آخر الأخبار

من دعم الوقود إلى الخصومة السياسية.. دعوة لمواجهة الأزمات بالحوار وإصلاح إدارة الموارد - أخبار ليبيا 24

شارك

أخبار ليبيا 24

إصلاح دعم الوقود بين كلفة الخزانة ومعاناة المواطن

فتح عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً الدكتور امراجع غيث نقاشاً واسعاً حول ملف دعم المحروقات، محذراً من أن معالجة هذه المعضلة لا ينبغي أن تقوم على التخويف من أي تغيير، ولا على وضع شروط تجعل الإصلاح مستحيلاً، بل على التفكير الجدي في خطوات تدريجية يمكن أن تمتد لسنوات.

وأوضح غيث أن طرح إصلاح الدعم لا يعني بالضرورة استبداله بصورة فورية، وإنما يستدعي وضع مسار عملي ومدروس لإعادة تنظيمه، معتبراً أن ربط أي إصلاح بتحقق مجموعة من الشروط التي يصعب اجتماعها قد يتحول إلى وسيلة لتعطيل مواجهة المشكلة بدلاً من حلها.

وتكتسب القضية بعداً اجتماعياً مباشراً في ظل التفاوت الكبير في أسعار المحروقات بين المناطق الرسمية والأسواق التي تتأثر بالتهريب. ويشير غيث إلى أن المواطن في الجنوب قد يشتري لتر البنزين بما لا يقل عن ثلاثة دنانير، بينما يصل سعر لتر الديزل إلى ستة دنانير على الأقل، نتيجة نشاط التهريب والاستفادة غير المشروعة من منظومة الدعم.

ويرى أن المفارقة تكمن في أن الدعم الذي يفترض أن يخفف أعباء المعيشة عن المواطن تحول، في بعض جوانبه، إلى بيئة تسمح بتسرب المال العام، حتى أصبح لتر البنزين داخل المنظومة الرسمية أرخص من لتر المياه بفارق كبير.

مصدر الصورة من دعم الوقود إلى الخصومة السياسية.. دعوة لمواجهة الأزمات بالحوار وإصلاح إدارة الموارد

بين البحث عن الحل وتبرير استحالة التغيير

وفي قراءة أوسع لطريقة إدارة الملفات العامة، يضع غيث معياراً مختلفاً للحكم على أداء المتخصصين وصناع القرار، مؤكداً أن الفارق الحقيقي ليس بالضرورة بين المتخصص وغير المتخصص، وإنما بين من يبحث عن الوسائل الممكنة لإحداث التغيير ومن ينشغل بإثبات أسباب استحالته.

وتحمل هذه الرؤية دلالة سياسية وإدارية في بلد يواجه منذ سنوات أزمات متراكمة في إدارة المال العام والخدمات والموارد، إذ إن استمرار الجدل حول صعوبة الإصلاح من دون الانتقال إلى سياسات تنفيذية واضحة قد يبقي المشكلات في دائرة الترحيل من حكومة إلى أخرى.

الحاكم والمواطن.. من السلطة إلى المشاركة

وينتقل غيث من الاقتصاد إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، مؤكداً أن مفهوم الحكم في الدول المتقدمة اجتماعياً لم يعد قائماً على علاقة سلطة منفردة بالمواطن، وإنما على المشاركة في صناعة القرارات.

ويشدد على أن الحاكم لا يملك، وفق هذا التصور، اتخاذ قرارات تضر بمصلحة الشعب لتحقيق أغراض شخصية أو مصالح انتخابية، كما لا ينبغي توجيه أموال الخزانة العامة إلى الدعاية السياسية على حساب احتياجات المواطنين.

وتضع هذه الرؤية مسألة الإنفاق العام في قلب النقاش السياسي، خصوصاً عندما تتزامن المطالب الشعبية بتحسين الخدمات ومستوى المعيشة مع استمرار الإنفاق الحكومي وغياب الوضوح بشأن أولويات توزيع الموارد.

الفيدرالية وإعادة توزيع النفوذ والموارد

وفي ملف شكل الدولة، يرفض غيث تفسير المخاوف من النظام الفيدرالي باعتبارها مرتبطة بالضرورة بالخوف من تقسيم ليبيا، ويرى أن التخوف من الحكم المحلي القوي قد يرتبط، في بعض الحالات، بالخوف من فقدان السيطرة على الموارد والمكاسب والمصالح.

ويطرح غيث تصوراً يرى أن أقوى الدول المستقرة تضم نماذج اتحادية، بينما ترتبط هشاشة بعض الدول واستقرارها الضعيف بالنظم المركزية. وتأتي هذه الرؤية في سياق الجدل الليبي المستمر حول المركزية، وتوزيع الصلاحيات بين السلطة المركزية والمناطق، وإدارة الموارد العامة بصورة أكثر عدالة وفاعلية.

مصدر الصورة فوضى أسعار الوقود تفجّر فجوة قياسية وتحوّل الدعم إلى سوق سوداء

«الوهم المالي».. عندما تبدو الموارد أكبر من حقيقتها

ويخصص غيث مساحة واسعة لما يسميه «الوهم المالي»، وهو مفهوم يتعلق بتشوه إدراك الحكومات والأفراد للفوائد والتكاليف الحقيقية للسياسات المالية، بما قد يقود إلى قرارات تبدو جذابة على المدى القصير، لكنها تحمل تكاليف أكبر على المدى الطويل.

ويشرح أن السياسيين قد يستخدمون هذا الوهم للحصول على التأييد من خلال تقديم السياسات بطريقة تخفي تكلفتها الفعلية. فرفع الضرائب، على سبيل المثال، قد يهدف إلى تحسين الخدمات، لكنه في المقابل يقلص الدخل المتاح للمواطنين، بينما يمكن لخفض الضرائب أن يوحي بزيادة قدرة المواطنين على الإنفاق، من دون احتساب انعكاس ذلك على مستوى الخدمات الحكومية.

ويربط غيث هذا المفهوم بالحالة الليبية، مشيراً إلى أن دعم المحروقات قد تكون قيمته المالية أكبر من المنافع التي يحققها فعلياً للمواطن، وأن توجيه جزء من هذه الموارد إلى مجالات أخرى ربما يحقق عائداً اجتماعياً واقتصادياً أفضل.

ويحذر كذلك من أخطر صور الوهم المالي، المتمثلة في الاعتقاد بامتلاك إيرادات كافية لتغطية مختلف أوجه الإنفاق. فارتفاع الإيرادات بصورة مؤقتة، سواء بسبب زيادة الضرائب أو ارتفاع عائدات الموارد الطبيعية والنفط نتيجة تحسن الأسعار، قد يدفع الحكومات إلى زيادة الإنفاق وكأن الإيرادات الاستثنائية أصبحت مورداً دائماً.

الموازنة العامة واختبار واقعية الإيرادات

ويستشهد غيث بالموازنة الأخيرة الصادرة عن مجلس النواب، معتبراً أن فحص تقديراتها يكشف، من وجهة نظره، عن مبالغة في تقدير بعض الإيرادات، بينها الضرائب والجمارك وغيرها.

وبحسب طرحه، فإن تضخيم تقديرات الإيرادات يولد وهماً موازياً بشأن قدرة الدولة على الإنفاق، إذ تصبح النفقات مبنية على موارد متوقعة لا يضمن الواقع الاقتصادي تحققها بالمستوى المقدر.

ومن هنا يطرح غيث سؤالاً مباشراً: هل تعيش ليبيا بالفعل حالة من الوهم المالي؟

السؤال يتجاوز الأرقام المحاسبية إلى طبيعة إدارة الاقتصاد الليبي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، ويواجه في الوقت ذاته احتياجات اجتماعية متزايدة، وتحديات في ضبط الإنفاق، وتفاوتاً في مستوى الخدمات، وتسرباً للموارد عبر قنوات غير رسمية.

مصدر الصورة
اتساع التأييد لاتفاق 4+4 يمهد لانتخابات ليبيا وإنهاء الانقسام

الخصومة السياسية.. أزمة تتجاوز الاقتصاد

وفي الجانب السياسي والاجتماعي، ينتقد غيث ما يصفه بثقافة الخصومة الليبية الممتدة، معتبراً أن بعض الليبيين يتعاملون مع الخلافات وكأنها معارك لا يمكن أن تنتهي بالمصالحة أو التسامح.

ويشير إلى أن التاريخ يقدم نماذج متعددة لانتقال الخصوم من الحرب إلى السلام والتحالف، مستحضراً صلح الحديبية، والحرب العالمية الثانية، وكذلك الحرب بين مصر وإسرائيل التي انتهت إلى معاهدة سلام.

ويرى أن المفارقة الليبية تتمثل في أن الجميع يرفع شعار وحدة البلاد ولم الشمل، بينما تستمر في المقابل ممارسات سياسية وإعلامية تقوم على الاتهام والخصومة والطعن في كل شخصية أو مشروع مختلف معه، وصولاً إلى تداول روايات غير صحيحة بهدف الإساءة إلى الخصوم.

من دعم الوقود إلى الخصومة السياسية.. دعوة لمواجهة الأزمات بالحوار وإصلاح إدارة الموارد

الحوار باعتباره طريقاً للخروج من الأزمة

ويختتم غيث طرحه بالتأكيد على أهمية الحوار والتفاوض باعتبارهما أدوات لمعالجة الخلافات، مشدداً على أن التفاوض لا يكون مع من لا توجد معه مشكلة، وإنما مع الطرف الذي يوجد معه خلاف.

وفي بلد أنهكته الانقسامات السياسية والمؤسسية والصراعات على الموارد والنفوذ، تبدو الرسالة التي يطرحها غيث مرتبطة بمسارين متوازيين: إصلاح اقتصادي يتعامل مع كلفة الدعم والإنفاق والإيرادات بواقعية، ومسار سياسي واجتماعي يتجاوز منطق الخصومة المفتوحة نحو التسامح والحوار والمصالحة.

وبينما تبقى تفاصيل أي إصلاح للدعم مرتبطة بحماية المواطن وضمان عدم تحميله كلفة قرارات مالية غير مدروسة، فإن جوهر الطرح يتمثل في ضرورة الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، ومن استهلاك الموارد إلى بناء سياسة مالية أكثر انضباطاً، ومن الخصومة المستدامة إلى تسويات تحفظ وحدة الدولة وتضع مصلحة الليبيين فوق الحسابات السياسية الضيقة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا