وقّعت الأطراف السياسية والعسكرية المشاركة في لجنة الحوار المصغرة «4+4» اتفاقا جديدا يضع الانتخابات الرئاسية والتشريعية في صدارة المسار السياسي الليبي، محددا سقفا زمنيا لا يتجاوز 24 شهرا للوصول إلى الاستحقاق، ومشترطا إجراءه في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة.
وجاء توقيع الوثيقة في مقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالعاصمة طرابلس، بحضور المبعوثة الأممية هانا تيتيه، وسفراء وممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، إلى جانب أعضاء اللجنة الدولية لمتابعة مسار برلين.
وتشكل لجنة «4+4» من ثمانية أعضاء يمثلون مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والقيادة العامة للقوات المسلحة الليبية وحكومة الدبيبة، بواقع عضوين عن كل طرف، فيما تلا نص الاتفاق وليد اللافي والشيباني أبو همود، ممثلا طرفي حكومة الدبيبة والقيادة العامة داخل اللجنة.
لكن الوثيقة لا تفصل الانتخابات عن أزمة الانقسام المؤسسي، إذ تربط تنفيذ الاستحقاق بوجود سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، في محاولة لمعالجة واحدة من أكثر العقد تأثيرا في المشهد الليبي منذ سنوات.
ويمثل هذا الطرح، من المنظور الليبي، اختبارا عمليا لقدرة الأطراف المتنافسة على الانتقال من إدارة الانقسام إلى بناء ترتيبات سياسية تسمح بإجراء انتخابات تحظى بقبول أوسع، خصوصا أن التجارب السابقة أظهرت أن الخلاف حول السلطة التنفيذية والقواعد المنظمة للانتخابات كان من أبرز أسباب تعثر الاستحقاقات.
وتتضمن الوثيقة إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مع تسمية ضو إبراهيم عطية رئيسا للمجلس وسناء الليشاني نائبة للرئيس.
كما تتناول الوثيقة بصورة مباشرة بعض أكثر الملفات الانتخابية حساسية، وفي مقدمتها شروط ترشح العسكريين ومزدوجي الجنسية.
وتفتح الترتيبات الجديدة الباب أمام حاملي الجنسيات المزدوجة للترشح للانتخابات الرئاسية، لكنها تضع قيدا على المرشح الفائز، يتمثل في التخلي عن الجنسية غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية.
ولم تكتف الوثيقة بذلك، إذ اقترحت معالجة قانونية تسمح بإعادة العملية الانتخابية في حال تعذر استيفاء الفائز لهذا الشرط، بما يحول دون انتقال الخلاف بشأن الجنسية إلى أزمة دستورية وسياسية بعد إعلان النتائج.
كما تسمح الترتيبات للعسكريين بالمشاركة في الانتخابات الرئاسية، ناخبين ومرشحين، مع إخضاع ذلك للأطر القانونية اللازمة.
وحددت الوثيقة سقف التزكيات المطلوبة للترشح للرئاسة عند 20 ألف تزكية من الناخبين المسجلين، على أن تأتي من مختلف أنحاء ليبيا، في محاولة لإعطاء الترشح بعدا وطنيا يتجاوز نطاق التأييد المحلي أو الجهوي.
وفي الملف الدستوري، اختارت اللجنة منح البرلمان المنتخب دورا محوريا في معالجة مسائل الدستور الدائم، بما في ذلك اعتماده.
ويعني ذلك عمليا أن الوثيقة لا تجعل إنجاز الدستور شرطا سابقا بالضرورة لإجراء الانتخابات، وإنما تدفع بملف الدستور إلى مؤسسة تشريعية منتخبة، وهو توجه يمكن أن يحد من استخدام المسار الدستوري كأداة لتعطيل الاستحقاق الانتخابي، لكنه في المقابل يبقي مستقبل القواعد الدستورية رهنا بتوازنات البرلمان الذي ستفرزه الانتخابات.
ومن بين الترتيبات اللافتة في الاتفاق النص على عقد جلسات مجلس النواب المنتخب وجلسات السلطة التنفيذية دوريا بين طرابلس وبنغازي وسبها، وفق ترتيب ثابت.
ويحمل هذا البند بعدا يتجاوز الجانب الإجرائي، إذ يعكس محاولة لتكريس حضور مؤسسات الدولة في الأقاليم الثلاثة، وتجنب احتكار العاصمة للنشاط التشريعي والتنفيذي، بما قد يسهم في تخفيف أحد مظاهر التوتر المرتبطة بالمركزية والانقسام الجغرافي والسياسي.
لم تتجاهل الوثيقة احتمال عدم اعتمادها من المؤسسات السياسية القائمة، إذ وضعت مهلة شهر أمام مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لإقرارها.
وفي حال عدم الإقرار خلال هذه المهلة، تنص الترتيبات على سعي الأطراف إلى اعتماد الوثيقة على المستوى الوطني باعتبارها وثيقة دستورية عبر آليات وطنية واسعة، مع العمل على تأمين دعم دولي لها من خلال مجلس الأمن.
كما وضعت الوثيقة مسارا احتياطيا في حال تعذر إجراء الانتخابات خلال السقف الزمني المحدد، إذ تتعاون الأطراف مع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا للبحث عن الآلية المثلى التي تقود إلى الاستحقاق الانتخابي.
فقد اعترضت رئاسة المجلس الأعلى للدولة على الوثيقة، مستندة إلى عدم اطلاعها على مختلف بنودها، فيما انتقد رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي الإجراءات التي رافقت المفاوضات، معتبرا أنه من غير المقبول اطلاع أطراف أجنبية على مستندات تتعلق بمستقبل البلاد.
وفي المقابل، لم يصدر مجلس النواب، وفق المعطيات الواردة، موقف رسمي بشأن توقيع الاتفاق حتى الآن، الأمر الذي يجعل مصير الوثيقة مرتبطا بدرجة كبيرة بموقف المؤسسات المعنية خلال المرحلة المقبلة.
هذه الاعتراضات تعكس أن توقيع الاتفاق لا يعني بالضرورة انتهاء الخلاف حول قواعد اللعبة السياسية، بل ربما يمثل بداية مرحلة جديدة من التفاوض حول شرعية الوثيقة وآليات تنفيذها.
ورحبت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالتوقيع، معتبرة إياه خطوة مهمة لدفع العملية السياسية وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات وطنية.
وقالت هانا تيتيه خلال مراسم التوقيع إن الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو تجاوز المأزق السياسي والمؤسسي الذي عرقل العملية الانتخابية.
من جانبه، شدد وليد اللافي على ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرا، في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة.
أما الشيباني أبو همود، فأعلن أن لجنة «4+4» ستعمل بالتعاون مع بعثة الأمم المتحدة على إعداد إطار لمتابعة تنفيذ الاتفاق خلال شهر من توقيعه، واستكمال التدابير اللازمة.
وتكشف الوثيقة، في مجملها، محاولة للانتقال بالعملية السياسية الليبية من مرحلة إدارة الأزمة إلى تحديد قواعد زمنية ومؤسسية للانتخابات. لكنها في الوقت ذاته تضع مجموعة من الملفات الشائكة في قلب المرحلة المقبلة، من شكل السلطة التنفيذية إلى مستقبل المفوضية الانتخابية، وشروط الترشح، ومشاركة العسكريين ومزدوجي الجنسية، وصولا إلى دور البرلمان المنتخب في الملف الدستوري.
وبالنسبة لليبيا، فإن القيمة الفعلية للاتفاق لن تقاس بحفل التوقيع أو بصياغاته السياسية، وإنما بمدى قدرة الأطراف الليبية على تحويل بنوده إلى إجراءات ملزمة ومتوافق عليها، بعيدا عن إعادة إنتاج الانقسام أو استخدام القواعد الانتخابية لتأجيل الاستحقاق.
فالسقف الزمني المحدد بعامين يمنح العملية السياسية إطارا واضحا، لكن نجاحه سيظل مرهونا بوجود إرادة ليبية حقيقية لتوحيد مؤسسات الدولة، وقبول نتائج الانتخابات، وإنهاء المرحلة الانتقالية التي طال أمدها.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤