اقتصاد ليبيا تحت الضغط.. ضرائب غائبة وإنفاق منفلت ومواطن يدفع الثمن
طرح الخبير الاقتصادي مختار الجديد جملة من الملاحظات بشأن أداء الاقتصاد الليبي، مركزا على العلاقة بين الاعتمادات المستندية والضرائب، وما وصفه بوجود فجوة بين ما تنص عليه القواعد الضريبية وما يجري فعليا في السوق.
وأوضح الجديد، في منشور عبر صفحته على فيسبوك، أن الاعتماد الذي تفتحه شركة بقيمة مليون دولار يمكن أن يحقق لها أرباحا لا تقل، وفقا لتقديره، عن 2.5 مليون دينار، مشيرا إلى أن قانون الضرائب يفرض ضريبة على الشركات بنسبة 20%.
وبحسب حساباته، فإن اعتمادا بقيمة مليون دولار يفترض أن تترتب عليه ضريبة لا تقل عن نصف مليون دينار، لكنه قال إن الواقع مختلف، إذ توجد شركات تفتح اعتمادات بعشرات الملايين، بينما لا تتجاوز الضرائب التي تسددها بضعة آلاف من الدنانير سنويا.
واقترح الجديد أن يتم تحصيل الضرائب المستحقة منذ البداية، وقبل فتح الاعتماد، باعتبار ذلك، من وجهة نظره، إجراء يمكن أن يحد من الفجوة بين النشاط التجاري الفعلي والحصيلة الضريبية.
وانتقل الجديد إلى ملف سعر الصرف، مستشهدا بحالة سابقة تراجع فيها سعر الدولار من سبعة دنانير إلى ستة دنانير، عندما سأله أحد المتعاملين الذي اشترى الدولار بسعر أعلى عما يمكن فعله بعد هبوط السعر.
وقال إن نصيحته آنذاك كانت الاحتفاظ بالدولار إلى أن يعود السعر إلى مستوى الشراء، وهو ما حدث لاحقا بحسب روايته، عندما ارتفع السعر مجددا إلى سبعة دنانير وتجاوزها في مرات أخرى.
وفي هذا السياق، قدم الجديد نصائح للمتعاملين بالدولار، داعيا إلى عدم بيعه بخسارة، واعتبر أن سعر الشراء يجب أن يظل حاضرا عند اتخاذ قرار البيع. كما نصح، حتى عند تحقيق ربح، بعدم التسرع في البيع، مبينا أن الاحتفاظ بالدولار يعني، في تقديره، أن المتعامل لا يسجل خسارة لمجرد تراجع السعر طالما بقيت العملة بحوزته.
وتناول كذلك ما يتردد بشأن قيام المضاربين بخفض سعر الدولار بهدف إعادة الشراء، متسائلا عن جدوى البيع إذا كان المتعامل مقتنعا بهذه الفرضية.
وخاطب من يحملون مبالغ محدودة من الدولار لأغراض شخصية، محذرا من الانخراط في المضاربة سعيا وراء مكاسب محدودة، وضاربا مثالا بمن يملك ألفي دولار نقدا ويذهب إلى سوق المشير بهدف تحقيق ربح قدره ألفا دينار، داعيا إياه إلى الاحتفاظ بها بدلا من المخاطرة بها في السوق.
وفي الجانب الاستهلاكي، أشار الجديد إلى بيانات مصرف ليبيا المركزي، قائلا إن ليبيا استهلكت خلال ستة أشهر أكثر من ثلاثة مليارات دينار على المشروبات الغازية والزبادي.
وطرح في هذا السياق تقديرا لتكلفة المواد الخام، قائلا إن قيمة المواد الخام تبلغ نحو 200 مليون دولار، وباحتساب سعر 8.5 دينار للدولار، ثم إضافة 40 في المئة لتكاليف الإنتاج الأخرى وهامش الربح، تتضح، بحسب طرحه، ضخامة الأموال التي تدور في سوق السلع الاستهلاكية.
وتأتي هذه الأرقام في وقت يواجه فيه المواطن الليبي ضغوطا متزايدة على دخله وقدرته الشرائية، بينما تستمر الحاجة إلى ضبط الاستيراد والإنفاق وتعزيز الإنتاج المحلي وتقليص التسرب المالي.
ووضع الجديد ثلاثة ملفات تحت عنوان مؤشرات الانهيار، وهي البنزين والدولار والمرتبات، معتبرا أن اجتماع هذه المؤشرات يعكس عمق الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه البلاد.
وقال إن عامين مضيا وما زالت هناك سنة أخرى، قبل أن يضيف أن عام 2027 بالنسبة إليه يظل مجهول المصير، في إشارة إلى استمرار حالة عدم اليقين بشأن المسار الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
ويرتبط ملف المرتبات بصورة مباشرة بمستوى معيشة المواطنين، بينما يمثل الوقود والدولار عنصرين أساسيين في حركة الاقتصاد، بما يجعل أي اضطراب في أحد هذه الملفات قابلا للانتقال إلى أسعار السلع والخدمات وتكاليف النقل والإنتاج.
وعلى المستوى الاجتماعي، قال الجديد إن أغلب الليبيين، بحسب تقديره، بدأوا يتقبلون فكرة انقسام المجتمع إلى طبقتين، إحداهما ثرية والأخرى معدومة، وأن شريحة من المواطنين انتقلت من الطبقة الوسطى إلى الطبقة الفقيرة وبدأت تتعايش مع الوضع الجديد وتتأقلم معه.
وأشار إلى أن أقلية محدودة لا تزال ترفض التسليم بهذا الواقع، مستخدما تعبيرات شعبية للتأكيد على أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية، من وجهة نظره، تحتاج إلى وقت حتى تفرض نفسها بصورة أكبر على المجتمع.
ويكشف هذا الطرح عن جانب اجتماعي للأزمة لا يقل أهمية عن مؤشرات الأسعار وسعر الصرف، إذ إن تراجع القوة الشرائية واتساع الفوارق في الدخول يمكن أن يغيرا تركيبة الطبقة الوسطى ويزيدا الضغوط على الأسر محدودة الدخل.
وفي ملف المالية العامة، عرّف الجديد الإنفاق المنفلت بأنه زيادة مصروفات الحكومة على إيراداتها، الأمر الذي يدفعها، بحسب طرحه، إلى الاقتراض من مصرف ليبيا المركزي.
وشدد على أن الاقتراض يظل اقتراضا مهما تغيرت التسمية، موضحا أن وصفه بالدين العام أو إصداره في صورة سندات حكومية لا يغير من طبيعته أو آثاره الاقتصادية.
وقال إن تغيير المصطلحات لا يغير جوهر الواقع، محذرا مما اعتبره محاولة لاستغفال المواطنين عبر تغيير أسماء الإجراءات المالية بدلا من معالجة أسباب العجز والانفاق المتزايد.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل اعتماد المالية العامة الليبية بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، وما يترتب على ارتفاع الإنفاق العام من ضغوط على السيولة وسعر الصرف والاستقرار النقدي، فضلا عن انعكاساته المباشرة على المواطن.
وفي ختام منشوره، انتقد الجديد أوضاع العملية التعليمية، مستشهدا بانطلاق العام الدراسي الجديد في السعودية خلال الأسبوع الجاري، في مقابل صورة ساخرة قدمها عن الواقع التعليمي في ليبيا.
وقال، مستخدما تعبيرا ساخرا عن ليبيا، إن الدراسة تبدأ في أكتوبر، بينما توزع الكتب في نوفمبر، ويأتي شهر رمضان عطلة، ثم يقال في أبريل إن المنهج اكتمل ولا حاجة لاستمرار الحضور.
واختتم حديثه بعبارة ساخرة حول ضمان النجاح، في انتقاد واضح لما يراه اختلالا في انتظام العملية التعليمية وتوفير الكتب وإدارة العام الدراسي.
وتجمع ملاحظات الجديد بين ملفات الضرائب والاعتمادات وسعر الصرف والإنفاق العام والوقود والمرتبات والاستهلاك والتعليم، لتقدم صورة واسعة للأزمة الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا من زاويته، مع تركيز متكرر على ضرورة معالجة الاختلالات المالية من جذورها بدلا من الاكتفاء بتغيير المسميات أو التعامل مع نتائج الأزمة دون أسبابها.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة