لم يكد اتفاق «4+4» يفتح نافذة أمام تحريك الجمود السياسي في ليبيا، حتى عادت أزمة الشرعية لتفرض نفسها على المشهد من داخل مؤسسات السلطة في طرابلس، بعدما تحولت تصريحات وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية وليد اللافي إلى شرارة لخلاف جديد بين المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية.
فالجدل لم يعد يدور فقط حول الانتخابات أو القوانين المنظمة لها أو إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات، وإنما امتد إلى السؤال الأكثر حساسية: من يملك الشرعية اليوم؟ ومن أين تستمد المؤسسات القائمة حقها في ممارسة السلطة؟
وجاء التصعيد بعدما وصف اللافي السلطة القائمة في غرب ليبيا بأنها «سلطة أمر واقع»، وهو توصيف رد عليه رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بصورة مباشرة، مطالبا رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة بتحديد موقف رسمي من تصريحات وزيره.
المنفي اعتبر أن تصريحات اللافي تتجاوز حدود الرأي الشخصي، لأنها تطرح، بحسب موقفه، تساؤلات جوهرية حول حقيقة موقف حكومة الوحدة والأساس الذي تستند إليه في ممارسة سلطاتها.
وأكد أن الجهة التي تستمد وجودها من مرجعية سياسية لا يمكنها أن تتنكر لهذه المرجعية، رافضا اختزال السلطة التنفيذية الموحدة في أحد طرفي البلاد أو إدارة الدولة بمنطق التغلب وفرض الأمر الواقع.
ولم يكتف رئيس المجلس الرئاسي بالاعتراض السياسي، بل طالب الدبيبة بموقف رسمي واضح من تصريحات وزيره، معلنا أن القضية ستطرح «بكامل أبعادها» أمام القوى الوطنية المعنية، مع الإشارة إلى إبقاء الخيارات الوطنية والمؤسسية مفتوحة.
وهنا تتحول تصريحات وزير إلى اختبار مباشر للعلاقة بين مؤسستين يفترض أنهما تعملان ضمن سلطة تنفيذية واحدة.
الاتفاق الموقع في 30 أغسطس الماضي، برعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، يستهدف استكمال خارطة الطريق السياسية، وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرا.
وبالتالي فإن إعادة فتح ملف شرعية المؤسسات القائمة في هذه اللحظة تطرح سؤالا حول مستقبل السلطة التنفيذية نفسها خلال المرحلة الانتقالية التي يفترض أن تقود إلى الانتخابات.
وهذا البند يضع حكومة الوحدة والمجلس الرئاسي أمام استحقاق سياسي حساس، خصوصا أن استمرار المؤسسات الحالية لسنوات من دون إجراء الانتخابات أبقى مسألة الشرعية محل جدل مستمر.
وبحسب ما أعلن عقب توقيع الاتفاق، فإن الهدف هو الوصول إلى انتخابات تشريعية ورئاسية خلال مدة أقصاها 24 شهرا، إلى جانب إعادة تشكيل مجلس المفوضية وتعديل الأطر القانونية والدستورية ذات الصلة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي بدأ يطفو بقوة هو: هل ستبقى مؤسسات السلطة الحالية كما هي حتى الانتخابات، أم أن الطريق إلى الانتخابات سيحتاج إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية نفسها؟
المفارقة أن الدبيبة نفسه رحب عند توقيع اتفاق «4+4» باعتباره خطوة لإنهاء المراحل الانتقالية والذهاب إلى الانتخابات.
وأكد أن رؤيته تتمثل في أن يكون القرار للشعب الليبي عبر انتخابات تمنح المؤسسات شرعيتها الحقيقية من إرادة المواطنين، بعيدا عن ترتيبات تعيد إنتاج الأجسام القائمة.
لكن تصريحات وزير في حكومته، عندما تصف السلطة القائمة بأنها «سلطة أمر واقع»، تضع الدبيبة أمام معادلة سياسية صعبة.
فإما أن يوضح أن كلام الوزير لا يمثل موقف الحكومة، أو أن يترك التصريح مفتوحا بما يسمح بقراءة سياسية مفادها أن السلطة التنفيذية نفسها تعترف بأن استمرارها يستند إلى واقع سياسي أكثر منه إلى تفويض انتخابي جديد.
وفي الحالتين، فإن صمت الحكومة أو تأخرها في توضيح موقفها قد يزيد من مساحة الخلاف مع المجلس الرئاسي.
الأزمة في جوهرها ليست وليدة تصريحات اللافي، فشرعية السلطة التنفيذية المؤقتة ظلت موضع نقاش منذ انتهاء المدة التي كان يفترض أن تقود خلالها البلاد إلى انتخابات عامة.
وتشكلت السلطة التنفيذية الحالية في 2021 ضمن ترتيبات ملتقى الحوار السياسي الليبي، وكان الهدف الأساسي إنهاء الانقسام السياسي وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات.
لكن تعثر الاستحقاق الانتخابي أدى إلى استمرار المؤسسات الانتقالية، بينما ظهرت في المقابل قوى وأجسام سياسية تنازعها شرعية التمثيل.
وبذلك تحولت المرحلة الانتقالية من جسر قصير نحو الانتخابات إلى حالة سياسية ممتدة، أصبح فيها السؤال عن الشرعية يتجدد مع كل محاولة لإعادة ترتيب السلطة.
الخلاف الحالي يعيد أيضا طرح السؤال الأكبر في الأزمة الليبية: هل الشرعية تأتي من الاتفاقات السياسية، أم من المؤسسات القائمة، أم من السيطرة الفعلية على الأرض، أم من صناديق الاقتراع؟
وهذا السؤال يمثل جوهر الأزمة التي تعيشها ليبيا منذ سنوات، فالاتفاقات السياسية أنتجت مؤسسات انتقالية، لكن عدم إجراء الانتخابات جعل هذه المؤسسات عاجزة عن اكتساب تفويض شعبي جديد، في حين أن استمرارها فرض نفسه باعتباره أمرا واقعا سياسيا.
وهنا تصبح الانتخابات أكثر من مجرد استحقاق انتخابي؛ فهي الوسيلة التي يمكن أن تنقل الشرعية من الترتيبات الانتقالية إلى تفويض شعبي مباشر.
الخطر الحقيقي لا يكمن في التصريحات وحدها، وإنما في إمكانية انتقال الخلاف من مستوى سياسي إلى صدام مؤسسي.
فالمجلس الرئاسي يرى نفسه جزءا من السلطة التنفيذية التي أفرزتها ترتيبات الحوار السياسي، بينما تتمتع حكومة الوحدة بأدوات تنفيذية واسعة وبنفوذ سياسي وأمني في طرابلس ومناطق من غرب البلاد.
وأي مواجهة مفتوحة بين الطرفين يمكن أن تخلق أزمة جديدة داخل معسكر السلطة في طرابلس، في وقت تحاول فيه بعثة الأمم المتحدة الدفع باتجاه مسار سياسي ينهي الانقسام.
كما أن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن الخلافات السياسية في ليبيا لا تبقى دائما داخل المؤسسات، بل يمكن أن تتقاطع مع موازين القوى الأمنية والعسكرية على الأرض.
ولا تقتصر التباينات على العلاقة بين المنفي والدبيبة، إذ ظهرت خلال الفترة الماضية خلافات داخل المجلس الرئاسي نفسه بشأن عدد من الملفات والقرارات.
وتزداد حساسية هذه الخلافات مع اقتراب إعادة ترتيب المؤسسات المرتبطة بالانتخابات، ومع طرح اتفاق «4+4» تصورات لإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وقد ناقشت اللجنة السياسية بالمجلس الأعلى للدولة مخرجات «4+4»، وقررت إعداد موقف بشأن انعكاساتها القانونية والمؤسسية على المرحلة المقبلة، بما يؤكد أن الاتفاق نفسه لم يغلق باب الخلاف حول تفاصيل المرحلة الانتقالية.
كان يفترض أن يمنح الاتفاق الجديد دفعة للمسار السياسي، خصوصا أنه وضع سقفا زمنيا لا يتجاوز 24 شهرا للوصول إلى الانتخابات.
لكن عودة الخلاف حول شرعية المؤسسات في طرابلس بعد أيام قليلة من توقيعه تكشف أن العقبة لا تكمن فقط في الاتفاق على موعد الانتخابات، وإنما في من سيدير المرحلة التي ستقود إليها.
فإذا بقيت المؤسسات الحالية في مواجهة بعضها البعض، فإن أي ترتيبات انتخابية ستظل معرضة للتعطيل عند أول خلاف حول الصلاحيات أو النتائج أو آليات الانتقال.
ولهذا فإن نجاح «4+4» لا يتوقف فقط على تنفيذ بنوده الفنية، وإنما على قدرة الأطراف السياسية على منع الخلاف حول السلطة من نسف المسار بأكمله.
في ضوء التطورات الأخيرة، يبرز سيناريو إعادة ترتيب السلطة التنفيذية باعتباره أحد الاحتمالات التي قد تعود إلى الطاولة بقوة.
فالانتخابات تحتاج إلى بيئة سياسية موحدة، والاتفاق نفسه يتحدث عن سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، بينما استمرار الخلاف بين المؤسسات القائمة قد يجعل تشكيل سلطة جديدة أحد الخيارات المطروحة لإنهاء المرحلة الانتقالية.
لكن هذا السيناريو يحمل بدوره مخاطر كبيرة، إذ إن تغيير المؤسسات من دون توافق واسع قد يؤدي إلى إنتاج أزمة شرعية جديدة بدلا من حل الأزمة الحالية.
ولهذا فإن أي إعادة تشكيل للسلطة لن تكون ناجحة ما لم تكن مرتبطة بجدول زمني واضح للانتخابات وضمانات تمنع تحول المرحلة الجديدة إلى انتقالية أخرى مفتوحة.
وسط هذا الجدل، تبدو الانتخابات هي النقطة التي يمكن أن تضع حدا لمعركة الشرعية.
فالمشكلة الأساسية في ليبيا ليست فقط تعدد المؤسسات، وإنما غياب تفويض انتخابي حديث يمنح مؤسسة واحدة القدرة على إدارة الدولة لفترة محددة وفق قواعد واضحة.
وكلما تأخرت الانتخابات، اتسعت مساحة التأويل السياسي للشرعية، وأصبح كل طرف قادرا على تقديم تفسير مختلف للأساس الذي يستند إليه.
أما إجراء انتخابات حقيقية وقابلة للقبول، فيمنح المؤسسات المنتخبة أساسا أقوى بكثير من أي اتفاق مؤقت أو ترتيبات انتقالية.
تكشف التطورات الأخيرة أن الاتفاق السياسي لم ينه أزمة السلطة، بل ربما نقلها إلى مرحلة جديدة.
فبعد أن كان الصراع يدور بين شرق وغرب حول المؤسسات والموارد والشرعية، بدأت الخلافات تظهر داخل المؤسسات الموجودة في طرابلس نفسها، ما يهدد بإعادة إنتاج الانقسام بصيغة مختلفة.
والاختبار الآن أمام المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة ليس فقط تحديد من يملك الشرعية، بل من يستطيع تحويل هذا الخلاف إلى تفاهم سياسي يخدم الانتخابات بدلا من أن يتحول إلى معركة جديدة على السلطة.
فإذا تمكنت الأطراف من احتواء التصعيد، يمكن أن يصبح الجدل الحالي جزءا من عملية إعادة تنظيم المرحلة الانتقالية.
أما إذا تحول إلى مواجهة مفتوحة، فقد يجد اتفاق «4+4» نفسه أمام أول عقبة حقيقية قبل أن يبدأ تنفيذ أهم بنوده.
وفي النهاية، تبقى المعادلة الأكثر وضوحا في المشهد الليبي: اتفاقات سياسية تمنح المؤسسات شرعية مؤقتة، ومراحل انتقالية تطول، وانتخابات مؤجلة؛ وبينها جميعا يبقى المواطن الليبي ينتظر شرعية يحسمها صندوق الاقتراع لا ميزان القوة ولا الأمر الواقع.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤