تتجه مخرجات اجتماع المجموعة المصغرة «4+4» إلى فتح مواجهة سياسية ومؤسسية جديدة في ليبيا، بعدما انتقل الجدل من مرحلة الترحيب بالاتفاق باعتباره خطوة نحو كسر الجمود والذهاب إلى الانتخابات، إلى خلاف حول مدى شرعيته وآلية تنفيذ مخرجاته، ولا سيما ما يتعلق بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
ويأتي تحرك رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، بالتزامن مع موقف رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي من مخرجات الاتفاق، في اتجاه يبدو معاكسًا للترحيب الواسع الذي صدر عن القيادة العامة وحكومة الوحدة وعدد من أعضاء مجلس النواب وشخصيات ومؤسسات ليبية، فضلًا عن بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
بحث رئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، مع رؤساء اللجان الدائمة بالمجلس، مستجدات المشهد السياسي ومخرجات اجتماع المجموعة المصغرة «4+4»، مؤكدين ضرورة إخضاع مضمون الاتفاق للتقييم من الناحيتين الدستورية والقانونية.
وشدد الاجتماع على ضرورة التحقق من المرجعية الوطنية والمؤسسية التي يستند إليها الاتفاق، ومدى توافر التوافق المطلوب بشأن ما قد يترتب عليه من آثار تمس مؤسسات الدولة والاستحقاقات السياسية والانتخابية المقبلة.
وأكد المجتمعون أن القضايا المصيرية المتعلقة بمستقبل ليبيا لا يمكن معالجتها بمعزل عن المؤسسات الليبية المختصة، داعين إلى توسيع دائرة التشاور والتنسيق، وفي مقدمتها مجلس النواب باعتباره شريكًا أساسيًا في الاستحقاقات الوطنية.
كما شددوا على أهمية إشراك المجلس الرئاسي وسائر المؤسسات والجهات ذات العلاقة، بما يعزز ما وصفوه بالملكية الوطنية للعملية السياسية، ويحول دون فرض ترتيبات من خارج الإطار المؤسسي.
وكان اتفاق المجموعة المصغرة قد أوصى بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، مع التوصية بتعيين ضو الهمالي رئيسًا وسناء الليشاني نائبًا للرئيس، إلى جانب عدد من الأعضاء.
لكن المنفي أصدر بعد توقيع الاتفاق مرسومًا رئاسيًا بتسمية عماد السائح رئيسًا لمجلس إدارة المفوضية، وسناء سعيد عيسى الليشاني نائبًا للرئيس، إلى جانب أعضاء آخرين.
وأثار اختلاف الأسماء بين مخرجات الاتفاق والمرسوم الرئاسي خلافًا جديدًا حول الجهة المخولة باعتماد مخرجات «4+4» وآلية تحويلها إلى قرارات نافذة.
في المقابل اعتراض عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني على مرسوم أصدره رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بشأن إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، بعد دقائق من توقيع اتفاق «4+4».
وكان الكوني قد أعلن رفضه للمرسوم، مؤكدًا أنه لم يُعرض عليه ولم يُدعَ إلى اجتماع لمناقشته، ولم يشارك في إصداره أو يوافق عليه أو يوقعه، معتبرًا أن صدوره خارج آلية اتخاذ القرار الجماعي للمجلس الرئاسي.
ووصف الكوني الإجراء بأنه مسار منفرد يتعارض مع مخرجات اجتماع «4+4»، مطالبًا بسحب المرسوم ووقف أي إجراءات تنفيذية تستند إليه.
وجاءت مواقف تكالة والمنفي في اتجاه مغاير لسلسلة من الترحيبات التي أعقبت توقيع اتفاق المجموعة المصغرة، إذ رحبت القيادة العامة بالاتفاق، مؤكدة دعمها لكل مسار يقود إلى توحيد مؤسسات الدولة وإنهاء الانقسام والوصول إلى الانتخابات.
كما اعتبر نائب القائد العام الفريق أول ركن صدام حفتر أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة نحو تجاوز حالة الانقسام، مؤكدًا تمسك القيادة العامة بهدف توحيد البلاد ومؤسساتها والوصول إلى انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة.
ورحب رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة بتوقيع اتفاق «4+4»، معتبرًا إياه خطوة مهمة نحو إنهاء المراحل الانتقالية.
وأكد الدبيبة ضرورة التزام جميع الأطراف بتنفيذ الاتفاق وفق الجدول الزمني المحدد، بما يفتح المجال أمام توحيد المؤسسات والقرار الوطني والدفع بالعملية السياسية نحو استحقاقاتها الانتخابية.
كما رحب رئيس الحكومة الليبية أسامة حماد بالاتفاق، واعتبره خطوة وطنية مهمة لكسر الانسداد السياسي والعودة إلى الاستحقاق الوطني، داعيًا إلى استكمال المبادرة الأمريكية وباقي مخرجات المسار السياسي بصورة عاجلة.
وفي المقابل، أعلن رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح دعم المبادرات والمساعي الرامية إلى تسوية سياسية شاملة وإنهاء الانقسام والوصول إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة.
وأكد استعداد المجلس للتعاطي مع ما يفضي إلى سلطة موحدة وتوحيد مؤسسات الدولة، لكنه شدد على أن أي تفاهمات يجب أن تكون في إطار الإعلان الدستوري والتشريعات النافذة والاتفاق السياسي.
كما أكد 103 أعضاء بمجلس النواب أن توقيع اتفاق «4+4» يمثل خطوة وطنية مهمة لكسر الجمود السياسي وفتح الطريق أمام تسوية شاملة تقود إلى الاستقرار والانتخابات، داعين الأطراف إلى تغليب المصلحة الوطنية والابتعاد عن التعطيل وفرض الأمر الواقع.
وحظي الاتفاق أيضًا بترحيب أممي ودولي، إذ أشادت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه بانخراط ممثلي القيادة العامة وحكومة الوحدة في حوار وصفته بالجاد والبناء، معتبرة أن الاتفاق يمثل تطورًا إيجابيًا في مسار تنفيذ خارطة الطريق السياسية.
كما رحب الاتحاد الأوروبي بالاتفاق، واعتبره خطوة مهمة نحو توحيد المؤسسات وإجراء انتخابات وطنية نزيهة، داعيًا مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة إلى التفاعل مع مخرجاته والعمل على تنفيذها دون تأخير.
من جانبه، وصف المستشار الرئاسي الأمريكي مسعد بولس توقيع الاتفاق بأنه خطوة مشجعة إلى الأمام، داعيًا إلى استثمار الزخم السياسي وتسريع التنفيذ والتقدم نحو الانتخابات والمؤسسات الموحدة.
وكان عضو المجلس الرئاسي موسى الكوني قد رحب في مراسم توقيع الاتفاق بمخرجات «4+4»، مؤكدًا أن الجمود لم يعد خيارًا، وأن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من الحوار إلى التنفيذ ومن الاتفاق إلى صناديق الاقتراع.
وشدد الكوني على أن الانتخابات يجب أن تكون خاتمة المرحلة الانتقالية، لا مدخلًا إلى مرحلة انتقالية جديدة، داعيًا إلى توحيد المؤسسات والعبور إلى شرعية سياسية يستمدها الحكم من إرادة الناخبين.
إلا أن موقفه تغير لاحقًا تجاه مرسوم المنفي الخاص بالمفوضية، إذ اعتبره إجراءً منفردًا لم يستوفِ آلية اتخاذ القرار الجماعي داخل المجلس الرئاسي، وطالب بإلغائه وعدم ترتيب أي آثار قانونية أو إدارية عليه.
اتفاق «4+4» يفتح مسارًا عمليًا نحو الانتخابات خلال 24 شهرًا، عبر معالجة القوانين الانتخابية وإعادة تشكيل المفوضية وتوحيد المؤسسات والسلطة التنفيذيةوبينما يرى المؤيدون أن اتفاق «4+4» نجح في تحريك ملف ظل عالقًا لسنوات، فإن مواقف المجلس الأعلى للدولة والاعتراض داخل المجلس الرئاسي يعيدان طرح السؤال حول قدرة المؤسسات الليبية على تحويل التوافق السياسي إلى قرارات ملزمة وقابلة للتنفيذ.
ويتركز الاختبار الأبرز حاليًا حول مستقبل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وما إذا كانت مخرجات «4+4» ستتحول إلى ترتيبات معتمدة من المؤسسات المختصة، أم أن الخلاف حول الصلاحيات والمرجعيات سيعيد إنتاج حالة الانقسام التي سعى الاتفاق إلى تجاوزها.
جاء اتفاق «4+4» بعد أشهر من النقاشات بين ممثلي القيادة العامة وحكومة الوحدة الوطنية، وبرعاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بهدف معالجة عدد من نقاط الخلاف التي تعرقل استكمال المسار الانتخابي.
وتضمنت مخرجاته توصيات بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية، ومعالجة عدد من المسائل المرتبطة بالقوانين الانتخابية، من بينها السماح لمزدوجي الجنسية والعسكريين بالترشح للانتخابات الرئاسية وفق الضوابط الواردة في الاتفاق، إلى جانب فك الارتباط بين الانتخابات الرئاسية والتشريعية.
وبينما اعتُبرت هذه المخرجات من جانب مؤيديها محاولة لإزالة العقبات القانونية والسياسية أمام الانتخابات، فإن الخلاف الحالي ينتقل بالاتفاق إلى مرحلة أكثر حساسية: من يملك اعتماد مخرجاته؟ وكيف تتحول التوصيات إلى قرارات نافذة؟
وهنا تتقاطع مواقف المجلس الأعلى للدولة مع اعتراض الكوني على مرسوم المنفي، في مقابل ترحيب القيادة العامة وحكومة الدبيبة وحماد وعدد كبير من أعضاء مجلس النواب، إلى جانب الدعم الأممي والأوروبي والأمريكي، ما يجعل المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة الأطراف الليبية على الحفاظ على زخم الاتفاق وتحويله من وثيقة توافق إلى خطوات تنفيذية تقود بالفعل إلى الانتخابات.
اتفاق «4+4» يطوي خلافات انتخابية ويمهد لمرحلة جديدة من توحيد مؤسسات ليبيا
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤