرتبط فقط بحجم الموارد المتاحة، وإنما بكفاءة إدارتها والنتائج التي تتحقق للمواطن مقابل الأموال التي تنفقها الدولة.

وقال عصر، في منشور عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي، إن الدولة تنفق سنويًا مليارات الدينارات على المرتبات والدعم والمشتريات والمشروعات والخدمات والتوريدات، لكن السؤال الأساسي، بحسب طرحه، يتمثل في معرفة حجم الأموال التي تتحول بالفعل إلى خدمات أو أصول منتجة، وتلك التي تهدر نتيجة سوء التخطيط وضعف الرقابة وتضخم الأسعار وتعدد الجهات.

وتأتي هذه الرؤية في وقت يواجه فيه المواطن الليبي ضغوطًا اقتصادية متزايدة، وسط نقاش مستمر بشأن حجم الإنفاق العام، وكفاءة المؤسسات، ومستوى الخدمات، وقدرة الدولة على تحويل الإيرادات العامة إلى مشروعات ونتائج ملموسة.

مصدر الصورة إصلاح الإنفاق وحماية النفط.. مقترحات لإعادة ضبط اقتصاد ليبيا

منظومة موحدة للمشتريات والإنفاق

ويقترح عصر إنشاء «المنظومة الوطنية للمشتريات والإنفاق العام»، وهي منظومة إلكترونية موحدة تخضع لها الوزارات والمؤسسات والجهات العامة، بحيث لا تتم عمليات شراء السلع والخدمات أو تنفيذ المشروعات من المال العام إلا عبر نظام مركزي واضح ومعلن.

وبحسب المقترح، يتعين أن تتضمن كل عملية شراء بيانات محددة تبدأ بالجهة الطالبة وسبب الشراء والكمية والمواصفات والسعر التقديري، وصولًا إلى الشركات المتقدمة والعرض الفائز وقيمة العقد ومراحل التنفيذ والدفعات والاستلام النهائي.

ويرى عصر أن إتاحة هذه البيانات للمراجعة والتدقيق يمكن أن تحد من حالات اختلاف أسعار شراء السلعة ذاتها، أو دفع أموال مقابل مشروعات لم تكتمل، أو استمرار عقود لا تحقق نتائج واضحة.

ولا يقف التصور عند حدود الرقابة على الإجراءات، إذ يدعو إلى تغيير فلسفة المشتريات الحكومية من مجرد الإنفاق إلى الإنفاق المرتبط بالاحتياج والكفاءة والعائد.

المشتريات الحكومية كأداة لدعم الإنتاج المحلي

ويطرح عصر ثلاثة أسئلة قبل إتمام أي عملية شراء حكومية: هل تحتاج الدولة إلى المنتج أو الخدمة؟ وهل يمكن إنتاجها داخل ليبيا؟ وهل يمكن الحصول عليها بأفضل تكلفة وجودة؟

ويرى أن الإجابة عن هذه الأسئلة يمكن أن تحول المشتريات الحكومية إلى أداة لدعم الصناعة المحلية، خصوصًا إذا كان المنتج المطلوب قادرًا على التصنيع داخل البلاد وفق المواصفات المعتمدة.

كما يشدد على ضرورة ربط المشروعات الزراعية بسلاسل إنتاج وتوزيع حقيقية، وإخضاع المشروعات الإنشائية لدراسات للتكلفة والعائد والجداول الزمنية ومؤشرات الإنجاز، بينما يجب أن ترتبط العقود الخدمية بقياس النتائج الفعلية قبل صرف الدفعات النهائية.

ويختصر عصر هذه الرؤية في قاعدة مفادها أن المال العام يجب ألا ينفق من دون نتيجة قابلة للقياس، وأن السؤال الأهم ليس مقدار ما أنفقته الدولة، وإنما ما الذي حصل عليه المواطن في المقابل.

مصدر الصورة وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق منير علي عصر

الوقاية من الهدر قبل وقوعه

ويرى عصر أن مواجهة الهدر المالي لا ينبغي أن تقتصر على معاقبة المخالفين بعد وقوع التجاوز، وإنما يجب أن تتجه إلى إغلاق منافذ الهدر قبل حدوثه من خلال نظام إنفاق شفاف وقابل للتتبع.

ويقترح في هذا السياق ربط العقود الحكومية الكبرى بمؤشرات أداء، ونشر نتائج التنفيذ بصورة دورية، إلى جانب وجود جهة مستقلة لتقييم تكلفة المشروعات قبل اعتمادها وليس بعد إنفاق الأموال.

ويطرح ذلك باعتباره مدخلًا لإصلاح مؤسسي يتجاوز تشكيل اللجان المؤقتة، ويركز على وضع قواعد وإجراءات دائمة تحد من فرص التجاوز وتسمح بمراجعة الإنفاق بصورة مستمرة.

تنازع الاختصاصات وأثره على الإدارة

وفي جانب آخر من طرحه، يشير عصر إلى أن تعدد مراكز الاختصاص يمكن أن يؤدي إلى تجاوزات ومزايدات، مؤكدًا أن التنازع في حد ذاته لا يعني الفوضى أو الاعتداء، وإنما ينبغي أن يعني التزام كل جهة بالحدود والوظائف التي خولها لها القانون.

ويشمل ذلك، وفق طرحه، الاختصاصات الإدارية والنقدية والتشريعية والرقابية والمالية والتنظيمية، معتبرًا أن احترام الاختصاصات القانونية يمكن أن يسهم في الحد من التجاوزات وتحسين أداء مؤسسات الدولة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل الانقسامات المؤسسية التي شهدتها ليبيا خلال السنوات الماضية، وما ترتب عليها من تداخل في الصلاحيات وتعدد مراكز القرار، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على إدارة المال العام والسياسات الاقتصادية.

النفط.. مصدر قوة يتحول إلى نقطة تعرض للصدمات

وفي محور آخر، يحذر عصر من استمرار اعتماد الاقتصاد الليبي بصورة واسعة على النفط، معتبرًا أن المشكلة لا تكمن فقط في مستوى الأسعار أو نقص السيولة أو حجم المرتبات، وإنما في تعرض اقتصاد الدولة لأي اضطراب يصيب إنتاج النفط أو نقله أو تكريره أو تصديره.

ويربط عصر هذه المخاوف بما حدث خلال الأيام الماضية في خط الشرارة ـ الزاوية، معتبرًا أن توقف جزء من البنية النفطية وما قد يترتب عليه من خسائر في الإنتاج والإيرادات، إضافة إلى انعكاساته على المصفاة والوقود والكهرباء، يكشف الحاجة إلى منظومة تستبق الصدمات بدل التعامل معها بعد وقوعها.

وبناء على ذلك، يقترح إنشاء منظومة وطنية لحماية الإيرادات والاستقرار الاقتصادي، تعمل وفق قانون واضح وبعيدًا عن تغير الحكومات والانقسامات السياسية.

مصدر الصورة
إصلاح الإنفاق وحماية النفط.. مقترحات لإعادة ضبط اقتصاد ليبيا

سبع قواعد لحماية الإيرادات والاستقرار

ويحدد عصر سبع قواعد رئيسية لهذه المنظومة، تبدأ بحماية الإيرادات النفطية من خلال مسار مالي موحد وشفاف، مع نشر بيانات الإنتاج والتصدير والإيرادات بصورة دورية، بما يسمح للمواطنين بمعرفة كيفية إدارة عائدات الثروة النفطية.

كما يدعو إلى إنشاء احتياطي للاستقرار المالي، بحيث لا تتحول زيادة أسعار النفط إلى توسع تلقائي في الإنفاق، وإنما يخصص جزء من إيرادات سنوات الوفرة لمواجهة انخفاض الإنتاج أو الأسعار أو أي صدمة اقتصادية.

ويقترح كذلك صندوقًا للطوارئ يتعلق بالوقود والكهرباء والغذاء، إلى جانب تأمين البنية التحتية النفطية ووضع بدائل تشغيلية للأنابيب والموانئ والمصافي، حتى لا يؤدي تعطل مسار واحد إلى اضطراب واسع في الاقتصاد.

وفي ما يتعلق بالنقد الأجنبي، يرى عصر ضرورة ترتيب الأولويات خلال فترات الضغط، بحيث تتقدم الأغذية والأدوية والوقود والآلات ومدخلات الإنتاج والزراعة والصناعة والخدمات الأساسية على السلع الكمالية.

كما يدعو إلى ربط الإنفاق العام بالإيرادات الحقيقية، محذرًا من تحويل الزيادة المؤقتة في عائدات النفط إلى التزامات إنفاق دائمة، في ظل كون النفط موردًا متقلبًا بينما تمثل المرتبات والخدمات التزامات مستمرة.

إنذار مبكر بدل انتظار الأزمة

ويقترح عصر إنشاء نظام إنذار اقتصادي مبكر يتابع بصورة منتظمة إنتاج النفط والصادرات والإيرادات والإنفاق والاحتياطي من النقد الأجنبي وأسعار السلع والوقود والكهرباء والواردات والالتزامات المالية.

ويؤكد أن الهدف ليس إنشاء لجنة جديدة، وإنما بناء نظام دائم يستمر في العمل مهما تغيرت الحكومات، بحيث تصبح إدارة الاقتصاد قائمة على قواعد مستقرة لا على الأشخاص.

ويقترح تنفيذ المنظومة على ثلاث مراحل؛ تبدأ خلال تسعين يومًا بتوحيد البيانات المالية والنفطية وتحديد الالتزامات ومسارات الإيرادات والإنفاق ووضع خطط طوارئ للوقود والكهرباء والغذاء.

وخلال عام، يقترح إنشاء احتياطي الاستقرار وصندوق الطوارئ وإقرار قواعد الإنفاق والنقد الأجنبي ووضع خطط بديلة للبنية النفطية، بينما تمتد المرحلة الثالثة إلى ثلاث سنوات بهدف خفض الاعتماد على النفط في تمويل الإنفاق الجاري، وزيادة الإنتاج المحلي وتوسيع الصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية وتحويل جزء أكبر من الإيرادات النفطية إلى أصول واستثمارات منتجة.

المواطن في قلب معادلة الإنفاق

وتتقاطع أفكار عصر عند نقطة أساسية تتمثل في ضرورة انتقال الدولة من قياس الإنفاق بحجمه إلى قياسه بنتائجه، بحيث يصبح المواطن المستفيد النهائي من كل دينار يتم إنفاقه من الخزانة العامة.

ومن هذا المنظور، فإن معالجة الأزمات الاقتصادية لا تتعلق فقط بتوفير موارد إضافية، وإنما أيضًا بضمان عدم تسرب الموارد القائمة عبر ضعف التخطيط أو تضارب الاختصاصات أو ضعف الرقابة أو غياب مؤشرات الأداء.

وبحسب الرؤية المطروحة، فإن حماية الاقتصاد الليبي تتطلب الجمع بين الشفافية في إدارة الإيرادات، والانضباط في الإنفاق، وتأمين البنية النفطية، وتنويع مصادر الإنتاج، والاستعداد المسبق للصدمات.

وفي ظل استمرار حساسية الاقتصاد الليبي تجاه حركة النفط وأسعاره وقدرة الدولة على إدارة مواردها، يضع هذا الطرح مسألة كفاءة الإنفاق وحماية الإيرادات أمام المؤسسات المعنية باعتبارها جزءًا من معادلة الاستقرار الاقتصادي، لا مجرد ملف إداري منفصل.