قفز سعر صرف الدولار مجددا في السوق الموازية الليبية، مسجلا 9.66 دينار، في أحدث تحرك صعودي للعملة الأميركية مقابل الدينار، وسط اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، وتزايد المخاوف بشأن قدرة العملة المحلية على الحفاظ على قيمتها.
ويأتي هذا الارتفاع في وقت يبلغ فيه سعر الدولار في السوق الرسمية نحو 6.36 دينار، وفقا لبيانات مصرف ليبيا المركزي، بما يعكس فارقا كبيرا بين السعرين ويزيد من حساسية السوق لأي تحركات جديدة في الطلب على العملة الأجنبية.
وسجل الدولار خلال تعاملات السبت نحو 9.66 دينار في أسواق رئيسية، بعد أن كان عند مستويات أقل خلال الأيام السابقة، في مسار صعودي شهدته السوق الموازية خلال سبتمبر.
وكان الدولار قد سجل 9.28 دينار في 9 سبتمبر، ثم ارتفع إلى 9.32 دينار في اليوم التالي، قبل أن يواصل التحرك صعودا خلال الأسبوع التالي.
وتشير بيانات السوق إلى أن الدولار أنهى تعاملات السبت عند 9.66 دينار، فيما سجل سعر التعامل بالصكوك والحوالات المصرفية مستوى أعلى بلغ 9.81 دينار، وفقا لوكالة أنباء المستقبل.
بدوره رأى أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي علي الشريف أن تدهور قيمة الدينار دفع شريحة من المواطنين، خاصة الذين لديهم فائض من السيولة المحلية، إلى الاتجاه نحو شراء الدولار باعتباره وسيلة لحماية مدخراتهم من فقدان قيمتها.
وأوضح الشريف أن هذا الطلب لا يرتبط بالضرورة بتمويل الاستيراد أو شراء السلع والخدمات، وإنما يأتي في جانب منه بهدف الاحتفاظ بالمدخرات في صورة عملة أجنبية أكثر استقرارا من وجهة نظر أصحابها.
وبحسب هذا الطرح، فإن تراجع الثقة في قيمة العملة المحلية يدفع أصحاب السيولة إلى البحث عن أداة بديلة لحفظ القيمة، وهو ما يضيف طلبا على الدولار خارج الاحتياجات التجارية التقليدية.
وقال الشريف إن تحول الدولار إلى سلعة للمضاربة وملاذ آمن يخلق طلبا إضافيا على العملة الأميركية، وهو ما يمارس بدوره ضغطا أكبر على سعر الصرف في السوق الموازية.
وهنا لا يصبح الطلب على الدولار مرتبطا فقط بحاجات الاقتصاد الفعلية، مثل الاستيراد أو السفر أو شراء السلع والخدمات، بل يدخل ضمنه طلب ناتج عن الرغبة في التحوط من انخفاض قيمة الدينار.
ومع استمرار ارتفاع الدولار، يمكن أن تتسع دائرة هذا السلوك، إذ قد يدفع صعود سعر الصرف مزيدا من المواطنين إلى شراء الدولار خشية ارتفاعه مستقبلا، ما يضيف طلبا جديدا إلى السوق.
ويطرح هذا الوضع دائرة متشابكة تبدأ بتراجع قيمة الدينار، ثم زيادة المخاوف على المدخرات، يليها الإقبال على شراء الدولار، ثم ارتفاع الطلب على العملة الأجنبية، وهو ما قد يدفع سعر الدولار إلى مستويات أعلى في السوق الموازية.
ويفسر الشريف هذا النوع من الطلب باعتباره طلبا غير مرتبط مباشرة بالنشاط الاقتصادي الحقيقي، وإنما يرتبط بالتوقعات والمخاوف بشأن مستقبل سعر الصرف.
وتزداد حساسية هذه الحلقة في ظل وجود فجوة كبيرة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، حيث يبلغ السعر الرسمي للدولار نحو 6.36 دينار، مقابل 9.66 دينار في السوق الموازية وفقا لأسعار اليومين الأخيرين.
ولا يقتصر تأثير انخفاض قيمة الدينار على سوق العملات، إذ يمكن أن ينتقل أثره إلى أسعار السلع والخدمات، خصوصا تلك التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على مدخلات مستوردة.
ومع ارتفاع تكلفة الحصول على الدولار في السوق الموازية، ترتفع كلفة تغطية بعض الاحتياجات المرتبطة بالاستيراد، وهو ما قد ينعكس على الأسعار النهائية التي يتحملها المواطن.
وبذلك تتحول أزمة سعر الصرف من ملف نقدي إلى ضغط أوسع على القدرة الشرائية، خصوصا عندما يتزامن تراجع قيمة الدينار مع ارتفاع تكاليف السلع والخدمات.
وبحسب رؤية الشريف، فإن المضاربة على الدولار تمثل عاملا إضافيا في حركة السوق، لأن شراء العملة بهدف الاحتفاظ بها أو إعادة بيعها عند ارتفاع السعر يخلق طلبا لا يرتبط بالاستخدام المباشر للعملة الأجنبية.
ومع كل ارتفاع جديد، قد تتزايد توقعات المتعاملين بمزيد من الصعود، وهو ما يشجع على الاحتفاظ بالدولار بدلا من بيعه، ويقلل المعروض المتداول في السوق، مقابل استمرار الطلب.
وتصبح النتيجة مزيدا من الضغط على سعر صرف الدينار في السوق الموازية.
وأشار الشريف، إلى أن هذا النوع من الطلب ليس دائما، وأنه يمكن أن يتراجع عندما تنتهي الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تدهور قيمة الدينار ويستقر سعر الصرف لفترة من الزمن.
وأوضح أن استقرار سعر الصرف لفترة كافية يمكن أن يحد من دوافع المواطنين لشراء الدولار بهدف حماية مدخراتهم، وبالتالي يتراجع الطلب الإضافي الناتج عن المضاربة والاحتفاظ بالعملة الأجنبية كملاذ آمن.
وبحسب هذا التصور، فإن معالجة أسباب تراجع الدينار واستعادة قدر من الاستقرار في سوق الصرف يمكن أن تؤدي إلى تراجع تدريجي في الطلب غير المرتبط بالاستيراد أو النشاط الاقتصادي المباشر.
ويضع صعود الدولار إلى 9.66 دينار مسألة الثقة في العملة المحلية في صدارة المشهد النقدي، خصوصا مع استمرار الفارق الواسع بين السعر الرسمي والسوق الموازية.
فكلما زادت المخاوف من استمرار تراجع الدينار، ارتفعت حوافز الاحتفاظ بالدولار، بينما يؤدي ارتفاع الطلب بدوره إلى مزيد من الضغط على سعر الصرف.
ومن هنا، فإن استقرار السوق لا يرتبط فقط بتوفير الدولار، وإنما أيضا بقدرة السياسات النقدية والمالية على معالجة العوامل التي تدفع المواطنين إلى تحويل مدخراتهم من الدينار إلى العملة الأجنبية.
شهد سبتمبر تحركات متقلبة للدولار في السوق الموازية؛ ففي 5 سبتمبر كان السعر عند 9.22 دينار، قبل أن يصعد إلى 9.27 ثم 9.32 دينار، ويتراجع مؤقتا إلى 9.15 دينار في 8 سبتمبر، قبل أن يستأنف الصعود إلى 9.28 ثم 9.32 دينار.
وفي 18 سبتمبر، سجل الدولار في طرابلس 9.57 دينار، وفي بنغازي 9.56 دينار، بينما بلغ 9.575 دينار في زليتن، وسط استمرار التذبذب وارتفاع الطلب على النقد.
ثم وصل الدولار إلى 9.62 دينار بنهاية تعاملات السبت، في مؤشر جديد على استمرار الضغط على الدينار في السوق الموازية.
وفي المقابل، ظل السعر الرسمي أقل بكثير من مستويات السوق الموازية، وهو ما يبقي فجوة الصرف أحد أبرز ملامح المشهد النقدي الليبي حاليا.
وبينما يبدو الرقم 9.66 دينار مجرد سعر جديد للدولار في السوق الموازية، فإن دلالته تتجاوز حركة البيع والشراء اليومية، إذ تعكس تحركات العملة الأجنبية مخاوف متزايدة بشأن قيمة الدينار وقدرته على الاحتفاظ بقيمته.
وبحسب تفسير الشريف، فإن المواطن الذي يتجه إلى الدولار لحماية مدخراته لا يصنع بالضرورة المشكلة من بدايتها، وإنما يستجيب لتوقعات مرتبطة بتراجع قيمة العملة المحلية.
وعليه، فإن الحد من الطلب المضاربي لا ينفصل عن معالجة الأسباب التي تدفع المواطنين إلى اعتبار الدولار ملاذا آمنا، وفي مقدمتها استعادة الاستقرار في سعر الصرف وتعزيز الثقة في الدينار.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤