في ليبيا، يبدو أن الطريق إلى معالجة الأزمة الاقتصادية قد يُختصر أحيانًا في المكان الأسهل: جيب المواطن.
لكن المشكلة التي يطرحها رئيس قسم الاقتصاد في جامعة بنغازي، حلمي القماطي، أكثر تعقيدًا من جدول للمرتبات أو عملية حسابية لتقليص بند من بنود الإنفاق. فبلد يمتلك موارد نفطية كبيرة لا يفترض أن يضع موظفيه أمام معادلة يكون فيها خفض الدخل خيارًا أوليًا، بينما تتصاعد الأسعار وتتراجع القوة الشرائية وتبقى الأسئلة الأصعب حول الإنفاق العام والاعتمادات والرقابة والفساد بلا إجابات حاسمة.
القماطي، في منشور عبر فيسبوك، انتقد اختزال الأزمة الليبية في بند المرتبات ووضع جدول موحد لخفضها، معتبرًا أن ذلك لا يمثل إصلاحًا اقتصاديًا في ظل التضخم والاختلالات النقدية والمالية وارتفاع تكاليف المعيشة.
وتلك ليست، في جوهرها، معركة أرقام فقط. إنها معركة حول فلسفة إدارة الدولة: هل يبدأ الإصلاح من المواطن الذي يعتمد على راتبه، أم من المنظومة التي تحدد كيف تنفق الدولة أموالها وكيف تدار مواردها؟
المشكلة، وفق رؤية القماطي، ليست في المرتبات وحدها. فهو يشير إلى أن جذور الاختلال المالي أوسع، وتتصل بعدم ضبط أبواب الإنفاق، وعدم توحيد المؤسسات، وضعف تفعيل الرقابة على الإيرادات والمصروفات، فضلًا عن ما وصفه بمظاهر فساد المسؤولين وشبكات المصالح والهدر المرتبط بمنظومة الاعتمادات.
ومن منظور اقتصادي، فإن معالجة بند واحد من الموازنة لا تكفي إذا ظلت بقية مكونات المنظومة المالية تعاني الاختلال. أما من المنظور الاجتماعي، فإن خفض دخول المواطنين في بيئة تضخمية يعني نقل جانب من تكلفة الإصلاح مباشرة إلى الأسر، التي تواجه أصلًا ارتفاعًا في الأسعار وتكاليف العلاج والمعيشة.
ولهذا يحذر القماطي من أن خفض المرتبات قد يؤدي إلى مزيد من الضغط على القوة الشرائية، وتراجع مستوى المعيشة، واتساع دائرة الفقر، من دون أن يمثل ذلك ضمانة لمعالجة العجز أو إغلاق منافذ الهدر.
السؤال الذي لا يريد أحد الإجابة عنه
ربما لا تكمن العقدة الليبية في السؤال التقليدي: كم تنفق الدولة؟
وهنا تكتسب دعوة القماطي إلى الاستعانة بالاقتصاديين دلالة تتجاوز الجانب الفني. فهو يقول للمسؤولين إن عليهم الذهاب إلى الخبراء والاستماع إليهم بدل انتظار وصولهم إلى مكاتب السلطة، معتبرًا أن من ينظر إلى الاقتصاد من مكتب المسؤول قد يراه من زاوية مختلفة عن الاقتصادي الذي ينظر إليه من زاوية الوطن والمواطن والأرقام والمستقبل.
النفط موجود، لكن المواطن قد يبحث عن الوقود. المال موجود، لكن السيولة قد تشح. المؤسسات الرقابية موجودة، بينما يستمر القلق من تمدد الفساد. وتوجد مجالس وحكومات ومؤسسات عديدة، لكن الخدمات الأساسية لا تزال دون مستوى ما يفترض أن توفره دولة نفطية.
القماطي يضع هذه المفارقة في قلب رؤيته، معتبرًا أن ليبيا لا تعاني من نقص في الثروة، وإنما من أزمة في إدارة الثروة وتوزيع آثارها.
وهنا تتحول الوفرة النفطية من ميزة اقتصادية إلى سؤال سياسي: لماذا لا تنعكس الموارد العامة بصورة أكثر وضوحًا على حياة المواطنين؟
فالنفط ليس مجرد سلعة تصدرها الدولة، وإنما مصدر رئيسي للإنفاق العام، ومن ثم فإن طريقة إدارة عائداته تحدد إلى حد كبير شكل العلاقة بين الدولة والمجتمع.
الأخطر في المشهد، وفق الطرح الذي قدمه القماطي، أن الخلل لم يعد محصورًا في أداء فرد أو مؤسسة بعينها، بل بات مرتبطًا، بحسب وصفه، بانتشار الفساد داخل أروقة مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية والإدارية، وبقوة النفوذ والمصلحة والمحاصصة مقارنة بسلطة القانون.
وهذه قراءة تجعل الأزمة الاقتصادية امتدادًا للأزمة السياسية.
فعندما تتعدد مراكز القرار، وتتداخل المؤسسات، وتتوزع المسؤولية، تصبح محاسبة صاحب القرار أكثر تعقيدًا، بينما يظل المواطن هو الطرف الأكثر تعرضًا للنتائج.
وعند هذه النقطة تحديدًا، لا يعود التضخم مجرد مؤشر اقتصادي، ولا تصبح أزمة السيولة مجرد مشكلة مصرفية، ولا يتحول تعثر الكهرباء إلى ملف خدمي منفصل. جميع هذه الأزمات تصبح انعكاسات لخلل أوسع في قدرة الدولة على إدارة مواردها وتحويلها إلى خدمات وفرص واستقرار.
يرى القماطي أن الثروة تحولت من نعمة إلى نقمة، وأن المال العام ابتعد عن وظيفته الأساسية باعتباره أداة لبناء الدولة وتحسين حياة المواطنين، ليصبح مجالًا تتنافس عليه مراكز النفوذ.
وبصرف النظر عن اختلاف التقديرات السياسية حول حجم هذه الظاهرة وأسبابها، فإن النتيجة التي يراها المواطن لا تحتاج إلى تفسير نظري طويل: أسعار ترتفع، وقوة شرائية تتراجع، وبطالة قائمة، وخدمات متعثرة، وكهرباء تواجه أزمات، وبنية تحتية لا تعكس الإمكانات التي تمتلكها البلاد.
وهنا تبدو المسألة أكثر من مجرد خلاف حول سياسة مالية. إنها قضية ثقة بين المواطن والدولة.
وفي بلد تعاني مؤسساته من الانقسام السياسي، تصبح الحكومة أمام اختبار يتجاوز قدرتها على تمرير قرارات مالية إلى قدرتها على إقناع المواطن بأن الإصلاح لن يتحول إلى تحميله وحده تكلفة سنوات من الاختلال.
فإذا كان المطلوب إصلاح المالية العامة، فإن السؤال الطبيعي هو: لماذا لا يبدأ الإصلاح من الإنفاق غير الضروري والهدر ومكامن الفساد وضعف الرقابة قبل المساس بالدخل الذي تعتمد عليه الأسرة؟
وإذا كانت قيمة الدينار والقوة الشرائية في تراجع، فإن خفض الدخل الاسمي قد يزيد الضغط بدل أن يحل المشكلة.
وإذا كانت منظومة الاعتمادات بحاجة إلى ضبط، فإن المطلوب هو ضبطها.
وإذا كانت الرقابة بحاجة إلى تفعيل، فإن المطلوب هو تفعيلها.
أما أن تصبح المرتبات الحلقة الأسهل في سلسلة الإصلاح، فذلك هو جوهر التحفظ الذي عبر عنه القماطي.
القماطي يلخص موقفه بوضوح: أصلحوا الإنفاق، واجهوا الفساد، اضبطوا الاعتمادات، واحموا قيمة الدينار، ثم حاسبوا الأرقام.
وهذه الرؤية تضع المسؤولية في مكان مختلف. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بحجم ما جرى تخفيضه من المصروفات، بل بحجم ما جرى إصلاحه من أسباب الخلل.
قد يكون خفض المرتبات قرارًا سهلًا من الناحية الإدارية، لكن إصلاح مؤسسات الدولة، وفرض الرقابة، ومواجهة تضارب المصالح، وضبط الإنفاق، وإعادة الاعتبار للخبرة الاقتصادية، كلها ملفات أكثر صعوبة وكلفة سياسيًا.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست بين الحكومة والمرتبات، ولا بين المواطن والموازنة.
المعركة هي بين نموذج دولة تُحمّل المواطن كلفة الاختلال، ونموذج آخر يحاول معالجة الاختلال من جذوره.
أبوسنينة يحذر من تداعيات رفع دعم الوقود وخفض الدينار على التضخملا تقول تصريحات القماطي إن كل مشكلة اقتصادية سببها الحكومة وحدها، ولا تقدم وصفة وحيدة لمعالجة الاقتصاد الليبي؛ لكنها تضع بوضوح مسألة ترتيب الأولويات في صدارة النقاش.
وهنا تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع السياسة: حين يُستبعد الخبير، وتُهمش الأرقام، وتغيب الرقابة، يصبح القرار المالي عرضة للارتجال والمصالح المتنافسة.
أما المواطن، فيبقى في نهاية السلسلة، يدفع ثمن ارتفاع الأسعار، وينتظر السيولة، ويبحث عن الوقود، ويواجه ضعف الخدمات، ثم يُطلب منه أن يتحمل مزيدًا من أعباء الإصلاح.
في النهاية، تختصر ليبيا مفارقة نادرة: دولة غنية بالموارد، لكنها عاجزة عن تحويل هذه الثروة إلى شعور مستقر بالرفاه والأمان الاقتصادي.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يتصدر أي نقاش جاد حول مستقبل الاقتصاد الليبي ليس فقط: كم تبلغ فاتورة المرتبات؟
بل: كم تخسر الدولة بسبب سوء الإدارة والهدر والاختلال قبل أن تصل الثروة إلى المواطن؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لأي سلطة تدّعي أنها تريد إصلاح الاقتصاد: أن تجعل القانون أقوى من النفوذ، والرقابة أقوى من المصالح، والمال العام ملكًا للمواطن، وأن تبدأ معالجة الأزمة من جذورها بدل البحث عن أسهل فاتورة يمكن تحميلها لمن يملك أقل قدرة على رفضها.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤