تتصاعد أزمة شح المياه المعبأة في السوق الليبية مع تراجع المعروض وارتفاع الأسعار، في وقت تتداخل فيه عوامل مرتبطة بالإنتاج والطاقة والنقل مع مخاوف من استغلال نقص السلعة الأساسية عبر المضاربة أو حجب الكميات أو التحكم في قنوات التوزيع، ما يضع السوق أمام اختبار حقيقي لمدى فاعلية المنافسة والرقابة.
وقال رئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار، الدكتور سلامة إبراهيم الغويل، في تصريح لشبكة «عين ليبيا»، إن المجلس ينظر «بجدية وقلق» إلى ما يحدث، لأن المياه المعبأة أصبحت من السلع الأساسية المرتبطة مباشرة بحياة المواطن.
وأوضح الغويل أن هناك أسبابًا حقيقية قد تقف وراء النقص، من بينها اضطراب الكهرباء والطاقة، وارتفاع الطلب، ومشكلات الإنتاج والنقل، إلا أن واجب المجلس، بحسب قوله، هو التحقق من أن الأزمة لم تتحول إلى فرصة لحجب السلعة أو المضاربة عليها أو التحكم في الكميات والأسعار.
وأشار إلى أن المجلس، «رغم حرمانه من الميزانيات اللازمة وعدم تمكينه من تنفيذ كامل اختصاصاته، وضعف تعاون بعض الجهات التنفيذية»، ما زال يمارس دوره وفق الإمكانات المتاحة، مؤكدًا أنه من المؤسسات الوطنية التي حافظت على وحدتها ولم تنقسم.
وأضاف أن الأحكام القضائية الصادرة لصالح المجلس عززت مركزه القانوني واستقلاله واختصاصه في حماية المنافسة ومواجهة الممارسات الاحتكارية.
لا اتهامات قبل التحقق من الوقائع
وحول ما إذا كان المجلس قد تلقى شكاوى أو بلاغات بشأن استغلال أزمة نقص المياه لرفع الأسعار أو التحكم في الكميات، قال الغويل إن المجلس يتابع ما يرد إليه وما يُثار في السوق، مؤكدًا أنه «لا يجوز أن نتهم منتجًا أو موزعًا قبل التحقق من الوقائع».
وأوضح أن القانون يسمح للمجلس بالتحرك متى ظهرت مؤشرات جدية على وجود اتفاقات سعرية أو حجب للكميات أو إساءة استغلال وضع مهيمن، مشددًا على أن التحرك «لا ينبغي أن يتوقف دائمًا على وجود شكوى فردية».
تتبع المياه من المصنع إلى نقطة البيع
واعتبر الغويل أن محدودية الكميات التي تصل من المصانع إلى التجار تمثل «نقطة أساسية في التحقيق الاقتصادي»، موضحًا أن الأمر يتطلب تتبع السلعة من المصنع إلى الموزع، ثم تاجر الجملة ونقطة البيع، ومقارنة حجم الإنتاج بالكميات الموزعة والمخزون والأسعار.
وقال: «فإذا كان الإنتاج موجودًا بينما الكميات لا تصل بصورة طبيعية إلى السوق، فعلينا تحديد أين حدث الاختناق، وهل هو نتيجة ظرف تشغيلي حقيقي أم ممارسة متعمدة للتحكم في العرض».
الاحتكار يبدأ باستخدام القوة للسيطرة على السوق
وفيما يتعلق باحتمالات تحول أزمة المياه إلى سوق احتكارية إذا سيطرت جهات محددة على الإنتاج أو التوزيع، أوضح الغويل أن الاحتكار «لا يعني مجرد وجود شركة كبيرة»، وإنما يبدأ الخطر عندما تمتلك جهة أو مجموعة جهات قوة مؤثرة في السوق ثم تستخدمها للتحكم في العرض أو السعر، أو إقصاء المنافسين، أو تقسيم الأسواق، أو فرض شروط غير عادلة.
وأكد أن الأزمة الحالية تستوجب كذلك دراسة خريطة سوق المياه المعبأة في ليبيا وحصص المنتجين والموزعين ودرجة تركز السوق، قائلًا إن «الوقاية من الاحتكار تبدأ بمعرفة من ينتج، ومن يوزع، ومن يسيطر فعليًا على وصول السلعة إلى المواطن».
ارتفاع الأسعار يحتاج إلى تحليل عناصر التكلفة
وحول مدى تناسب ارتفاع أسعار المياه مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، قال الغويل إنه «لا يمكن الحكم بمجرد مقارنة الأسعار»، موضحًا أن المطلوب هو تحليل عناصر التكلفة قبل الأزمة وأثناءها، وتشمل الطاقة، والعبوات والمواد الخام، والنقل، والأجور والتوزيع وغيرها.
وأشار إلى أنه إذا كانت الأسعار ترتفع بنسب لا تفسرها التكاليف أو ظروف العرض والطلب، أو ظهرت زيادات متزامنة ومتشابهة بين أطراف السوق دون مبرر اقتصادي، فإن ذلك يمثل «مؤشرات تستوجب الفحص».
التخزين المتعمد قد يتحول إلى ممارسة مقيدة للمنافسة
وفي شأن الحديث عن تخزين المياه أو إخراجها من السوق المحلية، أكد الغويل أن المجلس لا يريد إصدار أحكام دون أدلة، لكنه أوضح أنه إذا ثبت وجود تخزين أو حجب متعمد لكميات متاحة بهدف خلق ندرة مصطنعة ورفع الأسعار، أو وجود تنسيق بين أطراف السوق للتحكم في الكميات، فإن الأمر يصبح «شبهة ممارسة مقيدة للمنافسة تستوجب التحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية».
تحرك عاجل لمتابعة سلسلة الإمداد
وأوضح رئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار أن المجلس يستطيع، في حدود اختصاصه القانوني، فتح الفحص والتحري، وطلب بيانات الإنتاج والمخزون والتوزيع والمبيعات والأسعار، ودراسة حصص الشركات والموزعين، والتحقق من وجود اتفاقات أو ممارسات مقيدة للمنافسة، واتخاذ الإجراءات القانونية وإحالة ما يستوجب الإحالة إلى الجهات المختصة.
ويرى الغويل أن الوضع يستدعي «فريقًا وطنيًا عاجلًا» يضم الجهات الاقتصادية والرقابية والتنفيذية المختصة، بحيث تتم متابعة المياه من الإنتاج إلى المستهلك.
وأضاف: «مجلس المنافسة يستطيع تشخيص الخلل واتخاذ إجراءاته القانونية، لكن ضبط سلسلة الإمداد وتنفيذ القرارات على الأرض يحتاج إلى تعاون أجهزة الدولة».
أزمة صيفية أم خلل أعمق في السوق؟
وحول ما إذا كانت الأزمة مؤقتة ومرتبطة بالكهرباء وارتفاع درجات الحرارة، أم أنها تكشف خللًا مزمنًا في السوق، قال الغويل إن الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة وزيادة الاستهلاك «قد تكون عوامل مباشرة في تفجر الأزمة»، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن «هشاشة أعمق في السوق الليبي».
وحدد هذه الهشاشة في «ضعف سلاسل الإمداد، وعدم استقرار الطاقة، وقلة البدائل في بعض المناطق، وضعف البيانات والرقابة، وإمكانية تركّز الإنتاج أو التوزيع».
وشدد على أنه «لا ينبغي معالجة الأزمة باعتبارها أزمة صيف وتنتهي»، بل يجب أن تقود إلى إصلاح طويل المدى يوسع قاعدة المنتجين، ويمنع السيطرة على قنوات التوزيع، ويشجع الاستثمار والمنافسة، ويضمن استمرار وصول سلعة أساسية للمواطن.
الغويل: لا نملك الإمكانات الكافية لمواجهة الاحتكار
وفي رده على التساؤلات بشأن قدرة المجلس على حماية السوق في ظل نقص الإمكانات وعدم التعاون التنفيذي، وصف الغويل ذلك بأنه «إحدى المفارقات التي نواجهها».
وأوضح أن المجلس يمتلك قانونًا قويًا واختصاصًا واضحًا في حماية المنافسة ومنع الاحتكار، لكن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة لم تمكّن المجلس من الميزانيات والإمكانات اللازمة لممارسة كامل اختصاصاته، إلى جانب غياب مستوى التعاون المطلوب من بعض الجهات التنفيذية.
ورغم ذلك، أكد أن المجلس «بقي مؤسسة وطنية موحدة وغير منقسمة، وحافظ على وجوده واستقلاله»، مشيرًا إلى أن القضاء الليبي عزز ذلك من خلال الأحكام الصادرة لصالح المجلس.
وقال الغويل: «من غير المنطقي أن نطالب مؤسسة بمواجهة الاحتكار وحماية المنافسة والمستهلك، ثم نحرمها من الموارد والأدوات التنفيذية اللازمة للقيام بذلك».
وختم رئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار بالتأكيد على أن نقص الإمكانات لن يكون مبررًا للصمت، قائلًا: «سنعمل بما يتيحه القانون، وسنتعاون مع كل جهة وطنية مستعدة لحماية السوق، لأن القضية في النهاية ليست قضية مجلس أو حكومة، وإنما أمن اقتصادي وحق للمواطن في الحصول على سلعة أساسية بسوق تنافسية عادلة، لا تتحكم فيها الندرة المصطنعة أو الاحتكار أو استغلال الأزمات».
المصدر:
عين ليبيا