مع اقتراب موعد انطلاق العام الدراسي الجديد في ليبيا في 13 سبتمبر، يتصاعد الاحتقان داخل أوساط المعلمين، على خلفية مطالب بتحسين الأجور وتسوية الفروقات المالية وتفعيل العلاوات والمزايا التي ينص عليها القانون، وسط انقسام بين مؤيد لدعوات الإضراب ومعارض لها.
وتأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه قطاع التعليم تحديات متراكمة، أبرزها ضعف الأجور ونقص الكوادر التعليمية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يضع العام الدراسي الجديد أمام اختبار مبكر، ويثير مخاوف من انعكاس الخلافات على انتظام العملية التعليمية.
ويبلغ متوسط مرتب المعلم، وفق تقديرات نقابة المعلمين في طرابلس، نحو ألفي دينار شهريا، وهو دخل يرى معلمون أنه لم يعد يتناسب مع الارتفاع المستمر في أسعار الغذاء والسكن والمواصلات والخدمات.
ويقول معلمون إن الراتب يذهب في معظمه إلى الاحتياجات الأساسية، بينما تصبح مواجهة النفقات الطارئة أو تحمل أعباء الأسرة أكثر صعوبة، في ظل تراجع القوة الشرائية للدينار وارتفاع الأسعار.
وتزداد الضغوط مع اتساع الفارق بين السعر الرسمي للعملة والسوق الموازية، بما ينعكس على أسعار السلع والخدمات ويزيد الأعباء المعيشية على أصحاب الدخول المحدودة.
ووصف نقيب المعلمين في طرابلس أشرف بوراوي مطالب المعلمين بأنها «مشروعة»، مؤكدا تمسك النقابة بحقوق منتسبيها وعدم التنازل عنها حتى تسوية ملفاتهم.
واعتبر بوراوي أن بقاء مرتب المعلم عند حدود ألفي دينار أمر غير منطقي، خصوصا في ظل حصول قطاعات أخرى على زيادات وتسويات مالية، رغم أن المعلم يمثل أحد الأعمدة الأساسية لبناء الدولة وتخريج أجيالها.
ولا تتوقف الأزمة عند المرتبات، إذ يعاني قطاع التعليم أيضا نقصا في أعداد العاملين بمختلف التخصصات، الأمر الذي يرفع الأعباء عن كاهل المعلمين الموجودين في الخدمة ويزيد الضغط داخل المدارس.
وبحسب بيانات مركز المعلومات والتوثيق بوزارة التربية والتعليم، يبلغ عدد المعلمين والمعلمات في ليبيا نحو 19 ألفا و356 معلما ومعلمة موزعين على 136 مراقبة تعليمية.
وبلغت فاتورة مرتبات العاملين في قطاع التربية والتعليم خلال ميزانية عام 2025 نحو 15.77 مليار دينار، وهي تشمل العاملين في مراقبات التعليم بالمناطق ولا تقتصر على المعلمين وحدهم.
وتكشف هذه الأرقام حجم العبء المالي الذي يمثله قطاع التعليم على الميزانية العامة، في وقت تواجه فيه الدولة ضغوطا مالية واقتصادية تجعل ملف زيادة المرتبات أكثر تعقيدا.
ورغم تصاعد المطالب، لم يصدر حتى الآن رد حكومي مباشر بشأن زيادة أجور المعلمين وتسوية فروقاتهم المالية.
وتشير مصادر قريبة من منظومة التعليم إلى وجود تحفظات حكومية على زيادات الأجور بسبب التكلفة المالية الكبيرة المترتبة عليها، في ظل الأوضاع الاقتصادية والانقسام السياسي الذي يضغط على المالية العامة.
وفي المقابل، يطالب المعلمون بإجراءات ملموسة بدلا من الاكتفاء بالوعود، مؤكدين أن سنوات الانتظار لم تعد مقبولة في ظل تزايد الأعباء المعيشية.
وفي خضم الأزمة، برزت دعوات من «حراك المعلمين في ليبيا» إلى تأجيل الدراسة إلى حين توفير ظروف ملائمة للطلاب والمعلمين وأولياء الأمور، إلى جانب تعديل قانون مرتبات المعلمين وصرف الفروقات المالية وتفعيل العلاوات والمزايا المنصوص عليها قانونا.
ويؤكد رئيس الحراك أشرف محمد الهادي أن الدعوة إلى الإضراب جاءت نتيجة تراكم طويل للمطالب وتأخر معالجة الملفات المتعلقة بحقوق المعلمين وظروفهم المهنية والمعيشية.
كما هدد الحراك بمواصلة التصعيد النقابي السلمي والمنظم عبر الوسائل القانونية والإعلامية في حال عدم وجود استجابة جدية للمطالب.
في المقابل، لا تحظى هذه الدعوات بدعم نقابة المعلمين في طرابلس، التي وصفت الجهة الداعية إليها بأنها «جسم مجهول الهوية والمصدر»، مؤكدة أنها لا تمثل النقابة ولا تعبر عن موقفها الرسمي.
وقالت النقابة إنها تؤيد أي تحرك حقيقي وواضح ينطلق من داخل الميدان التربوي ويهدف إلى تحسين أوضاع المعلمين، لكنها ترفض ما تعتبره استغلالا لحالة الاحتقان من قبل جهات غير معلومة.
وحذرت النقابة من أن التحركات غير المنظمة قد تؤدي إلى زيادة البلبلة والتوتر وتهديد استقرار العملية التعليمية، مؤكدة أن أي تحرك احتجاجي يجب أن يكون مدروسا ومعلنا عبر قنواتها الرسمية.
وطرح بوراوي علاوة الحصة باعتبارها حلا مؤقتا يمكن أن يخفف جزءا من الأعباء المعيشية التي يتحملها المعلمون، مع التأكيد على أنها لا تمثل بديلا عن زيادة المرتبات بصورة شاملة ومستدامة.
كما طالب بإقرار مكافآت عادلة للإداريين ومديري المدارس والاختصاصيين، إلى جانب توفير تأمين صحي شامل للمعلمين وأسرهم.
وتطالب النقابة كذلك بوضع جدول زمني واضح وملزم لتنفيذ قانون زيادة مرتبات المعلمين وتسوية الفروقات المالية، بما ينهي حالة الانتظار التي يعيشها العاملون في القطاع.
ومع اقتراب موعد عودة الطلاب إلى المدارس، تبدو أزمة المعلمين أكبر من مجرد خلاف حول زيادة في المرتبات، إذ ترتبط بملف متكامل يشمل الأجور والفروقات والعلاوات ونقص الكوادر والظروف المهنية.
وبينما تتمسك الجهات التعليمية بضرورة عودة المعلمين إلى مدارسهم وبدء العام الدراسي في موعده، يصر المعلمون على أن استمرار العملية التعليمية دون معالجة أوضاعهم قد يعني استمرار الأزمة نفسها عاما بعد آخر.
وتضع هذه التطورات السلطات أمام اختبار حقيقي، فنجاح العام الدراسي لا يرتبط فقط بفتح أبواب المدارس، وإنما بقدرة الدولة على توفير بيئة تعليمية مستقرة، ومعالجة أوضاع المعلمين الذين يمثلون الحلقة الأساسية في استمرار العملية التعليمية.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤